• أعداد جريدة الشروق

  • السبت 20 سبتمبر 2014
  • 10:56 ص القاهرة
  • القاهرة 26°

بوابة الشروق

  • طباعة
  • تعليقات: شارك بتعليقك

أشباه الأخبار جلال أمين جلال أمين

نشر فى : الجمعة 27 يوليو 2012 - 1:25 م | آخر تحديث : الجمعة 27 يوليو 2012 - 1:25 م

إذا رجعنا فى الزمن نحو نصف قرن، نجد أن سطوة وسائل الإعلام على أفكار الناس كانت أقل بكثير مما هى اليوم. قارن مثلا بين الدور المتواضع الذى لعبته وسائل الإعلام فى السنوات الأولى لثورة 1952، حيث لا تليفزيون، والصحف والمجلات محدودة التوزيع، والراديو نادر جدا فى القرى، وبين الدور الذى لعبته، ومازالت تلعبه وسائل الإعلام فى ثورة 2011، حيث التليفزيون مفتوح فى كل بيت، ولا يكف عن الثرثرة، ويبث الصور المثيرة مصحوبة بالموسيقى الحماسية، والصحف القديمة والجديدة تتبارى فى كسب القراء وإثارتهم فى اتجاه أو آخر...الخ.

 

كان التغير الذى طرأ على دور وسائل الإعلام أسرع بكثير فى بلادنا منه فى البلاد التى اخترعت هذه الوسائل أصلا، فالذى حدث عندهم بالتدريج البطىء يحدث عندنا بسرعة ومع هذا فسطوة الإعلام عندهم، هى أيضا أكبر بكثير مما كانت منذ خمسين عاما، سواء فى نشر الأخبار أو فى تشكيل الأفكار السائدة وأنماط السلوك. وأريد فى هذا المقال أن أركز على ما طرأ من تغير، عندنا وعندهم، على نشر وبث الأخبار بوجه خاص.

 

أذكر أنه فى أوائل الستينيات ظهر كتاب فى الولايات المتحدة يتحدث عن أثر وسائل الإعلام فى المجتمع، وابتدع مؤلفه تعبيرا جديدا عن ظاهرة جديدة، هو «أشباه الأخبار» (pseudo news)، وكان يقصد بذلك ما يبدو وكأنه أخبار ولكنه لا يحمل أى خبر أو معلومة جديدة على الإطلاق. وقد لاحظت أنه، مع مرور الزمن على ظهور الكتاب أن هذه الظاهرة تزداد عندهم وعندنا على السواء، أى زاد ما ينشر فى الجرائد والصحف ويذاع فى الراديو والتليفزيون من «أشباه الأخبار» وزاد قبول الناس لها كأنها أخبار حقيقية. مع ملاحظة أن الانخفاض النسبى فى مستوى التعليم والثقافة فى بلادنا، يجعل تمرير مثل هذه «الأخبار» أسهل عندنا بكثير منه فى البلاد التى سبقتنا فى التعليم والمستوى الثقافى العام.

 

●●●

 

شخصية أمريكية كبيرة تأتى إلى بلادنا فى زيارة رسمية، وتلتقى ببعض كبار المسئولين وعلية القوم عندنا. وهى شخصية ليس لديها الكثير من الوقت لتضيعه فى السفر دون سبب مهم. والزيارة تأتى فى أعقاب زيارة أخرى قام بها رئيسنا الجديد للمملكة السعودية، ثم تبعتها مباشرة زيارة من هذه الشخصية الأمريكية لإسرائيل، والتقائها بأكبر السياسيين هناك. انظر ما تنشره أو تقوله وسائل الإعلام فى بلادنا عن هذه الزيارات، مما يجوز وصفه بـ«أشباه الأخبار». الشخصية الأمريكية الكبيرة جاءت وقابلت الرئيس. هذا هو ما يقوله الخبر، ولكن لا شىء يذكر بعد هذا إلا عن «تبادل الرأى فى أحوال المنطقة»، أو عن «بحث العلاقات الثنائية بين البلدين»، مما لا ينطوى على أى خبر على الإطلاق يزيد عن مجيئ الشخصية الأمريكية وحدوث المقابلة ثم انصرافها. إذ ما الذى يمكن أن يدور حوله الكلام غير «أحوال المنطقة»؟ وأى علاقة توجد بيننا وبين الولايات المتحدة غير العلاقات «الثنائية»؟

 

أما زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لإسرائيل فى أعقاب زيارتها لمصر، فكل الذى يقال عنها أن الوزيرة، فضلا عن مناقشة العلاقات الثنائية وأوضاع المنطقة مع المسئولين الإسرائيليين، طمأنتهم أن مصر وعدت باحترام معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل. كم مرة سمعنا مثل هذا التصريح؟ وهل حقا يستحق مثل هذا التصريح أن تذهب الوزيرة من أجله وتجيئ من بلد لآخر؟ ان الغرض الحقيقى من مثل هذه التصريحات هو إخفاء الأسباب الحقيقية للزيارة، والتى قد تتعلق بإيران، وبما يجب أن تفعله أو لا تفعله إسرائيل إزاء إيران أو إزاء سوريا، وبرأى أمريكا فى هذا وذاك، أو فى غير ذلك من الأمور التى لا يُسمح لأمثالنا بمعرفتها.

 

●●●

 

ظاهرة «أشباه الأخبار» ظاهرة مؤسفة بل ومحزنة فكثيرا ما تخطر بذهنى الفكرة الآتية: «ما أكثر ما كان من الممكن أن توفره علينا وسائل الإعلام من عناء وحيرة لو قالت لنا أخبارا حقيقية وليس مجرد أشباه أخبار. بل كم كان من الممكن أن تتحسن حياتنا السياسية لو بنى الناس أحكامهم وشكلوا أحزابهم بناء على أخبار حقيقية وليس على «أشباه الأخبار»؟ خطر ببالى أيضا أكثر من مرة الخاطر الآتى: «ما أعظم النفع الذى كان يمكن أن يعود على حياتنا السياسية لو أن رجلا مهما كجمال عبدالناصر مثلا، قرر فى لحظة صفاء مع النفس أن يجلس لكتابة مذكراته كاملة، فلم يكتف بما كان يقوله فى خطبه من مهاجمة الاستعمار وأذناب الاستعمار، بل يقول لنا مثلا ما كان يدور حقا بينه وبين الرئيس السوفييتى خروشتشوف، أو الرئيس اليوغسلافى تيتو، أو ما كان ينقل إليه من رسائل من الولايات المتحدة...الخ؟».

 

●●●

 

كيف نفسر هذه الزيارة السريعة فيما ينشر ويذاع من «أشباه الأخبار»؟ لابد أن بعض الأسباب يتعلق بما طرأ من تغيرات على وسائل نقل الأخبار، وعلى الناس الذين يتلقون الأخبار، ولكن السبب الأهم فى رأيى يتعلق بمضمون الأخبار الحقيقية التى يجرى استبعادها لصالح «أشباه الأخبار».

 

قرأت مرة أن أول صحيفة تصدر فى الولايات المتحدة (وكان هذا قبل إعلان استقلال أمريكا) وصفت نفسها، ليس بأنها صحيفة يومية أو أسبوعية بل إنها «تصدر عند الحاجة»، أى عندما توجد أخبار تستحق الذكر. منذ ذلك الحين، أى خلال القرنين أو القرون الثلاثة الماضية، زاد بشدة عدد الصحف التى تصدر بانتظام، يوميا أو أسبوعيا، وزاد عدد ساعات الإرسال من الراديو والتليفزيون حتى شملت اليوم بأكمله. ولكن أوراق الصحيفة لابد أن تملأ، وساعات الإرسال بالراديو والتليفزيون يجب أن تشغل بشىء ما، من ذلك تكرار نشرات الأخبار كل بضع ساعات أو أقل، وليس هناك من الأخبار التى تستحق الذكر ما يملأ كل هذه الصفحات والساعات، فتحل أشباه الأخبار محل الأخبار، وتبالغ الصحيفة فى أهمية الخبر التافه حتى تجد ما تنشره بعناوين كبيرة فى الصفحة الأولى، وتصنع الصحف والتليفزيون نجوما ليس فيهم أى مبرر حقيقى للنجومية، ولكن جعلهم نجوما يخلق فرصا جديدة لنشر شبه الأخبار، وزيادة نشر شبه الأخبار يزيد من النجومية...الخ.

 

●●●

 

ولكن «عصر الجماهير الغفيرة» مسئول أيضا عن انتشار أشباه الأخبار. إن ما يمكن أن تقوله فى حجرة الصالون لأصحابك وأفراد أسرتك لا يصلح عادة لأن تقوله لجمهور كبير من الناس. حكى لى مرة صديق ظريف كان أستاذا بكلية التجارة أنه أعد أول محاضرة لإلقائها على طلبته فى أحد الموضوعات العلمية، ثم دخل لإلقائها فإذا به يرى فى المدرج عدة مئات من الطلاب، وكان يظن أنه سيجد عشرين أو ثلاثين. قال لى إنه اكتشف فجأة أن الكلام العلمى الذى كان قد أعده لم يعد يصلح للمحاضرة أمام هذا العدد الغفير من الطلاب. انهم يحتاجون، على حد قوله، إلى كلام إنشائى بليغ يبدأ بعبارة مثل: «أيها الإخوة المواطنون....»!

 

سمعت أيضا تعبيرا عن معنى قريب من هذا من أمريكى كان يعمل فى محطة إذاعة أمريكية اسمها (محطة الإذاعة القومية العامة (NRR)، وهى محطة لا تستهدف الربح، بعكس معظم محطات الإذاعة الأمريكية الأخرى، بل تهدف إلى تحقيق نفع عام وإفادة المستمعين بنشرات أخبار حقيقية وتحليل متعمق للأخبار، فضلا عن برامج ثقافية. قال هذا الرجل مرة فى هذه المحطة إنه كان يعمل قبل ذلك فى محطة أخرى تستهدف الربح ومن ثم تسعى إلى الوصول إلى جمهور كبير يمكن أن يغرى عدده المعلنين عن مختلف السلع.

 

ولكن الوصول إلى هذا الجمهور الكبير يتطلب نوعا مختلفا من البرامج ومن نشرات الأخبار. كان أقصى المسموح بإذاعته فى هذه النشرات، فيما عدا أخبار القتل والكوارث، «أشباه الأخبار»، أى الأخبار الخالية تماما من المضمون، وكان يجرى التنبيه على معدى النشرة بأن أى خبر لا يجب أن يستغرق أكثر من ثوان معدودة، ما لم يكن يتعلق بحادث من نوع موت الرئيس أو قتله أو نشوب حرب. وفى جميع الأحوال يجب أن يتجنب معد النشرة أى تحليل أو تفسير للخبر.

 

●●●

 

ولكن أهم سبب لانتشار «أشباه الأخبار» يتعلق بزيادة ما يراد إخفاؤه. انى أميل إلى الاعتقاد بأن العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول، وفى داخل الدولة الواحدة، تبعد أكثر فأكثر عن مبادئ الأخلاق مع مرور الوقت. نعم، ما أكثر ما يحفل به التاريخ، القديم والحديث، من أمثلة على استعداد السياسيين للخروج عن أبسط قواعد الأخلاق من أجل تحقيق مصالح خاصة، لأنفسهم أو لبلادهم، ولكن هناك من الشواهد ما يدل على أن هذا الاستعداد للخروج عن مبادئ الأخلاق يزيد مع الوقت ولا ينتقص، بسبب غلبة المصالح الاقتصادية على غيرها، وبسبب ازدياد فرص الكسب والربح المادى لنفس السبب الذى ذكرته منذ قليل، وهو نمو المجتمعات «ذات الجماهير الغفيرة»، وما يدعمه من نمو ظاهرة العولمة، حيث يمتد الأفق الاقتصادى (ومن ثم السياسى) ليشمل العالم بأسره، ولكن إذا كانت العلاقات السياسية والاقتصادية تبتعد أكثر فأكثر عن مبادئ الأخلاق، فلابد أن يزيد أيضا ما يراد إخفاؤه من أخبار، أو من دوافع وراء الأخبار، ومن ثم تزيد الحاجة إلى تجنب الخوض فى الدوافع الحقيقية لما يحدث (ما دامت الدوافع الحقيقية بهذا القدر من الدناءة)، فتزيد الحاجة أكثر فأكثر إلى نشر «أشباه الأخبار».

  • طباعة
خدمة الشروق للرسائل القصيرة SMS.. اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة
تابع المزيد من الشروق على

أحدث مقالات الشروق