علمتنا دراسة وخبرة أن الحكومات المستبدة تشجع الشعوب على التمسك بعاداتها وألا تتجاسر فتفعل غير ما تعودت عليه، العادة. يعتقد هؤلاء الحكام، أن التزام العادة هو العنصر الأهم فى بقاء الأوضاع على ما هى عليه، وهو أساس الاستقرار.
كان مبارك، على سبيل المثال، واثقا من أن الشعب المصرى لن يثور لأنه تعود على نمط علاقة بين الحاكم والمحكوم لا يريد تغييره، وأذكر أن بشار الأسد قال الشىء نفسه عن الشعب السورى وقالها العقيد القذافى حين تحدث عن علاقة حب بين الشعب وزعيمه صارت عادة. إن ثقة القادة المستبدين فى قوة «العادة» ثقة بغير حدود، حتى إنهم، وفلولهم، باتوا لسنين طويلة مقتنعين بأن الشعوب، حتى وإن انساقت ذات يوم مخدوعة وراء ثوار، فهى عائدة بدون شك، ولو بعد حين، لتحيا حياة تعودت عليها.
•••
لم أكن أعرف أن موضوع «العادات» يحظى الآن باهتمام شديد من جانب الشركات الكبرى ومراكز البحث والجامعات الأجنبية، إلى أن قرأت المقال المطول لشارلز دوهيج فى العدد الأخير من مجلة نيويورك تايمز بعنوان «كيف عرفت الشركات أسرارك؟». شعرت على الفور بالسعادة التى تغمرنى كلما وقعت على مقال أو عمل صحفى متميز. التقط دوهيج فكرة مقاله من حديث دار أمامه بين أحد موظفى إدارة التسويق فى شركة أمريكية كبرى وخبير إحصائى تصادف وجوده فى الشركة. سمع موظف التسويق يتساءل بصوت عال إن كانت هناك وسيلة تستطيع الشركة بواسطتها معرفة إن كانت «الزبونة» التى اعتادت شراء حاجياتها من فرع أو آخر من فروع الشركة حاملا فى أوائل شهور حملها بدون أن تعلم أن الشركة تريد معرفة ذلك. خرج الخبير الإحصائى من الشركة وقد أثار السؤال فضوله الأكاديمى.. وما هى إلا أيام وعاد بالإجابة. عاد ومعه قائمة بعناوين معلومات قال إن الحصول عليها وتحليلها يضمن للشركة التوصل إلى إجابة عن السؤال دون أن تعرف الزبونة أن بحثا بشأنها يجرى فى الشركة. تضمنت القائمة بنودا عن الدخل الشهرى الذى تحصل عليه الزبونة والمواقع الإلكترونية التى ترتادها والمجلات التى تقرأها وحالتها الاجتماعية ومستوى تعليمها وميولها السياسية. تضمنت أيضا بنودا عن أمور أخرى كثيرة مثل نوع الصابون الذى تشتريه مؤخرا والتأكد من أنه منزوع الرائحة ومثل مزيلات الروائح التى تستخدمها فى المنزل وأنواع المناديل الورقية. وبالفعل بدأت الشركة تجمع البيانات التى طلبها الخبير الإحصائى وأنشئت فى الشركة إدارة خاصة مهمتها تحليل هذه المعلومات. وتقرر أنه فور صدور نتيجة التحليل الإحصائى بأن زبونة ما غيرت عاداتها الشرائية فالاحتمال الغالب أنها حامل فى شهر مبكر، وبالتالى يتعين أن تقوم إدارة التسويق بإغراق هذه الزبونة باعلانات وحوافز لشراء مستحضرات وبضائع معينة تنفع الحوامل والأطفال الرضع..
نجحت الخطة وحققت الشركة، وهى بالمناسبة شركة Target الشهيرة، أرباحا طائلة من وراء تنفيذ خطة التعرف على عادات الزبائن واستغلالها تجاريا بدون استئذانهم.
•••
جدير بالذكر أنه فى يوم مبكر من أيام تنفيذ الخطة، وصل إلى فرع من فروع الشركة رجل وقور وله مكانته فى المدينة الصغيرة التى يقع فيها هذا الفرع وطلب مقابلة المدير على انفراد. وعندما جلس إلى مكتب المدير أخرج من حقيبته عددا هائلا من الرسائل الإلكترونية تحمل عنوان الشركة وبتوقيع المدير موجهة إلى ابنته. بادر بسؤال المدير عما إذا كانت الشركة تشجع «بنات الناس» على أن يحملن، فالرسائل جميعها تحث الفتاة ذات الستة عشر ربيعا على شراء منتجات كالفيتامينات والمقويات التى تتناولها عادة «السيدات الحوامل» فى الشهر الثالث أو الرابع من شهور الحمل. بدا الموقف محرجا للطرفين واعتذر المدير بشدة ملقيا اللوم على موظفى البريد الإلكترونى فى الشركة.
لم يكتف المدير بالاعتذار الذى قدمه فى مكتبه للوالد، بل اتصل به فى اليوم التالى ليكرر الاعتذار، فإذا به يفاجأ بالأب يقطع اعتذاره باعتذار من جانبه. قال له إنه عرف بعد عودته إلى البيت من الفرع ما لم يكن يعرفه ولكن تعرفه الشركة، إذ أخبرته ابنته أنها بالفعل حامل وأنها أخفت الموضوع عنه وعن أمها.
•••
لم أكن أعرف أن الدراسات عن عادات النساء فى الشراء وغيرها من السلوك اليومى للناس حققت من التقدم درجة جعلت أسرار هؤلاء الناس متاحة إلى هذا الحد للشركات تستخدمها كيفما شاءت وحيثما أرادت. كنت أعرف، كما يعرف الكثيرون، أن هذه الدراسات ضرورية لعلاج عادات مثل الإدمان وأمراضا مثل الاكتئاب والقلق، وأنها ساهمت فى تفسير ظواهر مقلقة مثل قضم الأظافر عند الشباب والشره فى الأكل عند الصغار والكبار على حد سواء ومثل مرض السمنة المفرطة والأرق. أعرف أيضا أن هذه الدراسات ساعدت الكثيرين على التوقف عن تناول فنجان قهوة الصباح وتدخين سيجارة بعد العشاء. ولكن لم أكن أعرف أن دراسة فى جامعة ديوك توصلت إلى أن العادة، وليست القرار الرشيد المدروس، تقف وراء 45٪ من اختياراتنا اليومية، بمعنى آخر نحن نتخذ نصف قراراتنا بدون تفكير اعتمادا على العادة.
لم أكن أعرف أن دراسة أخرى أثبتت أن مخ الإنسان يفضل «العادة» لأنها تريحه من عمليات تفكير معقدة. فهمت أننا عندما نقول، «عملتها بدون تفكير»، فإننا نكون قدمنا خدمة كبيرة للمخ، ولكن نكون فى الوقت نفسه قد عرضنا أنفسنا لمشكلات خطيرة، إذ تأكد الباحثون أن معظم الأخطاء التى نرتكبها أو الحوادث التى تصيبنا تقع فى فترات نعتمد فيها على العادة، أى فى الفترات التى يتخلى فيها المخ عن وظيفته مستمتعا بحالة راحة.
•••
كلمة أخيرة إلى هؤلاء الذين يأملون فى أن يعود المصريون إلى ممارسة «عادة» الخضوع المطلق للرئيس، حاكما كان أم مديرا، أقول، لا تحلموا أو تأملوا. فقد قرأت أن آن جابريل التى قادت الدراسات التى أجريت عن العادة فى معهد ماساشوشتس للتكنولوجيا توصلت إلى أن العادة ليست قدرا مكتوبا لا نستطيع تغييره، فالعادات يمكن تجاهلها وتغييرها أو استبدالها. وعرفت منذ أيام قليلة أن حملة الرئيس باراك أوباما لترشيح نفسه لولاية ثانية قررت استخدام أخصائيين فى دراسات «العادة» بهدف العمل على تغيير أنماط الانتخاب التى «تعود» عليها الناخبون الذين يصوتون بحكم «العادة» لصالح الحزب الجمهورى.
وأثبتت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلوس أن العادة تتغير إذا تعرض الإنسان لتحول جذرى فى حياته أو خريطة عمله. ففى هذه الدراسة تأكد الباحثون من أن الإنسان تتغير معظم عاداته إذا تعرض لطلاق أو زواج أو هجرة أو تغيير نوع العمل، أو إذا تعرضت عواطفه لخيبة أمل خطيرة أو حب جارف..
•••
المصريون تعرضوا لما هو أقوى، تعرضوا لثورة..