الثلاثاء 30 مايو 2017 1:08 ص القاهرة القاهرة 24.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في قرار منع استخدام مكبرات الصوت خلال صلاة التراويح في رمضان؟

دائرة الدم

نشر فى : الأربعاء 24 يوليو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 24 يوليو 2013 - 8:00 ص

الموقف الذى نعيشة الآن موقف قاس. محاولات زرع الفتنة وشق الشعب، جاهد فيها نظام حسنى مبارك ورفضها الشعب، بل احتفى برفضه لها فى شوارع وميادين ثورة ٢٥ يناير. واجتهد فيها مجلس المشير طنطاوى العسكرى ــ وبالذات فى ماسبيرو وبورسعيد ــ وفشل. ثم عمل عليها بجد نظام د. محمد مرسى قصير الأجل، فأوصلنا إلى أن قتل مسلمون من أبناء الشعب مسيحيين من أبناء الشعب، وقتل سُنِيّون من أبناء الشعب شيعة من أبناء الشعب ــ ثم سقط مرسى ونظامه وتصورنا أن إدراك الناس لخطورة هذا التوجه المُفتِّت كان أحد أسباب السقوط. لكننا اليوم نرى الشعب مقبلا على هذا الانشقاق، متيم به، يعمل على تكريسه. ونرى ظواهر غريبة، وتصرفات من أولى الأمر لا تعمل إطلاقا على الحد من هذا التوجه بل تكرسه.

لن أتحدث عن قيادات الإخوان، فأنا أعجز عن فهم ما يقومون به الآن من تسليح وتجييش وحشد لمؤيديهم وتلطيخهم بالدماء من فوقهم لتحتهم إلا على أنه مقامرة كبيرة: إما أن تتدخل بشكل ما قوى خارجية لتساعدهم على التمكن ــ وهذا مستبعد جدا، وحتى إن حدث فلن يتمكنوا ــ أو أن يهدموها على رءوس الجميع.

أما عن الجانب الآخر فهناك عمليات مختلفة من إعادة الترتيب والاصطفاف، وهناك أجزاء من المشهد ملتبسة جدا: من، مثلا، صاحب المصلحة فى شيطنة السوريين والفلسطينيين؟ لماذا، مثلا، يتأخر التدخل الأمنى لفض الاشتباكات إلى أن يُقتل الناس ويزداد الدم بين الناس؟ لماذا تحولت بعض القنوات التلفزيونية الرصينة المهنية إلى المرادف ــ غير الدينى ــ لقنوات الحافظ ومصر ٢٥؟

هل هناك توجه عند أصحاب الأمر ــ أو عند فصيل من أصحاب الأمر ــ يفضل أن يصبح جرح هذا المجتمع أكثر عمقا وأصعب التئاما؟ نحن وصلنا الآن إلى مرحلة لا يحتاج الناس فيها إلى من يعمل على نشر الفتنة ليتشرذموا، بل يكفى أن يُترَكوا للقوى والمشاعر التى أطلقت فيهم: جماعة الإخوان ترى ظلما تاريخيا وقع عليها، وتدفع بها قياداتها إلى مواجهات مختلفة، بعضها بالسلاح، وبقية الشعب يشعر بخيبة أمل وغضب ــ للإخوان منه ما يستحقون، ويستحقون منه أكثر فى كل يوم من المواجهات الدامية ــ يطلقها على الإخوان وبه رغبة فى محاسبتهم على فاتورة أربعين عاما وليس عاما واحدا. هل هناك فصيل من أصحاب الأمر عنده أمل أن يتصاعد الدم والثأر بين الإخوان وبقية الشعب فيغسل جرائم المجلس العسكرى، والنظام المخلوع، وربما يمحو أثر الثورة أيضا؟ شهادة د. ليلى سويف عن اشتباكات النهضة فجر الثلاثاء ٢٣ يوليو جاء فيها: «الناس غضبانة وبتشتكى قلة حيلتها لأنها لا تملك سلاحا تواجه بيه اللى بيقتلها والكل مجمع على أن الشرطة والجيش مابتحميهمش ومش حتحميهم الخلاف الوحيد بين الناس فى النقطة دى كان حول يقدروا يحموهم ومش عايزين ولا ما يقدروش أصلا؟» ــ ومن هنا يبدأ الأهالى فى اقتناء السلاح للدفاع عن نفسهم، وتتسع دائرة الدم.

لماذا يتباطأ تدخل الشرطة، والجيش الذى لم يزل موجودا بالشارع؟

د. البرادعى، الآن نائب رئيس الجمهورية، يكتب: «العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية المبنية على قبول الآخر خيارنا الوحيد. أدعو الله أن نفهم أن العنف لا يضمد الجراح بل يفتح جروحا جديدة». ود. حسام عيسى، وزير التعليم العالى يقول: «أنا أب للطلاب كلهم حتى الإخوان منهم» (المرة الجاية ممكن بلاش «حتى» دى يا دكتور، ممكن «بما فى ذلك» أو «وأهتم») - وأعلم يقينا أنهما يعنيان ما يقولان وسيعملان عليه. ولكن كيف اتسعت وزارة د. حازم الببلاوى للواء محمد إبراهيم.

صعب جدا أن أقرأ رسالة من شابة من حاميات إنسانية الثورة وضميرها وإبداعها تُسِرّ فيها «أنا يمكن هموت من موضوع محمد إبراهيم ده. ومافيش فى ايدى أى حاجه اعملها»، صعب أن نرى موقع الشرطة الإلكترونى يحمل رسالة «حنفضل ثورجية لحد منوصل للحرية» ــ يعنى ده حتى بعد أن تتم بمشيئة الله إعادة هيكلة الداخلية، وبعد أن تصبح الشرطة فعلا «شرطة لشعب مصر» برضه مش مفروض إن الشرطة تبقى «ثورجية»، دى مش شغلتها. وهذا، فى الحقيقة، ما يبين مدى عدم الجدية والاستهتار فى حتى محاولة فهم إيه هو بالظبط دور الشرطة فى بلد بتحترم نفسها وأيه المطلوب منها.

فى ربيع عام ٢٠١١، والثورة ما زالت طازجة شهية، أخذت مجموعة منا، برعاية هذه الجريدة، تحاول صياغة بعض ما عبر عنه الشعب فى فقرات قد يتضمنها يوما ما دستور مصر.

أضع ثلاثا منها أمامكم الآن لنتذكر جميعا الرؤية والتوجهات واللغة التى فجرتها ثورة ٢٥ يناير والتى كانت ــ فى الشهور التى تلت الأيام الثمانية عشر ــ تحاول التشكل والخروج إلى النور:

١ــ مصر بلد ذو سيادة، له خصوصية جغرافية، قوامها موقعه، ونيله، وحدوده المعروفة والثابتة منذ آلاف السنين. تفاعل المصريون مع هذه الخصوصية فصارت لهم شخصية مصرية، أنتجت تاريخا مميزا، وثقافة قوامها المشاركة والعدالة والتكافل والتعددية.

٢ــ مصر تقع فى موقع المركز من أمتها العربية ومكان الريادة فى عالمها الإسلامى، وفخورة بانتمائها لقارتها الإفريقية، ومتفاعلة مع حضارات العالم وثقافاته.

٣ــ نؤكد تصميمنا على أن نحيا شركاء فى الوطن، دون تمييز فى تمتعنا بحقوقنا غير القابلة للتصرف، وأن نقوم بالتزاماتنا طبقا لهذا الدستور والقوانين الحاكمة بمجتمعنا وأن ندافع عن حريتنا بكل معانيها. نرفض استبداد الفرد بالمجموع، ونرفض استبداد الأقلية بالأغلبية، ونرفض استبداد الأغلبية بالأقلية. كما نؤكد وعينا بأهمية التنوع فى مجتمعنا، ونحرص عليه، وعلى صيانة حقوق الجميع فى إطاره، ونعلن تصميمنا على أن نحيا شركاء فى الوطن، على أساس السعى الدائم نحو الوحدة، القائمة على التنوع، الناضجة بالحوار، والقوية بالاختلاف فى الآراء.

تغريدة أيضا من إحدى شابات الثورة بعد أحداث فجر الثلاثاء فى النهضة: «الكل مضروب، مافيش حد دلوقتى أصلى». لأ يا ريم، مش صحيح، كتير جدا أصلى، هو بس الصوت الأعلى دلوقتى هو الصوت الفالصو والصوت المضروب. بس نسمع كويس، بس ما نخلطش، بس ننتبه ــ هنحَجِّم دائرة الدم، وهنسمع بعض، كلنا.

التعليقات