الأحد 23 سبتمبر 2018 3:21 م القاهرة القاهرة 33.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

قاصرات فى مجتمع قاصر!

نشر فى : الثلاثاء 22 مايو 2018 - 9:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 مايو 2018 - 9:50 م

نهاية الأسبوع الماضى، نشرت وكالات الأنباء العالمية صورة حفل زفاف جماعى فى الهند، ضمت مجموعة من العرائس بدا واضحا من معالم وجوههن وتعابيرها المصدومة، رغم حجم الطلاء بالمساحيق أنهن طفلات صغيرات، لم يبلغن الخامسة عشرة من العمر، اقتادهن أهاليهن ومجتمعهن عنوة إلى عالم الكبار والقهر فقط ليستمتع بمعاناتهن رجال، لا يمكن أن يوصفوا إلا بأنهم مرضى نفسيون أو يعانون مركبا من العقد النفسية والاجتماعية والثقافية!
يصعب أن تفارقك صورة الطفلات وهن يقتدن من بيوت أهاليهن وعالم الطفولة إلى عالم مجهول وقاس، يطلب منهن بيوم وليلة أن يصبحن زوجات ونساء مكتملات النمو الجسمى والنفسى لإرضاء عقد وأمراض أناس أصموا ويصمّون آذانهم وعقولهم عن كل هذا التطور الذى حققته البشرية من علم ووعى وثقافة، فيما يجدون فسحة لممارسة هذا الخروج على الإنسانية والمنطق العلمى عبر تشريعات متخلفة لا تزال تترك الباب مفتوحا لمثل هذه الانتهاكات القاسية للطفولة.
فى الأردن، وكما فى أغلب الدول العربية، لا تزال قضية زواج القاصرات مشكلة رئيسية بكل المقاييس رغم انخفاض معدلاتها مقارنة بعقود سابقة؛ حيث تشير إحصاءات دائرتى قاضى القضاة والإحصاءات العامة، إلى تسجيل 10434 حالة زواج لقاصرات، أى بعمر أقل من 18 عاما، العام الماضى، فيما سجل بالعام 2016 نحو 10907 عقود زواج لقاصرات. وكان لافتا فى هذا السياق أيضا أن 846 حالة زواج لقاصرات العام الماضى كان الفارق العمرى فيها بين الزوجة القاصر والزوج 15 عاما وأكثر، ومنها أيضا 9 عقود كان الفارق فيها بين الزوجين أكثر من 50 عاما!
دع عنك الآثار الخطيرة صحيا ونفسيا على القاصر التى يزج بها فى «عش» الزوجية قبل أن تستفيق من طفولتها المستباحة، فإن الإحصاءات والأرقام الرسمية ذاتها تؤشر إلى حجم الظلم والمشكلة، عندما تسجل ارتفاع معدلات الطلاق بين القاصرات، وهو أمر طبيعى ومفهوم لمن يريد أن يفهم ويستوعب ويحلل هذه الظاهرة الكارثية.
الأسوأ فى هذا المجتمع هو أنك لا تزال تجد، حتى من بين من يدعون الثقافة والعلم، من يدافعون عن زواج القاصرات باعتباره أمرا طبيعيا وفيه «سترة»، وأن الكثير من والداتنا نحن الجيل الأكبر، قد تزوجن وأنجبن وهن قاصرات، فيما البعض يموّه على نفسه قبل الآخرين عندما يتصدى للمحذرين من أخطار ظاهرة زواج القاصرات بدعوى أن هذا ملف تمويل أجنبى وحرف لاهتمام المجتمع عن «قضاياه الحقيقية». أحدهم لم يجد فى تسطيحه لقضية وخطورة زواج القاصرات إلا التساؤل عن سبب عدم الاهتمام بقضية ارتفاع نسب العنوسة فى المجتمع الأردنى بدل قضية زواج القاصرات؟! وهو منطق الذى يبرر لهذه الظاهرة من حيث يدرى أو لا يدرى، عندما يضع رأسه فى التراب ليعتبر زواج طفلة قاصر تماما مثل مشكلة عنوسة فتاة أو شاب!
نعلم أن هناك أسبابا وظروفا موضوعية عديدة تدفع أهالى إلى تزويج بناتهم القاصرات: كالفقر والحاجة والجهل وغياب الوعى والبحث أحيانا عن مخرج اقتصادى ومعيشى للعائلة المسحوقة فقرا وحاجة، كل ذلك أسباب معروفة ويجب أن تكون محل حلول ومعالجات مجتمعية وليست فقط من مسئولية تلك العائلات، لكنها كلها أسباب لا تبرر للمجتمع والناس قبول توطن ظاهرة زواج القاصرات فى المجتمع، بل والسماح بالتشريع القانونى لها، مع علم الجميع بالأخطار الصحية والنفسية والاجتماعية لهذه المشكلة.
وانطلاقا من الأسباب المذكورة، فإن الخوف اليوم حقيقى من أن تتزايد ظاهرة زواج القاصرات بالمجتمع الأردنى فى السنوات المقبلة، مع اتساع مساحات الفقر وحدته وانزلاق شرائح مجتمعية أكثر إلى مستنقعات الفقر والحاجة جراء السياسات الاقتصادية التى تضرب يمينا وشمالا بالمجتمع. لكل ذلك، فإن هذه القضية ليست ولا يجب أن تكون قضية هامشية أو ثانوية، بل يجب أن تكون لها أولوية، وأن تحتل مكانتها التى تستحق على سلم اهتماماتنا.

ماجد توبة
الغد ــ الأردن

التعليقات