الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 2:28 م القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

قراءة فى بداية العام الثالث على الثورة

نشر فى : الأربعاء 23 يناير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 23 يناير 2013 - 8:00 ص

تأكد، بالتجربة الحسية، وعلى مستوى الوطن العربى كله، أن حماية الثورة تتطلب جهودا جبارة تفوق جهود تفجيرها وإسقاط نظام الطغيان..

 

وتأكد ما ليس بحاجة إلى تأكيد من أن الثورات مسيرة حياة وليست انتفاضة عاصفة يفجرها المقهورون لامتهان كرامتهم وحرمانهم حقوقهم فى بلادهم، ثم يعجزون بعد ذلك عن الانتقال من «الميدان» إلى دواوين السلطة الثورية لأنهم لا يملكون البرنامج، ولم تمهلهم الظروف لنسج التحالفات مع أصحاب المصلحة بالتغيير الثورى، فيتقدم «الانتهازيون» لاختطاف الثورة والانحراف بها عن مسارها، تاركين « شباب الميدان» فى دوامة ارتباكهم وفرقتهم والنقص فى برنامجهم للتغيير.

 

وبرغم أن المواطنين العرب جميعا سيحتفلون ببداية السنة الثالثة لانطلاق الثورة من ميدان التحرير فى القاهرة، بعد أسابيع قليلة من «انتفاضة البوعزيزي» فى تونس، إلا انهم يدركون حجم المأزق الذى تعيشه مصر نتيجة الشبق إلى السلطة والرغبة إلى الهيمنة على القرار وإعادة صياغة الحياة فى «المحروسة» والذى يتسبب فى تهديد الوحدة الوطنية وفى استمرار تغييب مصر عن دورها العربى والمزايدة على نظام الطغيان الذى أسقطته الثورة فى مجال «مراعاة» الإدارة الامريكية والالتزام بمقتضيات سياستها فى هذه المنطقة، وكذلك فى مجال «تطمين» إسرائيل إلى ان «الإخوان» لا يختلفون ــ جوهريا ــ فى هذا المجال لا عن أنور السادات ومعاهداته ولا عن حسنى مبارك وتنازلاته الإضافية.

 

 •••

 

ولقد سبقت انتفاضة «البوعزيزى» فى تونس ثورة الميدان فى القاهرة بأسابيع قليلة، فأنعشت امال الشعوب العربية المقهورة بأنظمة الاستبداد التى تمتهن كرامتها وتفرض عليها التخلف بما يكاد يخرجها من العصر.

 

وعندما تفجر الغضب الشعبى العارم فى مصر ونجح فى إسقاط حكم الطغيان، اعتبرت الشعوب العربية، فى المشرق والمغرب، أن فجر غد جديد يبزغ فاتحا أبواب الأمل بتغيير شامل يعيد القرار إلى الشعب الذى كان مغيبا بالإرهاب والقمع والسلطة الكلية للقائد الفرد و«حزبه» الواحد الذى يتكون من خليط من المرتزقة والمنافقين وأصحاب المصالح والاحتكارات التى تحرم الناس حقوقهم فى خيرات بلادهم.

 

اليوم، وفى غمار ذكرى انتفاضة البوعزيزى فى تونس وثورة الميدان فى مصر تتراجع مشاعر الزهو بانتصار الإرادة الشعبية على الطغيان ويتبدى واضحا ان عملية التغيير الثورى والاندفاع إلى بناء الغد الافضل تتعرض لمخاطر جدية، وان «الحكم الجديد» الذى وصل إلى سدة السلطة يمارس سياسة فئوية ويحاول احتكار القرار ويكاد يدعى أن «الثورة» ثورته مع انه قد سارع إلى الالتحاق بها عندما تأكد له انها منتصرة حتما، ومن ثم فهو يندفع إلى إقامة حكم الحزب الواحد بقوة الشعار الإسلامى كما بضعف جمهور الميدان فى تنظيمه وفى قدراته المادية.

 

 •••

 

لكأننا أمام ثورات مخطوفة أو مرتهنة لقوى لم تكن رائدة فى التصدى لحكم الطغيان، ولكنها تملك من القدرات المادية وفعالية التنظيم والعلاقات الدولية مع عواصم القرار كما مع الشبكة العالمية للإسلام السياسى، كانزة الذهب، ما قد يمكنها من اختطاف «الثورة»، ولو إلى حين، مع كل ما يستدعيه هذا الاختطاف من اشتباكات وبلبلة واختلاط الأوراق وإعادة الاعتبار إلى حكم الطغيان والإفادة من دعم جماعات المنتفعين منه لمواجهة ثورة الميدان.

 

فالحكم الإخوانى لم يتورع عن الذهاب إلى التحالف مع «نجوم» نظام الطغيان، بل هو بادر إلى الإفراج عن العديد من أقطابهم متجاوزا محاكمتهم حسب الأصول، وفيهم من هو متهم بارتكاب جنايات ضد المواطنين أو ضد المال العام، وسمح لبعضهم بأن يطلوا على الرأى العام بادعاءات كاذبة ليس فقط لتبرئة الذات بل وكذلك للادعاء بأنهم كانوا من «الثوار النائمين» بشهادة إيمانهم بالدين الحنيف.

 

بالمقابل، افاد النظام الجديد ــ القديم من غياب الوحدة عن صفوف الثورة، والعجز عن بناء جبهة موحدة وقوية تجمع شتات هذا الطوفان من الجماهير الذى يكاد يكون بلا قيادة، على كثرة المتصدرين، وبلا برنامج برغم السيل المتدفق من الأفكار والمقترحات ومشاريع التوحد أو المشاركة فى جبهة مؤهلة لان تعيد رص الصفوف وتوحيد المتباينة آراؤهم فى برنامج مشترك للتغيير.

 

إن جماهير الثورة حاضرة، وهى لم تغب يوما واحدا عن الميدان، لكن قياداتها المفترضة لم تنجح حتى الساعة فى إدارة الحوار البناء الذى يؤدى إلى صياغة البرنامج المنشود وخطة التحرك المطلوب.

 

ومفهوم أن حكم الإخوان يتعجل فى استكمال سيطرته على مؤسسات الدولة، كما يندفع إلى التحالف مع «المترددين»، أو المستعدين لعقد الصفقات الشخصية، ويحاول مخادعة شباب الثورة كما فعل عبر الانتخابات ثم عبر اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المؤقت، ثم عبر «لجنة الحوار» الذى يبدو انه يدور بين متفقين... حول جنس الملائكة، أكثر مما يتصدى لمهمة إشراك الثوار فى السلطة التى جاء بها ميدانهم ثم اختطفها التنظيم الوحيد الذى كان قد غادر الميدان ليستعد للاستيلاء على السلطة، وبعد ذلك «يحاور» من فوق، وبقوة الأمر الواقع، من ظل شغلهم الشاغل حماية الثورة بالموقف وليس بالقدرات.

 

•••

 

من هنا اختلاط الزهو بالنجاح فى تفجير الثورة بالمرارة نتيجة عدم القدرة على استكمالها والاندفاع إلى تحقيق شعاراتها التى تترجم مطالب الشعب المقهور بالطغيان وتعيد إليه حقوقه المسلوبة.

 

ربما لهذا السبب تغيب البهجة عن الاحتفال ببداية العام الثالث للثورة فى مصر.. برغم ان «الميدان» لما يخسر بعد شبابه الذين أضاءوا الليل العربى جميعا بأرواحهم المتوهجة وبإرادة مقاومة الطغيان حتى إسقاطه.

 

السرقة واضحة الآن بتفاصيلها جميعا، والتواطؤ بين الإخوان ومن معهم وبين الإدارة الامريكية والمعسكر المذهب فى بعض الجزيرة والخليج ومعه تركيا لم يعد من الأسرار، بل إن وقائعه باتت مكشوفة: زيارات دعم وتأييد، ومشاريع قروض أو ودائع أو وعود باستثمارات بمليارات الدولار، واجتماعات متوالية للمؤسسات المالية حاملة الشعار.. الإسلامى.

 

ومع أن ذلك كله لم يعرف طريقه إلى التنفيذ إلا أن مجرد إشاعة هذا المناخ المطمئن قد يعطى النظام فرصة للمناورة وتقديم الوعود بأن الرخاء قادم عبر «الحكم المؤمن»... وماذا يهم ان كان مشروع الدستور قد أقر بطريقة غير دستورية؟! أو كان الإخوان يتقدمون فى محاولة السيطرة على الدولة بمؤسساتها المختلفة، قبل ان يستعيد شباب الميدان وعيهم وقدرتهم على استكمال التغيير بالوسيلة الديمقراطية الوحيدة التى يعتمدونها: الانتخابات..

 

لقد أنهك النظام المصريين فى مسلسل من الانتخابات المباغتة والاستفتاءات العبثية، وبينما هو يواصل «استئصاله» للمؤسسات المعارضة، بدءا بالقضاء، مرورا بالنقابات والاتحادات المهنية، وصولا إلى الصحافة مؤسسات ونقابة... حتى لو أغفلنا غارة السلفيين على المدينة الإعلامية، وتجاوزنا عن أحاديث كبار الإخوان عن «حقوق اليهود فى مصر» وهم الذين أخرجتهم إسرائيل من واقعهم كمواطنين طبيعيين فى بلادهم لتجعلهم جنودا فى جيشها يقاتلون «أهلهم» فى مصر.

 

 •••

 

على ان كل تلك المناورات والمؤامرات وحالات التواطؤ لن تزيد من «شرعية» الهيمنة الإخوانية على السلطة، ولا هى ستنتقص من شرعية «الميدان» وشبابه وقدرتهم على الاستعداد للمرحلة المقبلة وقد وحدوا صفوفهم أو توافقوا عبر جبهة سياسية متينة البنيان، تستدرك ما فات من أسباب المقاومة، ثم التقدم لتظهير وجه مصر الحقيقى والذى لا يشبه بأى حال وجه المرشد أو الشاطر أو ما بينهما.

 

وكل عام ومصر بخير، ليكون العرب بخير..

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات