الخميس 20 سبتمبر 2018 5:31 م القاهرة القاهرة 33.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

خارج ذاكرة «السلطة» والعرب فلسطين: يا لوحدنا!

نشر فى : الأربعاء 21 أكتوبر 2015 - 6:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 21 أكتوبر 2015 - 6:35 ص

عادت فلسطين تفرض نفسها بدمائها على اهتمام العالم، قافزة من فوق الحروب التى تجتاح المشرق العربى منحرفة بالصراع عن سياقه السياسى إلى الفتن الأهلية بذرائع طائفية ومذهبية.
تجاوز فتية فلسطين أسوار اتفاق أوسلو «السلطة» التى أنجبها فى عملية قيصرية ذهبت بقداسة القضية محولة ميدانها إلى صراع «سياسى» عبثى بين محتل معزز بجبروت القوة والدعم الدولى المفتوح و«شرعية» تضفيها عليه «السلطة» التى لا تملك قرارها، حتى لو رغبت فى أن تقرر. بل إن هؤلاء الفتية قد تجاوزوا «الفصائل» التى فقدت بريقها مع تخليها عن الكفاح المسلح، ثم تجاوزوا موضوع السلاح ذاته، وهم فى أى حال لا يملكونه، ولجأوا إلى المواجهة المفتوحة بصدورهم العارية، وبحجارة أرضهم، ثم بالسكاكين، إذا ما تسنى لهم الاشتباك المباشر مع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح تتقدمهم وتحرس أخيراتهم المصفحات والسيارات العسكرية التى يجعلها التصفيح أقرب إلى قلاع من حديد يحتمى فيها الجنود المصفحون وهم يوجهون رصاص بنادقهم إلى الفتية العزل إلا من إيمانهم بحقهم فى أرضهم.
على أن ظاهرة خارقة قد فرضت نفسها فى الميدان، إذ إن صبايا فلسطين قد نزلن إلى ساحة المواجهة، جنبا إلى جنب مع إخوتهم الذين لم ينتظروا «أوامر القيادة». وهكذا تكامل «الميدان» بأصحاب القرار فى أرضهم التى كانت دائما أرضهم، والتى يرون أنها الآن مهددة أكثر مما كانت فى أى يوم مضى، فوحوش المستعمرين تقتحم ـ بحراسة الدبابات وطوابير العسكر ـ البلدات والقرى الفلسطينية تحاول طرد أهلها منها، فتحرق حقول الزيتون، وتهدم البيوت الفقيرة والتى كانت هناك على امتداد التاريخ، لتقيم المستوطنات الجديدة كعنوان لدولة يهود العالم.
***
انكشفت السلطة العاجزة التى لم تعرف كيف تواجه الظاهرة الجديدة، وإن هى حاولت توظيفها فى الخطاب الركيك لمندوبها فى الأمم المتحدة الذى «مُنح» بضع دقائق ليشرح طبيعة المخاطر التى تهدد مشروع السلام الذى استُولد قيصريا فى أوسلو، ثم منعت عنه إسرائيل أسباب الحياة.
فى البداية لم تحسن السلطة تقدير خطورة الانفجار الشعبى، برغم أن الميدان كان يستقطب مع كل شمس جديدة، مئات إضافية من الشبان والفتيات، وكلهم من مواليد زمانها، أى ما بعد أوسلو وإقامة هذه السلطة المعلقة فى الهواء، يتحكم الاحتلال الإسرائيلى بمقدراتها جميعا، ويفرض عليها أهل النظام العربى، لاسيما الأغنى منهم والأعظم ولاء للإدارة الأمريكية «الانضباط» و«الاعتصام» باتفاق أوسلو الذى فتح الباب لعصر السلام بين العرب والإسرائيليين بعنوان «حل الدولتين». وهو وهم لم يعرف طريقه إلى التنفيذ فى أى يوم.
تجاوز فتية فلسطين المعوقات وأبرزها مع السلطة وبعدها، انشغال العرب الأقربين بهمومهم الثقيلة التى تأخذهم بعيدا عن «القضية المركزية للنضال العربى». فكل من هذه الأنظمة مشغول بحروبه الذاتية مع «العصابات المسلحة» سواء اتخذت من مسألة «الخلافة» شعارها، أو حملت الراية الإسلامية فى تبرير صدامها مع الأنظمة القائمة بذريعة «الخروج على الدين»، أو احتكار أقلية مذهبية السلطة خلافا لرأى الأكثرية.
وإذا كانت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى بحراسة قوات الاحتلال، هى الشرارة التى فجرت الغضب الفلسطينى، فالمؤكد أن شعور فتية فلسطين أنهم مهددون فى يومهم، ولا أمل لهم بحياة كريمة فوق أرضهم، فى ظل الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على مقدرات بلادهم وتحكمها بأسباب حياتهم التى تعجز السلطة عن تأمينها، فضلا عن انسداد أفق المستقبل أمامهم. كل ذلك ساهم فى دفع الشباب فى مختلف أنحاء فلسطين إلى النزول إلى الميدان ليواجهوا أسباب اليأس بلحمهم الحى.
***
للحظة تبدت الحقيقة عارية وجارحة: لا أحد معنى بفلسطين وأهلها، فى حاضرهم ومستقبلهم. العرب، لاسيما عرب الجوار غارقون فى دمائهم وسط الحروب بينهم وعليهم، تذهب الأنظمة المهددة فى مصيرها إلى البعيد فى طلب النجدات لاستنقاذ وجودها. وبين شروط الإنقاذ طى صفحة الحرب مع إسرائيل التى كانت عدوا وباتت شريكا فى صنع السلام.
ثم أن هذه الأنظمة المشغولة بهموم مصيرها لا وقت لديها للاهتمام بفلسطين، ففلسطين باتت من الماضى وفيه، والهم الطاغى الآن يتصل بمصير سوريا، ومصير العراق، ومصير اليمن، ومصير ليبيا إلخ. أى أن لكل نظام عربى ما يشغله بنفسه عن القضية التى كانت مقدسة، والتى باتت تسكن الماضى بالنسبة إليه، واهتمامه ينصب بكليته على الحاضر ولا يجد الوقت والقدرة للاهتمام بالمستقبل، ثم يأتى من يحدثه عن فلسطين وعن العدو الإسرائيلى؟!
لا عرب الآن. عاد العرب قبائل وعشائر ببطون وأفخاذ كما قبل الإسلام. وعاد المسلمون إلى صراعات الجاهلية بأسلحة القرن الحادى والعشرين: سنة وشيعة وعلويين وإسماعيليين ودروزا. وفلسطين خارج الدائرة، لها هويتها الواحدة الموحدة التى يهددها خطر التذويب فى المشروع الإسرائيلى لدولة يهود العالم. فمن يهتم لمصير هذا الشعب الأسير، الذى سقط من ذاكرة النظام العربى الذى استوعب «السلطة» ليلغى «القضية»؟!
إن الشعب السورى الذى طالما شكل الطليعة فى النضال من أجل فلسطين، مشرد الآن داخل بلاده وخارجها، ينزف أجياله الجديدة فى حرب بلا أفق، ويصارع على حدود الدول الأجنبية للحصول على إقامة وبطاقة إغاثة. فالحرب تلتهم بلاده، بدولتها وشعبها، بقدراتها وأسباب عمرانها.
والشعب العراقى ممزق بأسباب الفتنة، ودولته التى ضربها الطغيان ثم دمرها الاحتلال الأمريكى، عاجزة عن استعادة وحدتها، مواردها منهوبة، وجيشها الذى كان أسطورى القوة قد تفكك على قاعدة مذهبية، وهكذا فُرض التقاعد المبكر على بعض ضباطه الكبار، فالتحق قسم منهم بـ«داعش»، بينما لبث البعض الآخر فى البيت يمضغ وجع اضطهاده وبؤس واقعه المعاشى مفتقدا دولته الجامعة. وتم تركيب جيش رديف، على عجل، بهوس طائفى، ومن دون النظر إلى الكفاءة والأهلية وصدق الوطنية وكلها من شروط الانتصار على «داعش» وسائر أصناف الفوضى المسلحة التى تحتل الشارع.
أما مصر فمشغولة بذاتها، همومها ثقيلة جدا، يتصدرها الاقتصاد بعدما نهبت مواردها الحيوية التى توزعها «رجال النظام القديم»، ثم يتقدم الخطر الأمنى على ما عداه، بعد إسقاط حكم الإخوان وتقدم إسلاميى «داعش» ومشتقاته إلى المواجهة مع النظام الجديد الذى تُفرض عليه شروط النهوض بالبلاد من وهدة العوز أن يتساهل مع من يتقدم لمده بالمساعدات والقروض، أو يلوح بالهبات ثم يسحبها إذا ما رُفضت شروطها.
لا ضرورة للغرق فى التيه الليبى، أو فى دماء الحرب التى فُرضت من خارج التوقع على اليمن، والتى تبين لمن اندفع إليها بغير تروٍ، ومن خارج الضرورة، وإن ثبت بالممارسة أنها أطول زمنيا مما قدر وخطط، وأنها أثقل كلفة مما اصطنع من حسابات متعجلة مفادها أنها لا تحتاج إلا بضع غارات بالطائرات الأسرع من الصوت والكفيلة بتدمير مقار «العدو» ومخازن أسلحته.
***
هكذا يعود الفلسطينى إلى لازمته التى أبدعها محمود درويش: يا لوحدك! ولعل الأجيال الجديدة فى فلسطين قد نشأت فى ظل الإخراج القسرى للقضية المقدسة من الذاكرة الجماعية العربية.
إن شعب فلسطين تحت «السلطة» يفتقد وحدته، بقدر ما يفتقد حلم آبائه المجاهدين فى دولة تنتجها الثورة معززة بالدعم العربى المفتوح.
لقد فرض عليه أن يعيش فى ظل «السلطة» العاجزة عن استنقاذ حقه فى «دولة» له، بلا أحلام، بلا قدرة على تصور غده. فأرضه التى «منحها» له اتفاق أوسلو تتآكل يوما بعد يوم باجتياحات المستوطنين، وحركته محدودة فى بلاده التى ظلت محتلة، فسلطتها مرتهنة للاحتلال بمقدراتها جميعا.
ثم إن خطرا جديدا أطل يهدد مستقبله عبر ابتعاد غزة عن الضفة «والسلطة» بما يطرح احتمال أن يصير للأرض التى يفترض أن اتفاق أوسلو قد تنازل عنها للسلطة، سلطتان: واحدة فى الضفة بعاصمتها رام الله، والثانية فى غزة.
ولعل أهم ما قدمه ميدان الانتفاضة الجديدة إعادة توحيد فلسطين: لقد خرج الفتية فى مختلف أنحاء فلسطين، الضفة والقطاع وأراضى 1948 إلى الشارع فى هبة واحدة، وواجهوا، كل فى ميدانه، العدو الواحد، بما ملكت إيمانهم: الحجر المقدس ثم السكاكين التى أكدت سقوط أسطورة الجندى الإسرائيلى الذى يميت ولا يموت! يقتل ولا يُقتل!
لا مجال للمبالغة، وافتراض أن الثورة قد انطلقت بهدف التحرير، لكن ما تحقق أخطر وأعظم تأثيرا: إن فلسطين باقية، القضية المقدسة، وشعبها الباقى فيها مستعد ـ بعد ـ لبذل الدماء من أجل تحريرها. بعدما خسر آماله العراض فى أن إخوانه العرب قادمون وسيكون الفلسطينيون الطليعة والأدلاء لجيوش التحرير المتدفقة من مختلف خطوط النار التى طوقت فلسطين فأسرتها فى اتفاق أوسلو الذى يحمل تواقيع الأنظمة العربية إلى جانب، بل فوق توقيع السلطة الفلسطينية.

 

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات