الأحد 18 نوفمبر 2018 2:37 ص القاهرة القاهرة 15.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مراكز القوى العائدة

نشر فى : الأربعاء 27 مايو 2015 - 10:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 مايو 2015 - 10:05 ص

ليست هناك أدنى مفاجأة فى تراجع شعبية الرئيس «عبدالفتاح السيسى».

هو نفسه توقع مثل هذا التراجع عند صعوده إلى مقعده الرئاسى، فالتوقعات تفوق أية قدرة على أى مدى منظور وجهاز الدولة مخرب والإرهاب يطل بسلاحه والاقتصاد متصدع والبلد كله تحت حصار دبلوماسى شبه محكم.

غير أن ما هو متوقع تجاوز ما هو طبيعى.

بدأ السحب على المكشوف كأنه نزيف رغم أية جهود مضنية بذلها.

رغم عنايته المفرطة بتفاصيل المشروعات فإن الصورة العامة غابت.

التصورات قبل المشروعات.. هذه قاعدة مؤكدة.

لا أحد الآن على يقين أننا فى الطريق الصحيح أو أن هناك أملا يرتجى فى نهاية النفق الطويل.

هذا أسوأ استنتاج عام يتسع من يوم لآخر فى بلد لا يحتمل إخفاقا جديدا.

ليس من حقه أن يخفق فى مهمته فالثمن سوف يكون باهظا.

أى عناد مع الحقائق فهو رهان على المجهول.

نقطة الخلل الرئيسية أن النظام الجديد لم يعلن عن نفسه بعد، لا رؤيته ولا رجاله.

هناك رئيس لكنه لا يوجد نظام ولا الدولة استكملت مؤسساتها وفق «خريطة المستقبل».

فى غياب الرؤية تقدم الماضى لملء الفراغ سياسة واقتصادا وإعلاما.

بنص كلماته قبل أن يتولى مهمته: «العمل هو كل ما أملكه.. والعمل هو كل ما أطلبه منكم».

غير أن تقديس العمل افتقد أى دليل عمل.

روح العمل و«الاصطفاف الوطنى» من طبيعة الثقافة العسكرية.

كانت أول شعارات ثورة «يوليو»: «الاتحاد والنظام والعمل» غير أنها تخلت عنه سريعا عندما شرعت فى تأسيس مشروعها السياسى.

العبارات العامة تستهلك نفسها، فلا تضبط أداء ولا تلهم مستقبلا ولا تؤسس لنظام يطلب أن يقف على أرض صلبة.

بأثر غياب الأفكار والتصورات افتقد الخطاب العام حضوره فى كل القضايا تقريبا.

هناك أزمة خطاب لا يمكن إنكارها، فليس هناك ما يلهم أو يقنع وبعض الوجوه التى تتحدث باسم الحاضر ولاؤها كله للماضى.

فى الفراغ السياسى عادت مراكز قوى للعب الأدوار القديمة كأن شيئا لم يتغير فى مصر.

صلبها رجال أعمال متنفذون بقوة المال ورجال أمن أفلت عيارهم.

استبيحت «يناير» كأنها «مؤامرة» واختطفت «يونيو» كأنها «ثورة مضادة».

فى اصطناع التناقض بين ثورتين عظيمتين تكاد تتقوض شرعية الحاضر.

فى ظهوره الأول على المسرح السياسى وضعت أغلبية ساحقة من المصريين ثقتهم فيه باعتباره قائدا للجيش الذى انحاز إلى شعبه فى ثورتين.

تصدرت صوره المظاهرات المليونية وبجواره أسد. كأن الشعب يطلب سيفا له لا معولا عليه، رجل يزأر فيرتعد اللصوص ويرفع الظلم.

لم يحدث ذلك حتى الآن، لا لصوص المال العام حوكموا ولا الظلم الاجتماعى رفع.

ربطته الصور بـ«جمال عبدالناصر» فإذا بالسياسات الاقتصادية تبايع «حسنى مبارك» من جديد.
أين وجه الخلل بالضبط؟

راهن فى البداية على رجال الأعمال فى التبرع لصندوق «تحيا مصر» وكانت النتائج مخيبة لأى توقع.

لم تكن تلك مصادفة بقدر ما كانت ممنهجة لتطويع الحكم الجديد.

فى غياب الرؤى تمكنت مراكز القوى الاقتصادية التى تنتمى إلى الماضى أن تخترق بنية السياسات والقوانين بصورة لم يكن تجرؤ عليها لجنة السياسات التى كان يترأسها «جمال مبارك» نجل الرئيس الأسبق.

بأى معنى سياسى فإن الحكومة الحالية فى خياراتها الاقتصادية أقرب أن تكون حكومة رجال أعمال بالوكالة.

هذه مسئولية الرئيس قبل غيره.

هو لا يملك عصا موسى لحل المشكلات المستعصية مرة واحدة لكنه يملك أن يعلن القطيعة مع الماضى وينحاز إلى شعبه الذى صعد به إلى السلطة العليا، ألا يخيب رجاء وألا يطعن مستقبل.

قبل أن يتولى الرئاسة مباشرة قال حرفيا: «أنا لست مدينا لأحد».

ما هو إيجابى فى عبارته الموحية أنه ليست هناك فواتير يسددها لأية جماعات مصالح غير أن الإطلاق فيها انطوى فى الوقت نفسه على نفى أية التزامات تجاه القوى الاجتماعية التى راهنت عليه وحاربت من أجله.

فى السياسة كما فى الحياة فإن المحبة الغامرة قد تستحيل إلى نقيضها تماما إذا شعر عامة الناس أن رهاناتهم لم تكن فى محلها.

بتعبيره فى (٣) يوليو «إن هذا الشعب العظيم لا يجد من يحنو عليه ويرأف به».

كيف هو الوضع الآن؟

لا عين حانية على الشعب ولا عين حمراء للصوص المال العام.

أخطر استنتاج أن مؤسسة الفساد أقوى من مؤسسة الرئاسة.

إذا لم تفتح ملفات الفساد المودعة فى الأجهزة الرقابية وتحال إلى القضاء ليبت فيها فإن ذلك سوف يشجع مراكز القوى العائدة على مزيد من تطويع الحكم الجديد وإخضاعه لمقتضيات مصالحها.

فى قلق الحكم من عودة ما للفريق «أحمد شفيق» اعتراف بأن الأرض التى يقف عليها هشة.

وفى اعتقاد مراكز القوى العائدة أنها يمكن أن تعزل الرئيس ما يدعو للتساؤل:

لماذا يستضعفون الحكم الجديد إلى هذا الحد؟

من هو المسئول عن خسارته الفادحة يوما بعد آخر لرصيد شعبيته؟

الشعبية مسألة سياسات على الأرض لا وعود مؤجلة بتحسن الأحوال.

فى تراجع شعبيته مشروع انقضاض عليه.

فى تنحية السياسة مشروع انقضاض آخر.

الذين يتآمرون على «السيسى» هم الذين يدفعونه إلى خسارة الثقة العامة فيه.

عندما يكون هناك خلل فى وظائف الدولة ومؤسساتها تبرز مراكز قوى تتجاوز طبيعة مهامها الدستورية.

لأول مرة فى التاريخ المصرى تتولد مراكز قوة نافذة من خارج النظم السياسية.

تداهنه وتتربص به فى الوقت نفسه.

ما يحدث الآن أقرب إلى اللوبيات، تتحرك وتضغط وتطوع، تشهر وتنتقم من «يناير».

الصمت عليها قبول بما تفعل ونزع لشرعية الحاضر.

تلك اللوبيات أقرب إلى الحرس الجديد فى أيام «مبارك» الأخيرة، نفس طريقة التفكير كأنها تطلب عودته باسم آخر.

كان مشروع «التوريث» خروجا على النظام الجمهورى غير أن الحرس الجديد تصور أن بوسعه أن يكسب معركته بقوة المال والنفوذ.

استهتر بكل شىء واستخف بكل معنى حتى أدركته الثورة.

كان الثمن باهظا لكنه لم يتعلم شيئا ولا غفر شيئا مثل ملوك «البوربون» بعد الثورة الفرنسية.

إذا لم يكن هناك تدخلا جراحيا فى بنية السياسات والتوجهات تنحاز إلى العدل الاجتماعى وتفتح المجال العام لكل حوار فإننا داخلون لا محالة إلى مشروع اضطراب جديد لا تحتمله مصر المنهكة.