الإثنين 10 ديسمبر 2018 11:05 م القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

حدث.. في مثل هذا اليوم

نشر فى : الأحد 28 يناير 2018 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 28 يناير 2018 - 10:45 ص

هذا ليس مقالا في السياسة، بل «سؤال للضمير». قد يراه البعض منبت الصِّلة عن ما يعتمل في ساحة السياسة الآن، وقد يراه آخرون في القلب منه. فلم يفقد هؤلاء حيواتهم أو أعينهم أو أطرافهم، إلا من أجل يوم يتمتع فيه المصريون بدولة ديموقراطية معاصرة «يستحقونها». يومٌ لم يأتِ بعد.

ــــــــــــــ

©REUTERS، Amr Abdallah Dalsh

قد تملأ الأكاذيب «المضلِّلة، والمضلَّلة» الفضاء كله، لكن تبقى «الحقيقة» التي لا يجرؤ أحد على إنكارها، أن هذا شابٌ فقد كلتا عينيه

في ظل ظروف قائمة، أعرف أننا، ورغم سنوات سبع كاملة لن نعرف بالضبط «تفاصيل» ما جرى في الأيام الثمانية عشرة لثورة يناير. لا في «الميدان» وشوارعه المحيطة. ولا في شرق القاهرة، حيث «القصر» وقصور أخرى «سيادية» حاكمة. «فاللواء» سليمان ذهب إلى ربه (بصناديقه السوداء) التي كان قد أشار إليها في حواره الشهير. «والفريق» عنان ذهب إلى حيث لا نعلم، وإلى حيث يراد أن لا نعرف شيئا عما أشار إليه متحدثه الرسمي من تفاصيل ما جرى في فترة توليه المركز الثاني في «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» الذي أحيلت إليه مهمة إدارة البلاد بعد تنحي مبارك، أو سقوطه، كما ظن المتعجلون يومها. 

سيظل ذلك كله ملكا للتاريخ، الذي يكتبه عادة المنتصرون، أو هكذا يتصورون. والذي شاهدنا كيف كان محل تشويه متعمد على مدى السنوات السبع الماضية. 

اليوم هو الثامن والعشرون من يناير، الذكرى السابعة للجمعة «المفصلية» التي غيرت مجرى الأحداث، والتي انتقلت بمطالب الشباب الثائر من مجرد «محاسبة الداخلية على تجاوزاتها» إلى المطالبة بإسقاط النظام (لا الدولة بالمناسبة)

أكرر: لن نعرف (الآن) ما جرى بالضبط في هذا اليوم أو غيره. فالتقارير (الرسمية) للجان تقصي الحقائق، منها ما اختفى، ومنها ما لم يظهر أبدًا، ومنها ما طالت تفاصيله النسيان، أو بالأحرى التجاهل «المتعمد». وكلها غابت، لأسباب باتت مفهومة عن أوراق الدعاوى القضائية المختلفة، التي نعرف جميعًا كيف قضى فيها عندما غابت الأدلة.

لن نعرف ما جرى بالضبط. ولكننا نعرف، إن كانت مازالت لدينا أعين تبصر ما جرى لأحمد حرارة (وغيره) الذين فقدوا البصر في ذلك اليوم. وكنا قرأنا في أوراق المؤتمر الدولي الرابع لجراحات الشبكية (القاهرة ٢٠١٢)، ما قاله الجراحون من أن إصابات العيون لمصابي الثورة كانت غير مسبوقة «لأنها استهدفت العين مباشرة مما أدى إلى فقدان العديد من المصابين لأبصارهم» 

***

كما كتبت قبل ذلك غير مرة قد تختفي كل التفاصيل… والتقارير «الرسمية»، وقد تختفي كلُ الأدلة، أو تُطمس، وقد تصل الملفات إلى القضاة ناقصة فيحكمون «بظاهر الأوراق»، أو فيما بين أيديهم، أو بما تقضي به (ضمائرهم). وقد نغرقُ في بحرٍ من الافتراءات والأكاذيب، وقد لا نعرفهم «فِي لَحْنِ الْقَوْلِ»، وقد نتوهُ، أو بالأحرى نتوهُ بالبسطاء من هذا الشعب في جدلٍ عقيم حول ثنائيةِ (ثورة أم مؤامرة)، أو قد نتوهُ بهم بين ما نقوله في بياناتنا «الرسمية»، احتجاجا على جون ماكين، وبين ما يفعله «رسميونا» على أرض الواقع. وما يفعله إعلاميونا «الرسميون» بأدمغة الناس. قد تملأ الأكاذيب «المضلِّلة، والمضلَّلة» الفضاء كله،؛ ما بين السماء والأرض، لكن تبقى «الحقيقة» التي لا يجرؤ أحدنا (أو أحدهم) على إنكارها، والتي سيحملها كل منا (ومنهم) على كتفيه يوم القيامة، أن هذا شابٌ فقد كلتا عينيه. إحداهما في مثل هذا اليوم: الثامن والعشرين من يناير، والأخرى في التاسع عشر من نوفمبر ٢٠١١ الذي كان في النهاية أن حوسب ضحاياه، لا جُناته. والذي، كغيره لم نعرف أبدًا حقائقه.. وخفاياه.

***

«شيلتوا عن عيننا الستاير» .. ثم كان أن أُسْدِلت «الستائر»، تشويها وتضليلا.. لـ«تَعْمَى الْقلوبُ الَّتِي فِى الصّدورِ»

أحمد حرارة طبيب الأسنان، أو بالأحرى الذي كان طبيبا للأسنان قبل أن يفقد الإبصار (والذي لن أمل من التذكير بقصته) من مواليد فبراير ١٩٨٠، أي أنه كان في الواحد والثلاثين من العمر عندما نزل إلى الميدان مع مئات الآلاف من جيله في تلك الأيام من يناير ٢٠١١. ثم كان في ٢٨ يناير، «جمعة الغضب»، التي فقد فيها النظام أعصابه أن أصابت إحدى الرصاصات عينه اليمنى، كما تسببت إصابة أخرى في الصدر بنزيف في الرئة أدخله في غيبوبة لأيام. ولم يكن ذلك كله في المشهد الذي اتسع يومها باتساع مصر كلها أكثر من تفصيلة من تفاصيل مشابهة أكثر من أن تحصى لذلك اليوم الدامي.

«أعيش كفيفا مرفوعَ الرأس وبكرامة أفضل من أن أعيش مبصرا مكسورَ العين».. كان هذا هو التعليق الوحيد الذي سمعناه للطبيب الشاب على إصابته، ولهذا لم نستغرب أن يكون مرة أخرى، رغم الإصابة مع رفاقه من أولئك «المؤمنين بالعدل» لا غيره، دفاعًا عن أهالي الشهداء والمصابين، وعن «مدنية الدولة» في الأحداث التي تطورت وعرفت باسم أحداث محمد محمود (١٩ نوفمبر ٢٠١١) ويشاء القدر أن يفقد يومها عينَه الأخرى برصاصة «أمنية» أخرى. لتكتمل التراجيديا عندما نتذكر «شيلتوا عن عيننا الستاير»، أغنيةَ أنغام التي اختفت، والتي كانت مصرُ كلها ترددها معها أيامها احتفاءً بهؤلاء الشباب الذين غنينا لهم يومها: «واحنا ليكم مديونين».

هاهي «الستائر» قد أُسْدِّلت يا أنغام.. لـ«تَعْمَى الْقلوبُ الَّتِي فِي الصّدورِ»، فيتهمُ البعضُ «مضلِلا، أو مضلَلا» شبابَ يناير وبينهم طبيب الأسنان «الذي فقد عينيه» بالبلطجة إن لم يكن بالتخابر والمؤامرة (!)

***

اليوم هو الثامن والعشرون من يناير. ارجعوا من فضلكم لما تحكيه «الوثيقة الرسمية» عن ما جرى في هذا اليوم

لم يكن طبيب الأسنان الشاب الضحية الوحيدة لما جرى في تلك الأيام. أرجوكم عودوا إلى الوثيقة «الرسمية» الوحيدة (المنشورة) عن تلك الفترة. والتى كنت قد أشرت لها ولمثيلاتها في هذه الصفحة أكثر من مرة، من باب الإلحاح على ضرورة أخذ الخطوات الضروية نحو تطبيق تدابير «العدالة الانتقالية» الخمس، وأولها وركيزتها «إماطة اللثام عن الحقيقة. والتي تستهدف في نهاية المطاف، اتخاذ الإجراءات التي من شأنها تفادي تكرار الأسباب التي تؤدي إلى التمرد.. فالثورة.

عنوان الوثيقة: «ملخص التقرير النهائى للجنة التحقيق وتقصي الحقائق بشأن الأحداث التي واكبت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١». وهي اللجنة التي كان قد صدر بتشكيلها قرار رئيس الوزراء رقم ٢٩٤ لسنة ٢٠١١ في التاسع من فبراير ٢٠١١ فور أن أحيل أمر إدارة شئون البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. ترأس اللجنة المستشار الدكتور عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض، وتولى أمانتها العامة المستشار عمر مروان (وزير شئون مجلس النواب حاليا) والذي كان قد شارك في كل اللجان اللاحقة. 

تم الانتهاء من التقرير وتقديمه إلى النائب العام؛ عبدالمجيد محمود وقتها (حسب ما كانت قد قررته المادة السابعة من قرار تشكيل اللجنة) في ١٤ أبريل ٢٠١١

قدمت اللجنة تقريرها بالنص التالي: «إن ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ثورة اجتماعية كاملة بمعنى الكلمة إذ شكلت حدثا فاصلا بين عهدين ونقلة كبيرة بين نظامين. وكانت هناك عوامل بمثابة الوقود الذي أشعل هذه الثورة يمكن إيجازها في: الفساد السياسي، وغياب شبه كامل للحريات العامة والأساسية، وصنع ديمقراطية ديكورية لم يتفاعل معها الشعب المصري، وغيبة العدالة الاجتماعية، وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات.. وتخلي النظام السابق نهائيا عن مسئولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين، وانتشار الرشوة والمحسوبية حتى أصبحت لغة وثقافة متعارف عليها يوميا في حياة المصريين، والقمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له، والتضليل الإعلامي وتفريغ الحقائق من مضمونها.. إلخ»

ثم يمضي التقرير «الرسمي» الذي كان قد سُلم إلى النيابة العامة في أبريل ٢٠١١ ليعرض تسلسل الأحداث فيما يلى (نصا):

ــ قرر الشباب الدعوة إلى التجمع والخروج للتعبير عن أمانيهم في التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية بشكل سلمي متحضر.

ــ وكان النداء إلى الاشتراك في مظاهرة احتجاجية يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ بميدان التحرير على شبكة المعلومات الدولية معبرا عن رغبة شعبية جارفة لم يتوقعها أكثر الداعين إلى هذه المظاهرة تفاؤلا، وكان لافتا أنها تضم جميع الطبقات والطوائف والثقافات، وانتشارها في ربوع البلاد.

ــ اتسمت هذه المظاهرات بالسلمية والإصرار على إحداث التغيير، وتواصلت عبر الأيام من ٢٥ يناير ٢٠١١ إلى أن حققت هدفها يوم ١١ فبراير ٢٠١١ بتخلي رئيس النظام عن الحكم.

ينتقل التقرير بعد ذلك مباشرة للحديث عن دور الشرطة ونظام مبارك في مواجهة المظاهرات «السلمية». ويحدد ذلك في النقاط والوقائع التالية: (وأنا هنا أنقل نصا).

ــ في يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ سارت المظاهرات سلمية في جميع مواقع التظاهر، ولكنها قوبلت بالعنف في السويس، حيث قُتل ثلاثة وأصيب خمسة من المواطنين بإطلاق النار عليهم من قبل قوات الشرطة، فكان ذلك بمثابة وقود تأجيج الثورة. (الصفحة ٤ من التقرير).

ــ استمرت المظاهرات في اليومين التاليين ٢٦ و٢٧ يناير رغم محاولات تفريقها من الشرطة.

ــ كان يوم الجمعة ٢٨ يناير «جمعة الغضب» يوما فارقا في تاريخ مصر بعد أن احتشد المتظاهرون في إصرار على تغيير النظام، قابله عنف غير مسبوق من الشرطة، فسقط المئات من الشهداء، وأصيب الآلاف في جميع الأنحاء، وانسحبت الشرطة عصر ذلك اليوم أمام الإصرار الشعبي، ونزلت القوات المسلحة إلى الشارع، وفرضت حظر التجول بعد أن تمت عمليات حرق ونهب وتخريب للممتلكات العامة والخاصة.

ــ تواصلت المظاهرات أيام ٢٩ و٣٠ و٣١ يناير وظهر الانفلات الأمني بصورة أوضح وعلى مدى أوسع.

ــ في يوم ١ فبراير ظهرت دعوات لتأييد الرئيس مقابل المظاهرات التي تطالب برحيله.

ــ شهد يوم الأربعاء ٢ فبراير ٢٠١١ اعتداء مناصري الرئيس على معارضيه باستخدام الجمال والجياد وبعض الأسلحة البيضاء فيما عرف إعلاميا بموقعة الجمل فوقع العديد من الضحايا والمصابين، وكان لهذا الاعتداء نتيجة سلبية على دعم الرئيس، بينما زاد المناهضون له قوة وإصرارا على تحقيق هدفهم. (يحدد التقرير في الصفحات من ١٤ إلى ١٧ مسئولية اعتداءات «الأربعاء الدامي» كما يسميه في قيادات الحزب الوطني، وعناصر من الشرطة السرية، ورجال الإدارة المحلية..).

انتهى النص (الرسمي). ولمن شاء الاستزادة أن يعود إلى كامل التقرير (المنشور)، أما من يبحث عن العدالة، فبوسعه أن يعود إلى بقية تقارير تقصي الحقائق «الرسمية» ذات الصلة، (إن استطاع لذلك سبيلا).

….............

هذه ليست دعوة للانتقام، كما قد يظن البعض. بل «للإنصاف»،.. والتاريخ

ربما كان مهما أن نؤكد أن هذه ليست دعوة للانتقام من هذا أو ذاك، أو لتوجيه اتهام «على المشاع» يطول الجميع. فنحن دوما نتحدث عن عدالة انتقالية «لا انتقامية»، رغم أن هناك، للأسف من أراد لها أن تكون، ما لا ينبغي لها أبدا أن تكونه … «انتقائية». 

***

وبعد..

فكما قلت هنا، غير مرة وأقول دائما: كل نفس بما كسبت رهينة، ولكل أن يقف في النهاية فى المربع الذي يختار، أو يمليه عليه ضميره: 

ــ مع الذين عادوا إلينا، بحسن النية، أو بالدهاء «والقوة الغاشمة» بالذي كان (أو أسوأ). متهما أحمد حرارة ورفاقه بالمؤامرة.

ــ أو مع أولئك الذين فقدوا حيواتهم، أو أعينهم من أجل أن تحيا أنت وأبناؤك في دولة ديموقراطية معاصرة

لك أن تختار. ولكل وجْهَة «هوَ موَلِّيهَا». صدق الله الحق.. والعدل.

ـــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ـــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ــ أيام البراءة الأولى

ــ جريمة ٢٥ يناير .. والذين شاركوا فيها

ــ عن العدالة الانتقالية: 

ــ الملخص «الرسمي» لتقرير تقصي الحقائق حول ثورة ٢٥ يناير

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات