الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 6:01 م القاهرة القاهرة 31.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

واقع العرب ومستقبلهم من خلال المونديال وكرة القدم

نشر فى : الثلاثاء 26 يونيو 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 يونيو 2018 - 9:40 م

ينقل الرواة عن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أنه قال فى معرض التعليق على تفوق الطيارين الأجانب على الطيارين العرب خلال المواجهات فى الجو، خلال الحرب: أن تدريب الطيار البريطانى أو الأمريكى يبدأ مع اختياره وهو فتى ليكون طيارا حربيا.. وقد يستغرق هذا التدريب عشر سنوات، ويهتم بصحة الفتى وإلزامه بنظام صحى صارم ثم يلزمه بممارسة أنواع محددة من الرياضة، حتى إذا ما اطمأن المدربون إلى صحة التلميذ الضابط باشروا بتعريضه لمخاطر مدروسة على الأرض ثم فى الجو، لمتابعة ردود فعله حتى إذا ما اطمأنوا سمحوا له بالطيران تحت رقابة مدربة، ولا يترك لوحده فى غرفة القيادة إلا بعد الاطمئنان إلى يقظته وردود فعله فى مواجهة المصاعب، ثم يكون الامتحان الأشق لأعصابه فى مواجهة الأحوال الطارئة.
ويقول هؤلاء الرواة إن عبدالناصر كان يختم كلامه بصوت فيه رنة حزن: أما نحن فى مصر، ومجمل البلاد العربية، ولأسباب معروفة تتصل بشئون التربية والتغذية والمحيط غير الصحى ونقص الاهتمام بالرياضة، فلا يمكننا اختيار تلميذ مؤهل ليكون طيارا حربيا إلا بنسبة واحد من كل عشرة آلاف طالب، أما فى الغرب الأمريكى والأوروبى على حد سواء، فالنسبة هى طيار واحد من كل ألف طالب مرشح ليكون طيارا.
نروى هذه الواقعة لمناسبة المونديال، والخيبات التى عاشها الجمهور العربى (الموحد فى عواطفه فوق رءوس حكوماته) وهو يتابع مباريات هذا الحدث الرياضى الكونى بمزيج من مشاعر الحزن وخيبة الأمل والدونية والغربة عن العصر.
ولقد انتبه هذا الجمهور العربى إلى أن «السليقة» وحدها، والعيش فى الشارع فى قلب الفقر والتسرية عن النفس كل ذلك لا يكفى للفوز بالمباراة والتخلص من الكرب والشعور بالمهانة عبر الضغط على حارس المرمى والنجاح فى تمرير الكرة إلى الأكفأ والأقدر على «قراءة» الموقف ومن ثم التسديد وتحقيق الفوز.
لقد برزت فى المباريات التى خاضتها فرق عربية عديدة (من السعودية ومصر، والجزائر، والمغرب وتونس) كفاءات ممتازة، وسجل بعض اللاعبين المهرة أهدافا صعبة فى مواجهة فرق أوروبية ولاتينية مميزة، ولكن ذلك لم يكن كافيا لاحتلال مراتب متقدمة، أو حفظ ماء الوجه بعدم الخروج من المونديال قبل نهاية برنامج مبارياته.
***
فى الماضى القريب لهذه اللعبة الشعبية المثيرة للحماسة، كانت المراتب الأولى محجوزة للفقراء من لاعبى الكرة فى الأحياء المهملة من مدن أمريكا اللاتينية، لا سيما الأرجنتين والبرازيل، وقد صار بعض أبطال اللعبة من «النجوم»، بل إن بينهم من أمثال بيليه ومارادونا ونيمار وميسى، صاروا أشبه بمزيج من الأسطورة والقديس والبطل الوطنى.
وحين باشر الأوروبيون الاهتمام الجدى بهذه اللعبة التى تعاظم جمهورها فى العالم كافة، كان القرار أن يدرسوا «الخصم» أو «المنافس» ويتعرفوا على نقاط ضعفه وأسباب تفوقه، وأن يهتموا أكثر بتدريب فرقهم، وببناء الملاعب الفخمة، وأن يشجعوا الجمهور باستنفار «وطنيته» وحماسته، للتعويض عن الخسائر الفادحة التى منيت بها دولهم بانتهاء عصور الاحتلال العسكرى واستعمار بلاد الآخرين.
***
أما إذا انتقلنا من الرياضة إلى السياسة فإننا سوف نجد أن أحوال العرب فى حاضرهم أسوأ بما لا يقاس عما كانت عليهم فى ماضيهم.
كانت رابطة العروبة تجمع العرب فى مشاعرهم الأخوية تجاه بعضهم البعض، وقد أكدت التطورات المهمة التى شهدها الوطن العربى، انطلاقا من مواجهة العدو الإسرائيلى فى فلسطين، ثم بالحرب التى فرضها الغرب بالقيادة البريطانية ــ الفرنسية مع مشاركة العدو الإسرائيلى فى العدوان الثلاثى فى خريف العام 1956.. وصولا إلى هزيمة الخامس من يونيه 1967، تضامنا مقبولا (مع شىء من الشماتة الضمنية بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر) مكن من اتخاذ خطوات عملية لنقل التضامن من الإطار النظرى إلى الميدان العملى.
أما بعد رحيل عبدالناصر فإن آخر مشهد فى مسيرة وحدة المصير قد تجلى فى حرب رمضان ــ فى العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر 1973.
بعد ذلك سيتفرق العرب أيدى سبأ، بل إن دولهم سوف تتخاصم، وقد وصلت الخصومة فى لحظات إلى قطع العلاقات وسحب السفراء ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس.. ولم تعد إلى مصر إلا بعد اغتيال أنور السادات فى 6/10/ 1981 وخلال العرض العسكرى لمناسبة ذكرى حرب رمضان المجيدة.
***
نصل إلى حالة العرب، عبر دولهم، اليوم..
إن العلاقات مختلة اختلالا كبيرا، وقد وصلت فى حالات معينة إلى حد المقاطعة وسحب السفراء وتبادل الحملات السياسية القاسية (السعودية ومعها الإمارات وقطر)، كذلك فإن العلاقات العربية مع سوريا مشلولة وشبه مقطوعة، وما حرصت عليه بعض الدول (مصر، مثلا، ولبنان) فهو إبقاء «شعرة معاوية» مع دمشق، مع عدم الاعتراض على طردها بقرار قطرى من جامعة الدول العربية، و«حرمانها» حتى اليوم من المشاركة فى اجتماعاتها وبالتالى فى قراراتها... وطبعا فى مؤتمرات القمة العربية، بينما التطورات التى تشهدها المنطقة خطيرة جدا، وأخطرها ما يتصل بمستقبل القضية الفلسطينية والقرارات الأمريكية العدائية متمثلة بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة والحديث عن قرب اعترافها بالمدينة المقدسة عاصمة لدولة الاحتلال.
والعلاقات بين دول الخليج العربية بالقيادة السعودية والعراق مختلة وغير متوازنة وغير مستقرة.
***
لم يكن ممكنا أن يقوم اللاعب المصرى الممتاز محمد صلاح بعبء إنقاذ سمعة العرب وقدرات شعوبهم المقيدة بأوامر النظام، أى نظام وكل نظام عربى، فى المونديال.
فكتابة التاريخ العربى الحديث مهمة جماعية ملقاة على الشعب العربى فى جميع أقطاره، لا يمكن أن يقوم بها فرد أو مجموعة أفراد مهما بلغت كفاءتهم.
ولكى يحضر العرب لا بد من الديمقراطية، من حرية الرأى والعمل والحق فى الاجتهاد والتنظيم، والانخراط فى السياسة، بما هى الاهتمام بالشأن العام، وحماية حق الشباب فى مستقبل أفضل من واقعنا المعاش فى قلب التردى العام فى مختلف جوانب الحياة.
أيها العرب: افتحوا النوافذ على الضوء، افتحوا الأبواب على الحرية، لكى يكون لكم غد أفضل، ومستقبل يليق بكرامة ماضيكم وحق أجيالكم الآتية فى أن تكون حيث تؤهلها كفاءتها لأن تكون.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات