الخميس 15 نوفمبر 2018 12:54 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

خطوط حمراء على رمال متحركة

نشر فى : الإثنين 23 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 أبريل 2012 - 8:00 ص

بدت «جمعة تقرير المصير» بعنوانها وقواها والأجواء التى صاحبتها أزمة تتفاقم لا مشهد فى ثورة.

 

العنوان بذاته فيه إدراك كامن بالأزمة وتعقيداتها وشكوك عميقة فى المجلس العسكرى والتزاماته بنقل السلطة فى مواقيتها. الرسالة الرئيسية تلخصها جملة واحدة: «لا يوم زيادة فى السلطة والأثمان السياسية فادحة». هذه الرسالة بدت بدورها كألعاب نارية أصواتها تدوى ووهجها يضىء قبل أن تتبدد الأصوات والأضواء فى الفراغ.. فرسائل السياسة الواصلة إلى أهدافها تقتضى التوافق عليها، وأن تلحقها خطة عمل تقطع الطريق على أية احتمالات لتمديد المرحلة الانتقالية.

 

المشكلة هنا أن الأطراف السياسية التى ذهبت إلى الميدان لا أرضية ثابتة تقف عليها معا لبناء مستقبل وتقرير مصير. حاولت أن تتجنب بقدر ما تستطيع أن تتصادم، أو أن يفلت عيار التفاعلات داخل الميدان، جمعتها هتافات «إيد واحدة».. تداخلت المطالب أحيانا وتصادمت فى أحيان أخرى، كان الميدان بشعاراته المتداخلة والمتصادمة أقرب إلى حدائق «هايدبارك» البريطانية.. كل مشغول بما يقول ويتصور ويحسب.

 

ما بدا مشتركا تبددت رهاناته على مذبح شكوكه. الصدامات التى جرت عكست عمق الشكوك.

 

فى ميادين الشكوك العميقة تجلت بخلفية مشاهدها صورة المجلس العسكرى.. والسؤال يلح: «كيف يفكر العسكرى فى استحقاقات نقل السلطة عند أيامها الأخيرة؟».

 

هناك ثلاثة خطوط حمراء تحكم تفكيره وتقود تصرفه، ولكنها خطوط على رمال متحركة تخضع لحركة الرياح السياسية فوقها.

 

الأول، المساس بوضع الجيش تدخل فى شئونه الداخلية وحركة الترقيات فيه، أو سحب مشروعاته الاقتصادية التى وصفها مساعد وزير الدفاع للشئون المالية اللواء «محمود نصر»: بـ«عرق الجيش». قال بعبارة لافتة: «سنقاتل من أجل بقاء هذه المشروعات فى عهدة القوات المسلحة».

 

القضية تتعدى الكلام حول ميزانية الجيش ومشروعاته الاقتصادية وطرق الرقابة عليها، أو إعلان الحرب ووسائل اتخاذ القرار قبله، إلى وضع المؤسسة العسكرية بعد نقل السلطة.

 

العسكرى يعتقد أنه لم يحصد مكانته الخاصة بمادة فى دستور، ولم يتول السلطة بعد الثورة بنص آخر فى دستور جرى تعطيله. تولى بنفسه اتخاذ إجراءات وقرارات، لم يعلن عنها، تكفل عدم التدخل فى شئونه بعد نقل السلطة.

 

المشكلة الأخرى أن المشير باقٍ فى منصبه على رأس القوات المسلحة لترتيب أوضاعها قبل أن يغادرها.. ويصعب عليه أن تصدر إليه الأوامر من رئيس مدنى، ولكنه سيحاول أن يكيف أوضاعه على الأحوال المستجدة. شىء من التفاهم بين رأس الدولة ورأس القوات المسلحة ضرورى فى مرحلة ما بعد نقل السلطة، وإلا أفلتت اللعبة عن قواعدها ودخلنا فى صدام قبل أن تستقر قواعد جديدة تضمن أن تكون المؤسسة العسكرية ضمن مؤسسات الدولة وفق التقاليد الديمقراطية لا مؤسسة فوق المؤسسات والرئاسات.

 

يروى قائد سابق للحرس الجمهورى أن المشير باغته بعد العودة من اجتماع عاصف فى مجلس الوزراء بعد فترة قصيرة من تولى «أحمد نظيف» رئاسته: «هل يعقل أن أؤدى التحية العسكرية مستقبلا لنظيف الذى بهدلته اليوم!».. بدا قائد الحرس الجمهورى محرجا، فالذى يتحدث هو القائد العام للقوات المسلحة، ولكنه يخضع مباشرة لرئيس الجمهورية، وفى الكلام انتقاد صريح لطريقة إدارة الدولة وتصاعد نفوذ نجل الرئيس داخل الحكومة قبل استفحال هذا الدور الذى أودى به إلى السجن فى نهاية المطاف.

 

الآن الظروف اختلفت، ورئيس الجمهورية المقبل لديه تفويض شعبى يؤسس شرعيته، ولكن هذا لا يمنع من تعقيدات متوقعة فى علاقته بقائد الجيش. الملف كله ملغم ويحتاج إلى وقت لفك عقده، فتجربة نقل السلطة من عسكرى لمدنى لا سابق لها منذ تأسيس الدولة المصرية على عهد «محمد على»، فالجيش هو قاعدة الدولة وعمودها الفقرى، أدواره على مدى أكثر من قرنين حكمتها موازين سلطة تعددت اعتباراتها من مرحلة لأخرى. خضع لحكام أسرة «محمد على»، تمرد أحيانا عليها، جرى تفكيكه متعرضا لتنكيل منهجى بقدراته التسليحية فى سنوات الاحتلال..

 

بعد ما جرى فى يوليو (١٩٥٢) تحول من «جيش الملك» إلى «جيش الثورة»، تغيرت الولاءات، وخرج أربعة رؤساء من بين صفوفه. تناقضت السياسات من حقبة إلى أخرى، ولكن القاعدة العامة للولاء ظلت ثابتة. الآن الجيش أمام وضع جديد تتعقد حساباته وتتداخل مصالحه وتتحكم فيه ظلال تاريخ قريب. الكلام إذن عن الخط الأحمر الأول هواجسه تسبق تجاربه.

 

الثانى، مدنية الدولة.. شرط ألا تكون الدولة عسكرية ألا تكون دينية. الديمقراطية وقواعدها إذن هى المدخل الوحيد لنقل السلطة.

 

باعتقاد قائد بارز دوره مؤثر فى المطبخ السياسى للمؤسسة العسكرية أن مصر فى حاجة إلى فترة تحول قد تطول إلى عشر سنوات على الأقل تترسخ خلالها التجربة الديمقراطية ويتراجع بعدها الدور السياسى للجيش. المعنى أن العسكرى لن يعود كاملا إلى ثكناته بعد تسليم السلطة. وهو تصور تحكمه تناقضاته.. أن يكون شريكا فى الحكم دون أن يتحمل مسئولية قرارته.

 

فى التصور إدراك يصاحبه أن الحياة السياسية بعد نقل السلطة لن تتعافى بسهولة.. لن تستقر قواعدها قبل فترة طويلة نسبيا. الحاجة إلى الجيش لتوفير مقتضيات الأمن لها اعتبارها عند صياغة القرارات. وبشكل أو آخر لفترة قد تطول أو تقصر فإن قائد الجيش، أيا كان اسمه، لاعب رئيسى فى معادلات السياسة.

 

وهذا سبب إضافى لامتناع العسكرى عن دعم ترشح اللواء «عمر سليمان» للسباق الرئاسى، فالأخير بتاريخه العسكرى يطمح إلى تكرار أدوار الرؤساء الذين خرجوا من المؤسسة العسكرية. المشير رد عليه بجملة واحدة عندما فاتحه فى فكرة الترشح: «على بركة الله».. فى البداية فُسرت هذه الجملة أنها تمثل دعما لرجل المخابرات العتيد، ثم تأكد أنها «فض مجالس» على ما يقول عسكريون. «سليمان» أغضبته عبارة المشير المقتضبة، فقد كان يتوقع دعما لمشروع أفصح عنه فى «لم البلد».. وهو «مشروع قمع».

 

إن لم يكن المشير هو الرئيس فهو غير مستعد أن يعتلى المنصب الأرفع شخصية عسكرية أخرى. كانت هذه هى عقيدته الشخصية التى حكمت تفكيره منذ البداية.. ولكن للعبة الجديدة مع رئيس جمهورية مدنى منتخب قواعد أخرى يحكمها خط أحمر على رمال متحركة.

 

الثالث، لا رئاسة قبل الدستور.. بتعبير قيادة عسكرية رفيعة: «لا يصح أن نتسلم دولة بها دستور، جرى تعطيله، ثم نسلمها لرئيس منتخب بلا دستور، لن نترك البلد لفراغ دستورى، أو أن يتحول الرئيس إلى دمية فى يد البرلمان وحزب الأكثرية فيه». هذا التصريح تواترت مفرداته من قائد عسكرى لآخر. المشير نفسه أشار فى اجتماع ضمه لرؤساء وممثلى القوى السياسية إلى أنه «لا انتخابات رئاسية قبل الدستور»، قبل أن يتراجع العسكرى عن الصياغة القاطعة، التى قد تعنى تعطيل الانتخابات الرئاسية، والتشكيك فى جديته بنقل السلطة فى مواقيتها.

 

المعضلة هنا مزدوجة: إن أجريت انتخابات الرئاسة قبل إقرار الدستور قد يحدث تنازع صلاحيات بين الرئيس والبرلمان، ويدخل البلد فى فوضى سياسية وأزمة قرار.. وإن تأجلت الانتخابات الرئاسية بالعودة إلى «الدستور أولا» فإن العسكرى سوف يتهم بالتأمر للبقاء فى السلطة والتنكر لعهوده السابقة.. والاحتمال الأخير يفضى إلى مواجهات شوارع واضطراب سلطة.

 

فى الحالتين هناك أزمة شرعية تلقى بظلالها على ما بعد المرحلة الانتقالية.

 

هناك اقتراحات يجرى التشاور بشأنها لتجاوز الاحتقانات والأزمات المستحكمة، أهمها إعلان العودة إلى دستور (١٩٧١) كدستور مؤقت لحين الانتهاء من وضع دستور جديد يضاف إليه التعديلات الدستورية التى استفتى عليها فى (١٩) مارس (٢٠١١)، وملحق انتقالى ينص على إسناد المهام التنفيذية لرئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة الذى يستند على أغلبية برلمانية على أن تبقى فى يد الرئيس وحده المهام السيادية فى الدفاع والأمن والخارجية والقضاء. هذا مقترح طرحه قضاة فى المحكمة الدستورية على اللواء «ممدوح شاهين»، وقد يخضع مع مقترحات أخرى للتداول فى قناة جديدة يرأسها الفريق «سامى عنان» تضم فقهاء دستور كبار معارضون لخريطة الطريق التى اعتمدها العسكرى بمساندة الجماعة.

 

السؤال الرئيسى المطروح على القناة الدستورية الجديدة: «هل بوسعنا أن نوفق متأخرا بين استحقاق الانتخاب الرئاسى وضرورات العودة للدستور أولا؟».

 

لا تأجيل انتخابات الرئاسة متاح ولا طبخ الدستور مستساغ.