ما بعد غزة.. الأبعاد الاستراتيجية - عادل سليمان - بوابة الشروق
الإثنين 18 مايو 2026 1:28 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ما بعد غزة.. الأبعاد الاستراتيجية

نشر فى : الأحد 25 نوفمبر 2012 - 8:10 ص | آخر تحديث : الأحد 25 نوفمبر 2012 - 8:10 ص

 من أصعب المواقف التى يواجهها المحلل والكاتب المتخصص فى الشئون العسكرية والاستراتيجية محاولة القراءة الموضوعية المتجردة للأحداث فى زخم الانفعالات العاطفية التى تسود الرأى العام خاصة عندما تستهدف الآلة العسكرية للعدو الاسرائيلى الأطفال والنساء والكبار من المدنيين دون تمييز وبوحشية غير مسبوقة.

 

ولكن علينا رغم ذلك ان نقوم بما يمليه علينا الواجب من تقييم الموقف وأبعاده وانعكاساته على المستويات المختلفة العسكرية المباشرة اى المستوى التكتيكى على مسرح العمليات والمستوى الاستراتيجى المتعلق بالقضية الفلسطينية وجوانبها المختلفة والمستوى السياسى المتعلق بالمواقف، من هذا المنطلق تأتى قراءتنا للعملية العسكرية التى يقوم بها العدو الاسرائيلى ضد قطاع غزة والتى نخطئ كثيرا لو تعتبرونها عملية مفاجئة لأن اسرائيل تعد لها من فترة ليست بالقصيرة وبشكل مخطط بدقة وقد اتبعت ابسط القواعد المتعارف عليها فى العلوم العسكرية والاستراتيجية وهى ببساطة اذا اردت ان تبدأ بالحرب فعليك ان تخلق الذريعة لذلك فصورت غزة وكأنها تحولت الى ترسانة هائلة للصواريخ القادرة على تدمير اسرائيل وبالتالى فإن من حقها فى اطار الدفاع عن النفس ان تعمل على تدمير هذه الترسانة خاصة أنها فى يد منظمات إرهابية، لم يقابل هذه الحملة حملة مضادة لتفنيدها، وعلينا ان نعترف ان العدو الاسرائيلى تمكن من خلق الذريعة لشن الحرب واقناع الأطراف الدولية بها وفى مقدمتها امريكا والدول الأوروبية وحتى روسيا حيث اعلنوا صراحة تأييدهم لحق اسرائيل فى الدفاع عن النفس وكل ما طالبوا به على استحياء إيقاف العمليات العسكرية ضد المدنيين دونما ضغط حقيقى لذلك وكأنهم ينتظرون الى ان تنتهى اسرائيل من تحقيق أهدافها، جاءت بعد ذلك الخطوة الثانية وهى إبراء الذمة امام العالم بخبث شديد حيث ظلت اسرائيل توجه التحذير بأنها ستضطر لاستخدام القوة لوضع حد لتهديد صواريخ المقاومة وقذائفها لسكانها المدنيين، اصبحت الذريعة جاهزة لديها وقامت بما عليها بتوجيه التحذير والإنذار ولم يعد أمامها سوى توجيه الضربة وبدأ عمليتها العسكرية متعددة الاهداف وهو ما سنحاول تحليل أبعادها الحقيقية.

 

●●●

 

على المستوى العسكرى المباشر الهدف واضح تماما وهو تدمير البنية العسكرية الاساسية لحركة حماس وباقى حركات المقاومة المسلحة فى غزة من خلال عملية عسكرية نوعية انتقائية قتل ممنهج للقادة العسكريين وأهم كوادر المقاومة المسلحة، تدمير مستودعات أسلحة وذخائر بما تحويه من صواريخ ومقذوفات، تدمير مواقع ومعسكرات تدريب، تدمير منشآت بنية أساسية عسكرية ومدنية، خلق حالة من الذعر والهلع لدى أهالى القطاع، تقليم الأظافر العسكرية لحركة حماس مع الإبقاء عليها قادرة على السيطرة الداخلية على القطاع وايضا تكريس الانقسام الفلسطينى لابقاء القضية الفلسطينية فى نفقها المظلم،  تلك هى الاهداف العسكرية المباشرة، تحقيقها يتأكد بالتوصل الى هدنة دائمة بين اسرائيل وحماس بشروط إسرائيلية وتتوقف العملية بالوصول الى هذا السقف. وقبل ان ننتقل الى البعد الاستراتيجى لهذه العملية لابد من الاشارة الى أمرين فى غاية الأهمية الأول انها كشفت عن حقيقة ان العدو الاسرائيلى ما زال قادرا على تحقيق اختراقات أمنية والأمر الثانى ان العدو الاسرائيلى يجرب وسائل واساليب جديدة ويختبر كفاءتها وما تحتاجه.

 

ونأتى الى البعد الاستراتيجى على مستوى القضية الفلسطينية وعلى مستوى الجوار العربى المباشر وبالتحديد مصر والأردن وسوريا ولبنان، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية اعتقد الامر واضح لا يحتاج الى تحليل وهو تكريس الانقسام الداخلى الفلسطينى بشكل تام وتحويلها الى قضيتين اذا جاز التعبير قضية الضفة الغربية، وقضية قطاع غزة، والتركيز على ان لكل منهما خصوصيتها ولكل منهما من يتحدث باسمها، ومرة أخرى للاسف، انساق الجميع وراء هذه الفكرة الخبيثة فالسلطة الفلسطينية فى رام الله تعاملت مع الموقف وكأنها دولة شقيقة لغزة فى كل تصريحاتها وتحركاتها، وتحرك الجميع نحو غزة وتعالت الأصوات لا تتحدث سوى عن غزة ودعم غزة ومشكلة غزة والتهدئة او الهدنة بين العدو الاسرائيلى وغزة والوفود والزيارات والاتصالات والاستقبالات لغزة وحكام غزة، لا اعتراض على ذلك ولكن المثير ان كل ذلك يجرى فى غياب تام للسلطة الفلسطينية المفترض انها السلطة المعترف بها كممثل للشعب الفلسطينى كله، وهكذا بوعى او دون وعى تم اختزال القضية الفلسطينية فى قطاع غزة وتوارى حتى اسم فلسطين والفلسطينيين، فمن يتحدث باسم فلسطين والشعب والقضية الفلسطينية امام العالم اليوم؟ غزة جزء من القضية وليست كل القضية.

 

●●●

 

 وعلى مستوى ما يعرف بدول الطوق او دول الجوار المباشر وفى مقدمتها مصر فى ظل ما يتردد حول سياسة جديدة واستراتيجية مختلفة ودور أكثر إيجابية مع بداية بناء نظام سياسى جديد فى اعقاب ثورة الشعب المصرى وبصفة خاصة تصدر تيار الاسلام السياسى للمشهد وفى مقدمته الاخوان المسلمين، جاءت العملية العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة تحمل رسالة واضحة مضمونها ان ما يحدث من متغيرات سياسية فى مصر او غيرها من دول الطوق امر يعنى تلك الدول فى المقام الاول ولا يعنيها بالقدر الذى تصوره البعض فلا هى مضطرة لتغيير استراتيجيتها فى التعامل مع غزة او بالنسبة للقضية الفلسطينية ككل، ولا هى ستسمح بأن يتجاوز دور مصر او اى من هذه الدول دور الوسيط ما بينها وبين اى طرف فلسطينى مع إمكان تقديم الدعم الانسانى والاقتصادى فى اطار ضوابط يتم الاتفاق عليها مسبقا سواء علنا او دون اعلان حفظا لماء الوجه، بالقطع الامر بالنسبة لسوريا مختلف نظرا لما تمر به من ظروف الاقتتال الداخلى وبداية تفكك نظام بشار الاسد وفقدها لمكانتها كراعية لما كان يعرف بمحور الممانعة والحاضنة لقيادات حماس السياسية، ولعل الرسالة الاسرائيلية التى تحملها العملية العسكرية لسوريا الحاضر او المستقبل ان دورها السابق قد انتهى وعليها ان تفكر فى دور جديد بعد ان يستقر نظام جديد، بالنسبة للبنان الامر مختلف بعض الشىء فما كان يهم اسرائيل هو كشف موقف حزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله والذى طالما كان يتوعد بالقبور وعظائم الامور فى حال فكرت اسرائيل فى توجيه هكذا ضربة عسكرية ضد غزة، وتمخض الامر عن خطاب يطلب فيه السيد حسن من دول النفط العربية تخفيض إنتاجها للضغط على الغرب للضغط على اسرائيل لايقاف العدوان مع بعض التهديد فى حال استمرار العدوان، اما الأردن فلا مجال للحديث عن اى رسائل اليه فهو مشغول تماما بالاضطرابات الداخلية كما انه يعتبر ان علاقته أساسا بالضفة الغربية ومستقبله.

 

اما عن القوى الإقليمية التى كانت تدعى اهتمامها بالشأن الفلسطينى وتتنافس فى هذا المجال واقصد تحديدا ايران وتركيا، ايران صاحبة الصوت الاعلى والتهديدات الرنانة التزمت صمتا مريبا مع بعض التهديدات الخطابية، تركيا ركزت على الدعم الانسانى والشجب والإدانة واللذين اصبحا تراثا عربيا وإقليميا.

 

●●●

 

اما الأبعاد السياسية الدولية فما زال الحال على ما هو عليه دعم لإسرائيل بدعوى حقها فى الدفاع عن نفسها ضد تلك المنظمات الإرهابية، دعوة لايقاف القتال، ثم الاستمرار فى انسنة القضية بمعنى انها قضية إنسانية تتعلق بالاغاثة والمساعدات، اما القضية الفلسطينية فلا مجال للحديث عنها الا فى اطار عملية السلام والتفاوض المباشر المرهون بوجود سلطة فلسطينية موحدة قادرة على الالتزام بتعهداتها والا فلتنتظر الى ما شاء الله.

 

عادل سليمان المدير التنفيذى للمركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية
التعليقات