الأحد 30 أبريل 2017 3:09 م القاهرة القاهرة 32.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

القاهرة: مدينتى وثورتنا (٣)

نشر فى : الخميس 29 يناير 2015 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 29 يناير 2015 - 8:00 ص

الجزء الأول

١٨ يومًا

الجمعة ٢٨ يناير، ظهرا

إمبـابة، على الضفة الغربية من النيل. موقف الأتوبيس فيها اسمه الـ«كيت كات»، ويرتبط الاسم عندى بمشهد أبيض واسود لجندى بريطانى يخرج مترنحا إلى الشارع من باب مشبُوه، ترقبه من حجرات أطفئت فيها الأنوار عيون فى وجوه تكتم أنفاسها، يخطها الضوء الآتى من فوانيس الإنارة خلال الشيش المردود. يبدو أننى كنت أعرف أن الكيت كات كان ملهى ليليا من الملاهى الكثيرة التى ظهرت فى القاهرة لخدمة قوات الحلفاء المعسكرة فيها فى حرب الغرب الكبيرة الثانية. واليوم إن قلت «الكيت كات» تَبادَر إلى ذهنى فيلم داوود عبدالسيد (١٩٩١) باللقطة الافتتاحية لمحمود عبدالعزيز يحاور شوارع إمبابة على دراجته: لقطة طويلة مستمرة ــ فى أثنائها تكتشف أن راكب الدراجة لا يبصر.

وإمبابة معروفة بمستشفياتها الثلاثة. أحدها مستشفى تخصصى لإعادة التأهيل، علموا فيه ابن أم نجلاء، السيدة التى تساعدنا فى البيت، علموه الكلام وعنده خمس سنين. أنقذه أبى من براثن «نصاب»، كما قال، كان سيتعامل معه بالصدمات الكهربائية، اختطفه منه وبعثه إلى إمبابة. هو الآن فى الخامسة عشرة وكثير الكلام، يقول إنه كان ممكن أن يستمر فى الذهاب إلى المدرسة لو كان يرى طائلا من وراء هذا لكنه لا يتعلم أى شىء والمدرسون لا هم لهم إلا ابتزاز التلاميذ بالدروس الخاصة. يرى أن الأمل الوحيد لحياته اليوم هو الثورة. يلوم أمه ويسخر منها لاستعدادها أن تصدق أن حسنى مبارك «آسف» وسوف يعيد أموالنا المسروقة. «على»، تقول لى أمه «على بيقول على مبارك ورجالته كدابين كدابين، من قبل ما يفتحوا بقهم نَفَسْهُم كِدْب، وآدى علي»، تقول، «على اللى ما كانش بيتكلم».

والثانى مستشفى إمبابة للحميات الذى كان ينافس أهم مستشفيات العالم. أما الثالث فهو مستشفى الطوارئ الجديد الذى أوقفوا بناءه حين لفت موقعه على النيل انتباه سوزان مبارك فقررت الحكومة أن تحوله إلى مجمع سكنى فاخر. وآخر فضيحة من هذا النوع مشروع «مدينتى» الذى بيعت فيه ثمانية آلاف فدان بثمن يقل عن سعر السوق فأقرت المحاكم أن الخسارة للخزانة المصرية تقدر بالبلايين. اليوم حين تمر مظاهرتنا أمام مشروع المستشفى تبدأ الجماهير فى الهتاف: «طبق العدس بعشرة جنيه/ سهم مدينتى بنص جنيه». منذ ساعتين ونحن نمشى فى شوارع إمبابة. اصطحبنى إلى هنا صديق كنت أعلم أنه يدعم مجموعة من الشباب الثوار منذ زمن. «فيه حاجة هتبتدى من هنا»، قالها وذهب يوزع بانرات. كان ذلك الشعور اللطيف وقت صلاة الجمعة حيث العالم فى لحظة سكينة. أخذت أرقب السيدات تتحادثن أمام المحلات، تنساب عليهن شمس الشتاء من خلال الملابس الزاهية المعروضة فوق رءوسهن، ورجال يجلسون فى القهاوى، ورجال لا يسعهم الجامع فيصلون على حصر مفروشة فى الطريق. فى القهوة الصغيرة شاب جالس فى الركن، شىء ما فيه - فى سكونه وفى تركيزه، يبقى معى.

يتمون الصلاة ويبدأ الإمام فى الدعاء، ثم الدعاء، والدعاء.. يبدأ الرجال فى طى الحصر وانتعال الأحذية وفجأة أرى الشاب الذى تركته فى القهوة ــ أراه يرتفع على الأكتاف فوق الجمع فيتلفت الناس وتتصاعد همهمة انتباه كالتى نسمعها فى المسرح لحظة رفع الستار. الكل يشخص البصر، الناس تقف فى أبواب المحلات، ذراع الشاب ترتفع فى الهواء، تمتد يده إلى السماء، يسود الصمت، ثم ينطلق الصوت القوي: «الشعب! يريد! إسقاط النظام!» هكذا، هكذا بلا مقدمات ولا مهادنات. شاب على أكتاف اصدقائه، مجموعة من نحو خمسة عشر يلتفون حوله: «الشعب! يريد! إسقاط النظام!» ونبدأ فى السير.

سنعرف أن مسيرات مشابهة بدأت بعد الصلاة فى مناطق كثيرة من القاهرة وغيرها من المدن. سأعرف هذا الشاب كأحد الذين نظموا هذه المسيرات الأولى. على أكتاف أصحابه تحول ذلك التركيز الساكن إلى طاقة: ظهره مستقيم ورأسه مرفوع وحركات ذراعيه بالغة التحديد. المرة تلو المرة ينطلق الهتاف ويستجيب الناس.

«قول الأمن والبوليس/ قتلوا اخواتنا فى السويس»!

نسير وتزداد الأعداد. الشرفات مزدحمة بالعائلات. البعض يرقبنا فى صمت. بعض الرجال يبدو عليهم عدم الارتياح ــ

«إنزلوا من بيوتكم/ علشلن تاخدوا حقوقكم»!

معظم النساء مبتسمات ضاحكات تشرن لنا بالإيجاب وتهز الأطفال على نغمات الهتاف ــ

«عيش! حرية! عدالة اجتماعية!».

بعض السيدات كبيرات السن تنادى علينا «ربنا معاكم، ربنا ينصركم»، وتجوب المظاهرة الشوارع السكنية الضيقة، تهتف، تشجع، تحرض ــ

«غلّوا السكر غلّوا الزيت/ بكره تبيعوا عفش البيت»!

نمر على مكتب الشهر العقارى. فى عام ٢٠٠٨ جئت إلى هذا المكتب لتخليص بعض الأوراق الخاصة بمتعلقات أمى، ولم أستطع تخليصها. وعلى الشباك المجاور كان رجل يعترض، يحاول أن يشرح للموظفة أن هذه خامس مرة يأتى فيها إلى المكتب وأنه لم يعد يفهم ما المطلوب منه لكى يحصل على الختم الذى يحتاجه على أوراقه ــ ثم فقد الرجل أعصابه: «طب يلعن أبو حسنى مبارك!» أخذ يصرخ.. ويصرخ: «ملعون أبوه ملعون أبوه ملعون أبوه فى الأرض..» كان يضرب بقبضته على الكونتر وهو يلعن الرجل الذى يترأس النظام الذى، هنا والآن، فى هذا التجلى المحدد جدا للبيروقراطية والفساد، يكاد يدفع به إلى الجنون.

«عيش! حرية! كرامة إنسانية!»

الأطفال تركض إلى جانب المسيرة.

«الشعب! يريد! اسقاط النظام!»

فى الثمانينيات والتسعينيات ــ فترة انتشار وتمكن تيارات الإسلام السياسى ــ نالت امبابة من الدولة ممارسات شديدة القسوة. كفت وزارة الداخلية عن متابعة الأمن داخل الحى، لكنها أقامت حواجز حدودية على مخارجه، وكان كل رجل أو شاب يدخل أو يخرج يتعرض للتوقيف والتفتيش، وكان من يجدونه لا يحمل بطاقة يحتجزونه، والاحتجاز معناه الضرب وأحيانا التعذيب. اليوم، أثناء المسيرة، والمسيرة تجتذب الناس وتحشدهم من الأرصفة والطرقات، يرتفع الصياح: «نروح القسم! خدونا ع القسم!» المطالبة تتكرر، وفى كل مرة يتحايل قادة المسيرة عليها ونظل بعيدا عن القسم. فيما بعد سوف اكتشف أن أختى، الدكتورة ليلى سويف، وأصدقاء آخرين كانوا فى هذه المسيرة التى كبرت بحيث لم نلتق، فحين وصلنا إلى الكوبرى العلوى ونحن نتجه إلى وسط البلد كنا أكثر من خمسة آلاف.

ننزل من العلوى فأدرك أننا فى شارع أحمد عرابى. هذا هو الشارع الذى كان يسكن فيه خالى الحبيب. معنا دائما رغم رحيله منذ ثمانية عشر عاما. بيته هنا، وزوجته هنا، طنط ــ الدكتورة ــ ناهد صالح. أرفع النظر إلى شرفتها العامرة بالنباتات والزهور وأنسلت من المسيرة وأصعد الأدوار الخمسة إلى شقتها فأجد فيها أولاد خالى والكثير من الأصدقاء. الكل جاء من المسيرات يستريح بعض الدقائق ويستطلع الأخبار. استيقظنا ذلك الصباح لنجد شبكة الإنترنت معطلة، وفى الحادية عشرة صباحا توقفت الهواتف المحمولة عن العمل فلم يتبق لنا من وسائل الاتصال غير الخطوط الأرضية، وحتى فى الأرضى عطلوا الخطوط الدولية. استرحنا فى بيت طنط ناهد واستعملنا خطها الأرضى لنطمئن على الأهل والأصدقاء، وكانت معظم البيوت قد نظمت أن يبقى أحد أفراد الأسرة فيها يقوم بمهمة ضابط الاتصال. أخى، المهندس علاء سويف، حين حادثته قال إن بناته يردن الانضمام إلى المسيرات فهل يمكن أن آخذهن معى؟ ستكون هذه مظاهرتهن الأولى. ضايفتنا طنط ناهد بالشاى والعصائر، وتذكرت كيف جلست معها هنا منذ سنتين أقرأ فى كتاب كانت نشرته توا وكان بحثا ميدانيا فى مشكلات المواطن المصرى؛ كانت البطالة هى دائما أول ما يذكره الناس فى المشاكل، والمشكلة الثانية هى السكن، والثالثة هى التعليم.

الرابعة مساء

أنزل لأقابل علاء، والمهندسة سهير، زوجته، وبنتيهما سلمى ومريم.

فى طريقنا بالسيارة من شارع عرابى إلى شارع جامعة الدول العربية إلى ميدان سفنكس ثم العجوزة نرى مجموعات متجهة إلى التحرير. علاء وسهير معهم كرتونات مياه ويوزعان الزجاجات على المتظاهرين. بعد شهور سينشئ أخى ــ وهو مهندس منظومات ومحب لعلوم مصر القديمة ــ سينشئ مع بعض الأصدقاء مبادرة لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية فى البلاد، ومبادرة أخرى لتكوين هيئة تشغيل وطنية، أما اليوم، فهذا هو العمل الثورى الأول الذى يقوم به هو وزوجته.

نقرر، سلمى ومريم وأنا، أن نمشى عبر كوبرى ٦ اكتوبر ثم جنوبا على الكورنيش إلى التحرير. يُنزلنا علاء من السيارة عند مطلع المشاة فى العجوزة ونركض صاعدين السلم فنجد أنفسنا فى مواجهة كردون من جنود الأمن المركزى يغلق الطريق أمامنا. كوبرى ٦ أكتوبر يعبر الجزيرة وناديها، وبنات أخى، وهما توأم، كانتا فى الطفولة بطلات جمباز. هما الآن فى الثانية والعشرين لكن شكلهما أصغر كثيرا. أمسك كل واحدة من ذراع وأمد الخطى نحو الجنود: «بعد إذنك لو سمحت. بناتى متأخرين على التمرين ــ» فينشق كردون الجنود بكل تهذيب ونَمُرّ.

أحب هؤلاء الشباب، أحبهم ولا أريد لهم أن يكونوا جنود أمن مركزى. فى الواقع أن من ضمن نشاط المقاومة الحقوقى فى بلادنا أن رفع بعض الحقوقيين قضية يطعنون فيها على استعمال الدولة للمجندين للخدمة فى الأمن المركزى، دفعوا بأن هذا الاستعمال غير دستورى لأن التجنيد تبريره حماية البلاد ضد العدوان أو الغزو، أما استعمال المجندين لحماية الحكومة من الشعب فهذا ليس دستوريا.

نصل إلى منتصف الكوبرى قبل أن نعى أنه خالٍ من السيارات، وأن الجو معتم وبه دخان، وأن الأفراد القلائل المتناثرين على الكوبرى لا يسيرون للأمام. هناك شىء من جحيم دانتى فى المشهد: أشخاص منفردون يتحركون ببطء و ــ فيما يبدو ــ بلا هدف، الدخان ينتشر ببطء، كل شىء مبطئ ومعتم.. يظهر شاب يناولنا مناديل ورقية ينثر عليها بعض الخل، يقول «حطوا ده على مناخيركم ــ نصيحة من اصحابنا فى تونس». فى فلسطين يستعملون البصل. لكننا لم نشم الغاز بعد. ألمح صديقتى لينا وزوجها، كريم. نتحرك نحو بعض. نحضن بعض ثم نقف فى صمت نرقب رجلا يضع رأسه فى كيس من الورق البنى يصل إلى كتفيه فيغطى وجهه تماما، هو على جزيرة المرور فى وسط الكوبرى، يدور حول نفسه ببطء شديد، يدور ببطء وحين يواجهنا نرى فتحتى العيون المقصوصة وعلامة الاستفهام الكبيرة الحمراء المرسومة بدءا من الجبهة ونزولا عبر الأنف لتكون نقطتها هى الفم. كان هذا أول مشهد أراه للعروض المسرحية الثورية التلقائية التى بهرتنا بها شوارع الثورة. سأدرك هذا فيما بعد، أما الآن، فى اللحظة، فقد أضاف إلى الإحساس بأننا فى حلم عجيب - أى أنه قام فعلا بدوره المسرحى الشعورى المطلوب.

خلال الضباب والعتمة تأتينا الأصوات: متتاليات من الخبط المكتوم، يتلاحق بعدها مزيد من الدخان. تقول لينا إنها مدافع. عبر المياه نرى الجموع المحتشدة على كوبرى قصر النيل وندرك أن الحدث الحقيقى هناك. بدأنا نشعر بآثار الغاز فى النَفَس لكننا نقرر، أنا وسلمى ومريم، أن نستمر فى خطتنا ونجرى المائة متر حتى منزل الكوبرى عند هيلتون رمسيس فننزل ونُكمل على الكورنيش إلى كوبرى قصر النيل.

غاز مسيل للدموع. غاز وكأنه ينتزع الجلد من وجهك. فيما بعد سنعاين العبوات وسنجد أنها تخطت تاريخ الصلاحية وسنعرف أن هذا التخطى لا يبطل أو يخفف من مفعول الغاز بل يجعله أكثر إيلاما وضررا. الآن عيوننا تغلِق ولا نقوى على فتحها. نجرى مغمضين فى اتجاه نزلة الهيلتون. أجبر نفسى على فتح عينى لحظة فأرى مريم ــ الأضعف والأدق حجما فى الأختين ــ قد توقفت فى وسط الكوبري؛ عيناها مغلقتان تنهمر منهما الدموع، ذراعاها ممدودتان إلى جانبيها وكأنما تحافظ على توازن أو تلتمس سندا، تحجل على قدم واحدة وقد ضاعت منها فردة حذاء. أراها تقول شيئا لكننى لا أسمع صوتها. نجرى أنا وسلمى عائدتين لها ونسمعها تهمس مغمضة «مش قادرة مش قادرة..»، نجد فردة الحذاء وتمسك كل واحدة مننا بأحد ذراعى مريم نسحبها ونجرى نجرى نطير على المنزَل فنرتطم بكردون جديد من جنود الأمن المركزى مهمتهم أن يمنعونا من المرور. لكننا ثلاث نساء عيوننا تنهمر منها الدموع ونسعل ونشرق ونجاهد لالتقاط النَفَس فيفسحون لنا ويستحثوننا أن «إجروا! إجروا بسرعة!» عينى فى عين واحد منهم، شاب أسمر صريح الوجه مصرى، أتوقف للحظة فيرفع صوته وسط الدخان «نعمل إيه؟ لو نقدر نقلع الزى ده كننا نيجى معاكم».

والآن والآن أين نتجه وأين نجد النَفَس؟ الكورنيش منثور بالحجارة والسيارات المحروقة والفندق مظلم مغلق البوابات. وجدنا درجا ينزل إلى النهر فهبطناه جريا وألقينا بأنفسنا فى مركب صغير: «عدى بينا على الجيزة من فضلك ونزلنا جنب كوبرى الجلاء».

ولكن: نبتعد عن الشاطئ فتخف عنا حدة السعال والشرقة، نستطيع التنفس، وإن كان النفس يؤلم، ونستطيع أن نفتح عيوننا ــ وحين تتلاقى العيون نجدها متفقة، فأقول للمراكبى أننا غيرنا رأينا: لن نعبر النهر إلى الجيزة، سنذهب إلى التحرير، ونريده أن ينزلنا تحت كوبرى قصر النيل.

•••

على جزيرة المرور الصغيرة التى تقسم الطريق عند مصب كوبرى قصر النيل إلى التحرير تدور ٣٦٠ درجة فتراك محاطا بالناس، آلاف لا تحصى، ومن الآلاف أياد تمتد لتهديك مناديل ورقية منثورة بالخل لأنفك، بيبسى لتغسل عينيك، وماء لتشربه. تعثرت فأخَذَت يدٌ بمرفقى، تسندنى. الطريق أمامنا مختفٍ وراء سحب الدخان، ومن حين لآخر نرى انبثاقا من لهب. الفنادق الكبيرة ــ السميراميس إنتركونتيننتال، وشبرد، وهيلتون رمسيس ــ أظلمت طوابقها السفلى وأوصدت أبوابها، ومن شرفات أدوارها العليا نرى أشكال ناس يرقبوننا. ولم نكن نعلم أن على الجانب الآخر من الميدان، من فوق أسطح الجامعة الأمريكية والمتحف، كان القناصة أيضا يرقبوننا. أصوات الضرب لا تتوقف، ومن حين لآخر نسمع حشرجة متقطعة. نقف، نثبت فى مواقعنا. كان هذا دورنا، نحن الذين كنا الظهيرة، نقف ونهتف «سلمية! سلمية!» وإخواننا فى المقدمة، إخواننا العُزَّل فى المقدمة، يواجهون رصاص قوات الأمن. ومن حين لآخر تتصاعد صيحة عظيمة فنعرف أن المقدمة فازت لنا بعدة أمتار من الأرض فنتقدم وراءهم خطوات ثم نقف. ترتفع أصواتنا ننشد «بلادى بلادى». فى العام الماضى ألقت السلطات القبض على شباب فى الإسكندرية يغنون «بلادى بلادى» على شاطئ البحر ورأت النيابة أن أداء النشيد الوطنى يعتبر نوعا من التحريض. اليوم، ٢٨ يناير ٢٠١١، عند ذلك التقاطع الخطير، والنيل وراءنا، ومبنى جامعة الدول العربية إلى يسارنا، والمقر القديم لوزارة الخارجية إلى يميننا، وأمامنا لا نرى سوى الغاز والدخان والنيران تحول بيننا وبين عاصمتنا، وقفنا، تمسكنا بالأرض وغنينا وهتفنا، ووضع كل منا حياته أمانة فى أيادى آلاف الرفاق الجدد من حوله.

•••

البعض منا استشهد.

•••

كثيرون منا لم يدركوا وقتها حجم ما ندخل عليه؛ حجم هذا المشروع الذى دخلت البلاد عليه. نعرف أن السويس محاصرة منذ ثلاثة أيام، وأن فيها شهداء. نعرف أن الإسكندرية قد قامت وربما مدن أخرى. كنا لا نزال نصف ما نفعله بالـ«احتجاج» ــ ونحن نحتج منذ عشر سنوات. فى العشر سنوات الماضية كنت كلما نزلت القاهرة ــ أى ثلاث أو أربع مرات فى السنة ــ أنضم إلى ليلى، والأصدقاء فى الاحتجاجات: مسيرات لمساندة الانتفاضة الفلسطينية، مسيرات لمناهضة الحرب على العراق، مظاهرات ضد تزوير الانتخابات، مظاهرات لتطهير القضاء، لرفض محاولات النظام إعادة إنتاج نفسه بتوريث السلطة لجمال مبارك، مظاهرات ضد الفساد وضد ممارسات الشرطة والأمن. وكانت الحكومة تتعامل مع كل هذا بعنف، فالسلطة تعلم أن مظاهرة ضد ما يحدث فى فلسطين أو العراق سرعان ما ستوجه غضبها إلى النظام المتواطئ فى مصر، وأن مظاهرة ضد الأوضاع فى مصر ستعد الدور الذى يلعبه النظام فى المنطقة ضمن ذنوبه.

حين نسترجع الأحداث الآن نرى كيف تطورنا: من مجموعات صغيرة تجمع الدواء للانتفاضة، إلى مجموعات ضد ضرب العراق، إلى ظهور حركة «كفاية» و«شباب من أجل التغيير» فى شوارع القاهرة، إلى إضرابات العمال فى المحلة الكبرى، إلى مرحلة بدا فيها أنه لم تتبق شريحة من شرائح المجتمع ــ من قضاة، ومحامين، وفلاحين، وأصحاب معاشات، وصحفيين، ومحصلى ضرائب ــ إلا وكانت فى حالة صراع مع السلطة. وأرى التطور أيضا فى أسرتنا، فمثلنا مثل الكثير من الأسر المصرية المهتمة بالشأن العام، نجدنا الآن فى جيلنا الثالث من النشطاء ــ وهذا الجيل الثالث، الشاب، يتمتع ببراعة، وفاعلية، و«روشنة» تفوق بكثير ما كان عندنا. منذ عام ٧٢ والحركة الوطنية تحاول ــ بمعنى ما ــ السيطرة على التحرير، والآن هذا الجيل، هؤلاء الشباب، أخذوا التحرير. هم يحاولون تغيير العالم، ونحن نتبعهم ونقسم أن نكرس ما بقى من حياتنا لدعمهم.

التعليقات