الخميس 15 نوفمبر 2018 3:36 م القاهرة القاهرة 24.6°

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

حدائق الرئيس

نشر فى : الجمعة 22 فبراير 2013 - 4:35 م | آخر تحديث : الجمعة 22 فبراير 2013 - 4:35 م

محسن الرملى ليس كاتبا عراقيا يعيش فى المنفى منذ ثلاثة عشر عاما فقط، بل كاتب حمل معه قضايا العالم العربى ووطنه العراق معه عبر كل كلمه كتبها، قضايا الحرب وصراع الإثنيات والعرقيات والمذاهب المختلفة، ومحنة الموت المجانى وفوضى الصراع الذى انفجر بدخول القوات الامريكية لبلاد ما بين النهرين، ورث محسن الرملى محنة ضياع الوطن وصراع الهوية فى رحلته عبر الكتابة، لذلك لم يكن غريبا عليه ان يبحث فى اطروحته للدكتوراه (تأثيرات الثقافة الإسلامية فى الكيخوتة) وأن تبقى قضايا كتابته هى الموت المجانى وتحول الضحايا إلى مجرد ارقام والشهداء إلى صور فى واقع اختلطت فيه الاوراق وأصبح القاتل والمقتول كلاهما ضحية.

 

 حمل محسن الرملى امانة فضح هذا الدكتاتورية التى دمرت وطنه عبر عقود وأدخلته فى حروب مع جاراتها وفضح الاحتلال الذى حول هذا الوطن إلى اقليات مذهبية تحارب بعضها بعضا، وحمل معه كذلك أمانة الدم والأخوة وإحياء ذكرى أحِبته، يقول الرملى فى أحد حواراته المهمة: ( أعتبر أخى حسن مطلق هو أمانة فى عنقى تجاه نفسى وتجاه شعبى لأن حسن كان كاتبا جيدا من الشباب العراقيين وأعدم سنة 1990 فكان له على حياتى تأثير كبير، أنا تلميذ حسن مطلق فأحس بأمانة ــ لأن النظام السابق كتم صوت مثقف عراقى ــ فأنا أحس بأمانة أنه يجب أن أفرض هذا الصوت فاستمررت طوال حياتى أعيش من أجل شخصين وهذا أيضا عبء على وأنا أعيش من أجل نفسى ومن أجل حسن مطلق ولذلك أقوم بإعادة كل مخطوطاته، ونشرت حتى الآن أربعة كتب من مخطوطات حسن مطلق وفى النية أن أنشر كل ما كتب حسن مطلق)، اعدام شقيقه حسن مطلق بتهمة تدبير مؤامرة لاغتيال صدام حسين 1990 دراما اخرى ما زالت محمولة فى صناديق محسن الرملى الكثيرة،

 

سافر الرملى ليدرس فى مدريد فى منتصف التسعينيات، بالطبع كان المهجر تحديا لطالب عراقى لا يحمل إلا مائتى دولار فى جيبه ولغة متواضعة ومستقبلا مجهولا، وتنقّل بين المهن الصغيرة والنوم فى الحدائق ومشاركة الاصدقاء غرفهم الصغيرة، كما واجه صعوبة فى الحصول على عمل فى بلد وصلت فيه بطالة أهلها حدودا مقلقة، وسط أجواء اقتصادية خانقة، رحلة محسن الرملى تستحق التأمل من وجوه كثيرة ولكن صوته وهو يحكى لى رحلته للعمل كعامل يومية فى الأردن وعن رفاقه المصريين لم تغادر ذاكرتى، اعرف الرملى كصديق من زمن طويل لكن تلك اللحظة التى كان يحدثنى فيها أدركت أن هذا الرجل يحمل الكثير ليقوله، ويملك الرؤية الفلسفية العميقة لتحليله، ويملك القلم الدءوب والوعى بأن حياته كلها هى صفحة مليئة بالتفاصيل خلق ليكتبها ويعيش فقط ليرويها.

 

فى روايته الأخيرة (حدائق الرئيس) تبدأ الرواية بتسعة صناديق بها رءوس مقطوعة موضوعة فى صناديق ورقية لشباب قرية على اطراف الوادى، يجد أهل القرية هذه الصناديق ذات صباح وتصبح تركة الموت والفجيعة التى يرثها الجميع وتبدأ رحلة اقتفاء أثر من غدر بهم، ولماذا كان عليهم أن يواجهوا هذا المصير؟ وكيف اختارهم هذا القدر؟ ولماذا يرسل لهم الرءوس فقط؟

 

متعة الاسئلة والبحث، ولوعة الفهم، وسوداوية الواقع الذى فاق كل خيالات الكتابة هى ما يقدمه محسن الر ملى.

 

 وبالطبع لم يكن صعودها للقائمة الطويلة للبوكر مفاجأة لى، فقد رشحت اعمال كثيرة للرملى وحازت جوائز كبيرة لكن خروجها من القائمة القصيرة كان هو المفاجأة، بالطبع لا تصنع الجوائز مبدعين لكن تصنع الكتابة تجاربها الكبيرة والعميقة وتصنع ايضا كتبا رائجة.

 

حدائق الرئيس رواية مليئة بالتفاصيل.. باللوعة وبالوطن وبالثورة والأسى، وهى رواية تشكل علامة فى مسيرة الأدب العراقى وقدرته على تأريخ وتحليل التاريخ القريب والبعيد للوطن. 

التعليقات