السبت 24 يونيو 2017 2:25 م القاهرة القاهرة 34.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد قرارات قطع العلاقات المتتالية مع قطر.. هل تتوقع تغيير الدوحة لسياستها؟

عن المحبة واختيار الموقع

نشر فى : الخميس 25 ديسمبر 2014 - 7:45 ص | آخر تحديث : الخميس 25 ديسمبر 2014 - 7:45 ص

حيث إننى فى زيارة عمل إلى انجلترا ذهبت الأربعاء الماضى مع صديقتى الإنجليزية الأقرب إلى قلبى ـ فقد تعارفنا ونحن طالبات فى عام ٧٤ وظلت أختا لى فى الغربة وأما ثانية لأبنائى ـ ذهبت معها، فى تقليد اتبعناه إذا جمعتنا الظروف فى لندن فى أعياد الميلاد ـ لسماع ترانيم الميلاد فى كنيسة سانت مارتن إن ذى فيلدز فى ميدان ترافالجار فى وسط العاصمة. هذه الكنيسة لها تاريخ طويل من العمل الخيرى فى الشارع وبالذات مع من لا مأوى لهم، وقد احتضنت المنظمة الأهلية، «شِلْتر» (أى «المأوى»)، فصارتا تتشاركان فى الفعاليات والأنشطة.

القاعة الواسعة العالية مليئة بالناس، بالعائلات والأطفال، ولأننا فى وسط المدينة فى موسم الإجازات فهناك أعداد كبيرة من السياح، يسمعونك لغات العالم فى المحادثات الدائرة. شارك الكل فى غناء ترانيم الميلاد التى تحتفى بمولد الطفل عيسى المسيح، وتخللت الترانيم قراءات من الكتاب المقدس فجاءت كلها فى إطار ما نسميه اليوم بفكرة العدالة الاجتماعية.

تحدث القس الشاب من على الأرض وليس من على المنبر، فذكر الحضور بالتضاعف الذى رأته بريطانيا هذا العام فيمن يبيتون على الأرصفة، وفيمن يلجأون إلى «بنوك الطعام»، ودعا الكل لمساندتهم بالتبرع لـ«شلتر»، ثم طلب منا أن نفتح قلوبنا لكل من يعانى الظلم والفقر والعنف فى بقاع الأرض المختلفة وذكر ــ ضمن ما ذكر ــ سوريا والعراق والسودان وغزة، وماهَى بين أطفالها وذلك الطفل الإلهى الذى وُلِدَ غريبا على الطريق فى بيت لحم، والذى فر لاجئا (إلى مصر) من عنف الحاكم (هيرود) فشب ليتجسد رسالة ثورة ورسالة محبة ـ

وهل المحبة، فى عالمنا، تكون إلا بالثورة؟

قرأ أحد الضيوف نص الأمسية من الكتاب المقدس فجاء من سفر إشعيا، ٥٨، والذى يعاتب فيه النبى إشعيا أبناء شعبه على إفراطهم فى الطقوس من صوم وتقشف، ظنا منهم أن فى هذا إرضاءً للرب، مع تجاهلهم لحقيقة ما يطلبه الرب منهم، فيقول «انظروا: يوم صيامكم تتابعون مصالحكم، وتستعبدون من يعملون لديكم. انظروا: أنتم تصومون لتتشاجروا وتتقاتلوا. لا تصوموا كما تفعلوا، طلبا أن يسمع الرب فى الأعالى صوتكم. هل هذا صوم؟ يوم لتعذيب النفس؟ لإحناء الرأس وافتراش الخيش والرماد؟ أهذا ما ترونه محببا إلى الرب؟ الصوم الذى أختاره أنا هو إطلاق من قُيِّدوا ظلما، هو تفكيك القيود وكسرها وتحرير كل مقهور. أليس الصوم هو أن نتقاسم عيشنا مع الجائع؟ أن نُدخِل المصاب ومن لا مأوى له إلى بيوتنا؟ أن نستر العارى وألا ندير ظهرنا إلى أخينا من أبناء آدم؟ وقت أن تفعل هذا سيسطع نورك كالفجر وستُشفى جراحك... وقتها حين تنادى سيجيبك الرب، ستطلب منه العون فيجيبك «أنى قريب».

أعترف: اعترانى حزن كاسح، وامتد أمامى تاريخ، أقله خمسة آلاف عام، من محاولة هذه الفكرة أن تتبدى وتكتسب كينونة حقيقية فى المجتمع الإنسانى: فكرة مسئوليتنا المشتركة عن كرامة الإنسان، حق العدالة الاجتماعية علينا جميعا. فكرة بريئة، ناصعة، لطيفة، نراها تطير فوق رءوسنا: ملاك عصفور ذو وجه إنسان مضىء مبتسم، كرسومات الروح فى مصر القديمة أو منمنمات فنانى إيران المسلمين القدامى أو كالكائنات الإعجازية التى تجلت على جدران الجامعة الأمريكية فى شارع محمد محمود فى نهايات ٢٠١١ وبدايات ٢٠١٢ ـ يشير لنا، ينادينا، يمد لنا يديه، مرة فى رسالة سماوية، مرة فى إيديولوجية سياسية، فى نظرية اجتماعية، فى تجربة، فى بيان، فى مانفستو، فى ثورة.

والحرب دائرة عليه دائما. المصالح المصالح المصالح. تكديس الثروة والسطوة، والتنافس عليها، وتوظيف الموارد والقدرات والعلم والتكنولوجيا والفكر والعالم لهذا التكديس والتنافس وما يتطلبه من آلات ومعدات ومؤسسات ومنظومات مكرسة للقتل والقهر والتدمير.

أعرف أن هذه أفكار شتاء، ليالى نهايات ديسمبر، حين يتجه الذهن، أردنا أم لم نرد، إلى ترتيب الأمور فى شكل كشف الحساب، أو قوائم لما تم إنجازه وما تبقى، أو تلخيص مفيد لمعنى حياتنا! وفى نهاية كل دورة من هذه الدورات ـ وهى ليست، بالطبع، نهاية، وإنما لحظة راحة والتقاط أنفاس، أصل إلى نفس الخلاصة: فى الصراع بين الخير والشر، بين العدالة والظلم، بين الحرية والقهر، ما علينا هو اختيار الموقع، ثم الحياة فيه، والإلقاء بكل ما نملك فى كفة موقعنا المشترك.

فى مصر، الطلبة يقفون باللافتات على الدرج الواسع للجامعة يطالبون بحق زملائهم المعتقلين فى أداء الامتحانات. والصحفيون يعتصمون مطالبة بإطلاق سراح الصحفيين والمصورين المحبوسين. والحقوقيون يقيمون مؤتمرا يفضحون فيه ما آل إليه حال القضاء والعدالة فى بلادنا.

فى فلسطين وسوريا يرفعون لافتات تناصر ذوى البشرة السمراء من مواطنى الولايات المتحدة ضد عنف الداخلية فى بلادهم.

فى اسبانيا ينظم الأهالى مجموعات مدنية سلمية لحماية جيرانهم من الطرد من بيوتهم بسبب الأزمات المالية.

فى دريسدن، بألمانيا: صورة من الضوء، ترى فيها أسرة ـ رجل وامرأة وطفل ـ تجرى. واضح من الرءوس المخفضة والظهور المحنية أنهم لا يريدون لفت الأنظار، يسترقون الوصول إلى مخبأ ما. الضوء حولهم يكتب، بخط كبير يحوطهم ويحتضنهم: مرحبا باللاجئين. ليست سياسة رسمية لكنها ما يمكن أن نسميه «فعالية عصابات» يقوم بها ناشطون من الشباب.

فى ليما ومختلف مدن بيرو: «حين يصبح الظلم قانونا، تصبح الثورة فرضا» ـ لافتات رفعها نحو خمسة عشر ألفا من الشباب فى تظاهرات اعتراضا على قانون العمل الجديد.

فى بون: مظاهرة حاشدة تقف ضد العنصرية وتناصر الثقافة التعددية تواجه مظاهرة أقل عددا تناصر أحادية الثقافة ـ وخيط رفيع من رجال الأمن بينهما.

فى شوارع المدن التركية الآلاف من عمال المعادن تظاهروا يطالبون بأجور تليق بالعمل.

فى بروكسل قضى الآلاف من البلجيكيين عطلة نهاية الأسبوع فى تظاهرات واحتجاجات ضد الـ«تى تى آى بى»، أى اتفاقية الشراكة العابرة للأطلنطى فى التجارة والاستثمار، وهى سلسلة من المفاوضات ـ يتم أغلبها فى سرية ـ بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة بهدف تقليص القوانين واللوائح التى تتحكم فى حركة التجارة والمال والأعمال بين المنطقتين، وهذه اللوائح والقوانين فى أغلبها هى التى تضمن سلامة الغذاء، وحماية البيئة، وتحدد قانونية التعاملات المصرفية وتحمى سيادة الدولة. ويقول الناشطون إن هذه الاتفاقية هى بمثابة حملة تقوم بها الشركات العابرة للقارات على المجتمعات الأوروبية والأمريكية. فواحد من أهدافها الواضحة مثلا هو أن تفتح مجالات الخدمات الصحية والتعليمية فى أوروبا للشركات الأمريكية مما سيؤدى إلى التوسع فى خصخصة هذه الخدمات وتقويض مؤسسات عريقة تضمن قدرا من العدالة الاجتماعية للشعوب. كما من المتوقع أن تؤدى إلى ارتفاع معدل البطالة فى أوروبا لصالح سوق العمل فى الولايات المتحدة حيث اتحادات العمال أضعف وحقوق العمالة أقل. هناك آثار أخرى متوقعة لهذه الاتفاقية، ربما يكون أهمها صياغة آلية لتسوية النزاعات بين الحكومات والمستثمرين تتيح للشركات أن تطالب الحكومات بالتعويضات عن أى فقدان للأرباح ناتج من سياسات الحكومة.

فى انجلترا يغلق شباب النشطاء مصنع «البيت» الذى يورد أجزاء من طائرات الدرون إلى إسرائيل فيتسببون فى تعطيل شحنة من الأجزاء.

فى بولونيا تظاهرات للحق فى السكن والدخل والكرامة، وفى اسبانيا للحرية للمعتقلين، وفى المكسيك لكشف الحقيقة حول اغتيال ٤٣ طالبا، وفى البرازيل مساندة لذوى البشرة السمراء المغدورين فى أمريكا، وفى هاييتى مطالبة برحيل رئيس الجمهورية، وفى جابون ضد الفساد الحكومى المتواطئ مع الشركات، وغيره وغيره وكل هذا فى الثلاثة أيام الأخيرة من هذا الأسبوع، أى بدون حساب الثقل الكبير للمظاهرات الأمريكية ضد عنف الداخلية وظلم القضاء والاعتصامات الضخمة فى هونج كونج ضد التعديلات غير الديمقراطية لقانون الانتخابات.

الفكرة حية: المحبة والمسئولية المشتركة عن حق الإنسان فى الكرامة. وشباب العالم متمسك بها، يجاهد من أجلها، والكل له دور يقوم به، سواء بالإبداع والعمل، أو بالمثابرة، أو بالصمود فى الموقع.

ترجمتى للنص من الإنجليزية

التعليقات