الأربعاء 21 نوفمبر 2018 11:16 م القاهرة القاهرة 22.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إنسان بارد

نشر فى : الثلاثاء 26 ديسمبر 2017 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 ديسمبر 2017 - 10:25 م
عاد صديقى من رحلة طويلة فى اليابان. اجتمعنا فى بيته للتهنئة. دخل علينا مهللا على غير عادته. عرفناه هادئ الطبع قليل الكلام. اشتهر بين زملائه الذين رافقوه فى مشواره الجامعى وخلال بعض سنوات تدريبه المهنى ومباشرته وظيفة متميزة بإقباله على أداء عمله بإتقان ودأب. كان يفضل على الدوام قضاء وقت الفراغ لإنهاء أوراق اصطحبها معه من المكتب. لا يتدخل فى شئون غيره ولا يتفضل بنصيحة إلا إذا طلبت منه. نسهر كثيرا ولا يسهر معنا إلا بحساب. جرت العادة أن يعتذر عن عدم المشاركة فى بعض أمسيات الحوار أو سهرات الترفيه التى تعودنا على عقدها أسبوعيا، وحجته التى لم تتغير هى الحاجة للنوم مبكرا من أجل الاستيقاظ نشطا وبدء العمل قبل وصول أقرانه من الموظفين. فى الوقت نفسه لم تكن لتفوته حفلات الموسيقى التى تنظمها دار الأوبرا ومعهد الموسيقى العربية. كانت له صديقة تعمل فى مؤسسة كبيرة يراها بانتظام مرة فى الشهر. يتنناولان معا عشاء خفيفا بعد حفل فى الأوبرا أو مشاهدة فيلم فى السينما ثم يصطحبها إلى بيتها حيث تنتظره والدتها بمشروب دافئ قبل عودته إلى منزله. 

***

استهل حديثه بالقول إن اليابان فاجأته. سافر إليها مزودا بنصائح رؤسائه والخبراء الذين حذروه من وقع الصدمة الثقافية وعواقبها. استقبله فى المطار مندوب عن الشركة، كان لحسن الحظ من هواة السفر للخارج بل وتخرج من جامعة أمريكية. دعاه إلى عشاء يابانى قوامه أسماك من كل نوع وحديث عن العمل. بدا له واضحا أن المندوب كان مكلفا بتلقينه بعض آداب العمل فى الشركة والحياة فى المدينة الصغيرة، ولم يجد فيما سمعه منه ما لم يقرأ عنه وما لم يقله الناصحون المجربون. أخذه المندوب إلى مقر الإقامة فنام مبكرا واستيقظ مبكرا وكان على مكتبه فى الشركة مبكرا ليكتشف أن جميع الموظفين سبقوه إلى مكاتبهم. كان سعيدا بأجواء العمل. تفانى فى حب الشركة فالعمل سيد الموقف. بدأ يكتشف أنه لم يتكلم خلال أيام سوى لدقائق معدودة. بعد فترة أخرى من التزام الصمت بدون أوامر بدأ يدرب نفسه على أن يكلم نفسه، أو يقرأ على فراشه بصوت مسموع. قال، شعرت بعد مرور عام على وجودى فى هذه المدينة الأنيقة بأننى كائن غريب فى عالم مختلف. الحياة لدى هؤلاء الناس مهمة عمل مكلفون بأن يمارسوها. حياتهم عمل وعالمهم لا يعرف غير العمل، عالم العمل الشامل الكامل. 

الإنسان فى عالم العمل يرضع حب العمل مع حليب الرضاعة. الكل منشغل بحساب ما أنتج وما تبقى من الوقت لينتج أكثر. الوقت هناك مورد نادر يجب حمايته واستخدامه بحرص. الحديث المتبادل تبديد لهذا المورد النادر. يمارسون الحب بحرص ويأكلون ويشربون ويتأملون ويتنقلون بالمواصلات العامة والخاصة بحرص وحساب ويحرصون على صحتهم، كلها وظائف وأدوات تخدم الهدف الأعظم، تخدم العمل. كل ما يعطل العمل عبء على الإنسان العامل. مشكلاته العائلية ورحلاته وأوقات تسليته وعواطفه، جميعها أعباء يتحملها ضمير لا يتوقف عن الشعور بالذنب. حتى الكسل أو التكاسل خطيئة لا تعادلها خطيئة أخرى. الكسل هو الخطيئة الأعظم فى عالم العمل اللا نهائى. سكت قليلا قبل أن يضيف، أقول لكم بصراحة، وأنا العاشق للعمل والمتفانى فى حبى له وأعترف بالخوف الذى اعترانى، خفت على نفسى، خفت أن أتحول إلى إنسان عمل، إنسان بارد.

***

رن الهاتف. نظرت فى الساعة فوجدت الليل انتصف. عدت أنظر فى اسم المتصل فتوقف ترددى واشتعل فضولى. وصل صوتها فكان كصوت المستغيثة من تهديد غير داهم. وبالفعل عندما وصلتنى إعادة الاستغاثة تأكدت من أن الأمر ليس جدا خطيرا ولكنه يستحق الاهتمام. «عايزة أكتب جواب». نطقت بالكلمات الثلاث وسكتت بعدها، بل سكت كلانا لنستأنف ولكن ليس قبل أن تأكدت من أن الأمور على الطرف الآخر من الهاتف لا تدعو للقلق. لم تعتذر عن الاتصال المتأخر. بررته بأن أحدا آخر لن يفهم، وأن النوم لن يأتيها قبل أن تفرغ ما فى جعبتها وتسمع ما يهدئ من روعها ويطيب خاطرها.
***

« تعرفنى منذ عشر سنوات. تعرفنى فتاة محبة للحياة ومقبلة عليها بصدر مفتوح وقلب دافئ. أحب الطبيعة حبا جما وأحلى ما أحبه فيها هو الإنسان. لا أتذوق رحيقها وأسعد بجمالها إلا فى وجود إنسان، فبالإنسان تكتمل مكونات روعتها وقدرتها ويتجلى معناها. هذا الإنسان الذى أحبه لا أراه مجردا أو متخيلا، أحبه أمامى قابلا للمس. أحبه مختلفا عنى ومشتبكا معى متفاهما ومتفهما عنيفا كالطبيعة ومسالما أيضا مثلها. تعرفنى لا أحب الانزواء والانعزال. أحب الاختلاط. لا يضايقنى تكدس الناس فبينهم وفى وسطهم أشعر بالدفء. لا أنفر إن لامسونى بغير قصد، بالعكس أتمنى أحيانا عندما تبرد الدنيا ويوحش المكان فيخلو من الأجساد والأنفاس والكلمات، أتمنى وأحلم بلمسة من إنسان». 

«صديقى، عشت السنوات العشر الأخيرة حياة إلكترونية. عشت وسط أنواع مبتكرة من آلات بلاستيكية، فى كل واحدة منها عقل يفكر. آلات تسمع وترد وتصاحب وتتجدد. تذكر كيف كانت مستكينة. جاءت تعرض علينا أن تساعدنا وانتهت وقد احتلت حياتنا. فرضت نفسها طرفا فى العائلة. كنا نرفض أن ينام فى فراشنا الطفل وهو صغير فيتعود ولا يغادر، هذه الأدوات دخلت الفراش فأقامت لا تغادر. هل تصدق أن زوجى، وأنت تعرفه، مدمن عمل يكاد لا يرانى حتى حذرته من أن يوما سيأتى أمشى فى اتجاهه فى شارع ويرانى ولكن لن يعرفنى. هو بالفعل لا يجد فسحة من الوقت تسمح له بأن ينظر فى وجهى أو يلمس يدى أو يربِّت كتفى. تظن أننى أبالغ إذا قلت لك إننا صرنا نسوى أمورنا عبر شبكة الإنترنت، لا نلتقى إلا لماما، وإذا التقينا فثالثنا جهاز يعرف عن زوجى أكثر مما أعرف وبينهما ثقة متبادلة نفتقد مثيلة لها فى علاقتنا الزوجية. أنا متأكدة أنك لن تصدق أننى أتحدث معك الآن وزوجى فى الفراش إلى جانبى يمسك بجهاز وعلى أذنيه كاتم صوت». 

***

«صديق عمرى، أعتذر عن اتصالى بك فى موعد غير مناسب، اتصلت بك لأنك الوحيد بين أصدقائى الذى ظل متوازنا فى تعامله مع الإنترنت فاحتفظ بمشاعر دافئة. أردت أن تعرف أننى مثل كثيرين تعرفهم لم نعد نتحمل برودة العلاقات الإنسانية. أحن إلى الدفء الطبيعى والحقيقى. أحن إلى همسة مسموعة وإلى لمسة حب دافئة. أحن إلى إنسان غير بارد. أحن إلى كلمة مكتوبة. بصحيح، وحياتك عندى، عايزة أكتب جواب عشان يجينى الرد فى جواب».

 

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.