الجمعة 17 نوفمبر 2017 9:32 م القاهرة القاهرة 22.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

القاهرة.. مدينتى وثورتنا (٢)

نشر فى : الخميس 22 يناير 2015 - 8:05 ص | آخر تحديث : الخميس 22 يناير 2015 - 8:05 ص

الجزء الأول ١٨ يـومـًا

مساء الثلاثاء ٢٥ يناير على شاشة التليفزيون فى غرفتى فى الفندق فى جَيْبور الهند، أذهلتنى صورة التحرير على السى إن إن. وقفت أحدق فيها: أيوة فعلا، هو ميدان التحرير. القناة الأمريكية تبث من التحرير والناس تملأ الميدان وصوت المتحدث باسم الحكومة المصرية، حسام زكى، يقلل من شأن الحشود التى أراها على الشاشة ويؤكد للمشاهدين أن حكومتنا وشعبنا بينهما ود وتآلف، وأن الحكومة تعرف الناس جيدا وتعرف ماذا يريدون وسوف تمدهم ببعض منه.. البعض الذى تراه هى مناسبا.

كان هذا هو الموقف الذى لم يستطع النظام التخلى عنه أبدا. خلال الأسابيع الثلاثة لتلك المواجهة كان كل خطاب للرئيس (المخلوع الآن) حسنى مبارك، أو لنائبه، عمر سليمان، أو لأى فرد من حزبه أو نظامه يحمل تلك النغمة الاستعلائية التى تقول «نحن أدرى بمصلحتكم» .. فى الوقت الذى كان الشعب قد أعلن صراحة رفضه لهذه النغمة ولكل الرسائل التى تتضمنها.

ميدان التحرير ــ أحب كلمة «ميدان» بما تحمل من مدنية وعلنية ومحل التقاء وعمل وكفاح ونزال، قلب المدينة الميدان ــ ميدان التحرير، النقطة المركزية فى القاهرة الكبرى، مستطيل ضخم محدب يغطى نحو ٤٥ ألف متر مربع من الأرض، ويصل وسط البلد وقاهرة إسماعيل شرقا بالنيل والجيزة والمناطق الأحدث إلى الغرب؛ حدوده الجنوبية عند مبنى المجمع والشمالية كوبرى السادس من أكتوبر. تنطلق من قلبه ستة طرق، وستة أخرى من حرمه ــ والميدان هو رجاؤنا ومطلبنا للعقود الأربعة الماضية؛ منذ عام ١٩٧٢ حين أخذت قوات أنور السادات فجرا الطلبة المحتجين حول قاعدة التمثال الخاوية فى الصينية وأودعتهم السجون ــ حين تطايرت قصاصات الورق من نوافذ سيارات الترحيلات تنادى «إصحى يا مصر!» وهى ترفرف إلى الأرض ــ من وقتها والتظاهرات والاحتجاجات تحاول الوصول إلى التحرير، ومنذ سنتين تمكنا من أن نحتل ركنا من إحدى جزر المرور أمام مبنى المجمع لمدة ساعة. كنا أقل من ٥٠ شخصا، وحاصرتنا الحكومة بنحو ألفين من جنود الأمن المركزى ومعهم قياداتهم المثقلة صدورهم وأكتافهم بالنحاس.

منذ أسسه الخديو إسماعيل فى ١٨٦٠ ــ متخذا ميدان الإيتوال فى باريس نموذجا ــ والسيطرة على التحرير تبدو عنوانا للسيطرة على البلاد. أسكَن الخديو الجيش المصرى ووزارة دفاعه هنا، وحين احتلت بريطانيا مصر (بدعوة من الخديو توفيق) فى ١٨٨٢ احتل جيشها ثكنات الجيش المصرى ومقر الوزارة شمال مدخل كوبرى قصر النيل، واحتلت سفارتها قصر الدوبارة جنوبه. ثم جاء الأمريكان ووضعوا سفارتهم إلى جوار البريطانية. وفى زمن ثورة ١٩٥٢ أقامت مصر تمثالا للثائر سيمون بوليفار أسكنته بين السفارتين وأسكنت وزارة الشئون الخارجية المصرية قبالتهما فى قصر الأميرة نعمت كمال (المؤمم)، وعبر شارع التحرير ارتفع مبنى جامعة الدول العربية مكان الثكنات البريطانية وإلى جواره مبنى الاتحاد الاشتراكى العربى.

وإلى جانب رمزيته السياسية والعسكرية فالتحرير هو أيضا بيت روح مصر المدنية. فالمتحف المصرى (١٩٠٢) علامة الجانب الشمالى من الميدان، وحين أسست الحركة الوطنية المصرية جامعة القاهرة ــ بالاكتتاب العام سنة ١٩٠٨ ــ استأجروا لها مقرا (قصر الخواجة جناكليس) ــ المبنى القديم للجامعة الأمريكية بالقاهرة الآن ــ فى الناحية الجنوبية منه. وقبل ذلك، فى ١٩٥١، حين قررت الحكومة المصرية أن تركز كل الإدارات الحكومية التى يتعامل المواطن معها مباشرة فى مبنى واحد، أقامت مبنى مُجَمَّع التحرير، أيقونة المعمار المعاصر وقتها. وفى أوائل عصر ثورة ١٩٥٢ تم توسيع الجامع الصغير الواقع إلى جوار المُجَمَّع وسموه على اسم الشيخ عمر مكرم، القائد الشعبى ضد حملة نابليون على مصر فى ١٧٩٨ وحملة فريزر على مصر فى ١٨٠٧ وأيضا ضد محمد على باشا نفسه حين شعر الشيخ أن الحاكم يفرض الضرائب على الشعب بدون وجه حق. عمر مكرم وافته المنية وهو فى المنفى لكن تمثاله كان جزءا من ثورتنا: نقطة التقاء، مصدر إلهام، شيخ مناضل استلهمناه واحتويناه فصار حاملا للأعلام والميكروفونات وبالونات الأطفال.

وفى فبراير ١٩٥٨ فتح فندق هيلتون النيل أبوابه فى التحرير بجانب مبنى جامعة الدول العربية، وبعد إحدى عشرة سنة وفى مساء ٢٧ سبتمبر ١٩٧٠، وبعد أن قاد يومين من التفاوض والضغوط أنهت قتال الأخوة فى أيلول الأسود، وقتلته هو، وقف جمال عبدالناصر ــ الذى رفع الكثيرون صورته أثناء ثورتنا ــ فى شرفة الجناح الذى أقام فيه أثناء المفاوضات، فى الدور الثالث عشر من هذا الفندق، وقف يتأمل النيل، ثم التفت باسما إلى الأستاذ عبدالمجيد فريد، سكرتير الرئاسة، وتساءل: كيف لم ير هذا المنظر الرائع من قبل؟ «شايف؟ ده إحنا مدفونين بالحياة فى مصر الجديدة»، ثم عاد إلى داره فى منشية البكرى. وبعدها بيومين، ومن نافذة فى مبنى الاتحاد الأشتراكى العربى المجاور، وقفت ابنتاه وزوجته، السيدة تحية كاظم، يشهدن جنازته تموج وتعصف عبر كوبرى قصر النيل إلى التحرير. مبنى الاتحاد الاشتراكى هذا هو المبنى الذى تحول إلى المقر الرئاسى لحزب محمد حسنى مبارك: الحزب الوطنى الديمقراطى ــ المبنى الوحيد فى وسط البلد الذى أشعل فيه الثوار النيران.

مبنى الهيلتون ــ والذى يحمل الآن لافتة الريتز كارلتون ــ تحت التجديد منذ سنوات. أمامه مساحة كبيرة من الأرض غير مستعملة لأنها محاطة بجدار من ألواح الصفيح التى سوف نستخدمها فى المعارك التى ستنشب حول الميدان. هذه المساحة الهائلة فى الميدان الرئيسى لعاصمتنا تقبع فى هذه الحالة الخربة منذ نحو عشرين عاما ويقولون إن هذا مشروع المترو. وأيضا بسبب مشروع المترو يقولون كانت إزالة القاعدة التى كانت تنتظر تمثالا فى مركز حديقة الصينية، هذه القاعدة التى تجمع حولها شباب الحركة الطلابية فى تلك الليلة فى عام ١٩٧٢ التى كتب عنها أمل دنقل قصيدته الكعكة الحجرية:

دقّتِ الساعةُ الخامسه

ظهر الجندُ دائرة من دروعٍ وخُوذاتِ حربْ

ها همُ الآنَ يقتربون رويدا.. رويدا..

يجيئون من كلّ صوبْ

والمغنّون ــ فى الكعكة الحجريّة ــ ينقبضونَ

وينفرجونَ

كنبضةِ قلبْ!

يُشعلون الحناجرَ،

يستدفئون من البرد والظلمةِ القارسه

يرفعون الأناشيدَ فى أوجه الحرسِ المقتربْ

يشبكونَ أياديهمُ الغضّةَ البائسه

لتصيرَ سياجا يصدُّ الرصاصَ!

الرصاصَ..

الرصاصَ..

وآهِ..

يغنّون: «نحن فداؤكِ يا مصرُ»

«نحن فداؤ......»

وتسقطُ حنجرةٌ مُخرَسه

معها يسقطُ اسمكِ ــ يا مصرُ ــ فى الأرضِ

لا يتبقّى سوى الجسدِ المتهشّمِ والصرخاتِ

على الساحة الدامسه!

دقّتِ الساعةُ الخامسه

الآن تلتف البلد كلها حول هذه الصينية، هذه الحديقة المركزية التى تفتقد إلى المركز. وفى إحدى اللحظات الأكثر تأثيرا فى الثورة ــ وثورتنا ثرية بهذه اللحظات ــ نصبت الوفود الشعيبة التى جاءت من المدن والمحافظات إلى الميدان ــ نصبت أعلامها وراياتها هنا فى الصينية ووقفت تحتها تهتف «الشرعية من التحرير». نعم، الشرعية من التحرير.

•••

فى الصباح غادرتُ جَيْبور إلى دلهى، وفى اليوم التالى كنت فى طائرة وضعتنى فى القاهرة مساء الخميس ٢٧. من المطار اتصلت بأختى، ليلى، سألتها: فين الثورة؟ أروح التحرير؟ نصحتنى أن أتصل بابنتها، منى، ومنى قالت إن لا شىء يحدث فى التحرير ولكن ربما أرى بعض التجمهرات إذا ذهبت إلى ميدان الساعة فى مدينة نصر أو إذا مررت من العباسية. لم أر تجمعات. رأيت بعض سيارات الأمن المركزى مقلوبة ومحترقة، لكن المدينة كانت فى الواقع أهدأ مما هو معتاد ليلة الخميس.

كانت الثورة قائمة مشتعلة فى السويس والإسكندرية، أما فى القاهرة فكانت تلتقط أنفساها وتستعد ليوم الجمعة.

التعليقات