انتخابات الرئاسة فى فرنسا - جميل مطر - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 مايو 2026 10:48 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

انتخابات الرئاسة فى فرنسا

نشر فى : الإثنين 30 أبريل 2012 - 8:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 أبريل 2012 - 8:20 ص

سر نيكولاس ساركوزى الجولة الأولى فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وينتظر غالبية المحللين السياسيين فى أوروبا أن يخسر الجولة الثانية المقرر إجراؤها فى السادس من مايو ويخرج من الإليزيه. يتوقعون مشاهد وتطورات خلال الأسبوع المتبقى تسيئ أكثر إلى مكانة ساركوزى، خاصة أن الأيام الأخيرة من الجولة الأولى كشفت عن إصابته بانهيار نفسى وتصرفه بعصبية شديدة، بسبب الصعود غير المبرر، من وجهة نظره، للمرشح المنافس فى الحزب الاشتراكى المسيو فرانسوا أولاند.

 

هناك من يحاول إنصاف ساركوزى بالقول بأنه لم يكن فاشلا تماما خلال ولايته، إذ يعتقد بعض أنصاره أن ولايته تنقسم إلى فترة قدم خلالها إنجازات ويقصدون السنة الأولى من رئاسته، ثم انقلبت حظوظه بعد ذلك فكانت السنوات الأربع التالية سيئة وإن تفاوتت درجات هذا السوء.

 

نجح ساركوزى فى تحقيق هدف أو أكثر من أهدافه الإصلاحية التى وعد بها خلال حملته الانتخابية الأولى، نجح مثلا فى تخليص الجهاز الحكومى والقطاع العام من حوالى 150.000 عامل وموظف، ومنح الجامعات استقلالية مالية لمساعدتها على تطوير نظم التعليم الجامعى، ووضع قواعد لتسهيل إنشاء الشركات والتخلص من فائض العمالة ودعم ميزانية البحث والتطوير، ولا شك أن قطاعا لا بأس به فى النخبة الفرنسية يثنى على دور ساركوزى فى إعادة فرنسا إلى قيادة حلف الأطلسى وتوقيعها اتفاقية دفاعية مع بريطانيا. أما نواحى الفشل فتكاد لا تعد ولا تحصى.

 

يقول تقرير مؤسسة بحثية فرنسية تحمل اسم توماس مور إن ساركوزى يستحق 9.5 درجة من عشرين على أدائه الذى جرى تقييمه على أساس دراسة مصير 1300 اقتراح ومبادرة حاولت إدارته تنفيذها، وتؤكد تقارير عديدة أخرى أن معظم أحلام ساركوزى ووعوده الانتخابية تحطمت على صخرة أزمتين، الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة اليورو. لم يصلح النموذج الاجتماعى وكان أهم أهدافه بل يقال إن فرنسا تبدو الآن «أضعف اجتماعيا» إن صح التعبير مما كانت عليه فى عام 2007. وكان قد وعد بخفض معدلات البطالة إلى 5٪ فارتفعت عشية الانتخابات إلى 10٪، وتضاعف العجز التجارى حتى وصل إلى 70 مليار دولار فى عام 2011، وازداد الدين العام ليشكل نسبة 90٪ من مجمل الدخل القومى. بمعنى آخر خرجت فرنسا أضعف اقتصاديا مما كانت عليه قبل وصول ساركوزى إلى الحكم، ويزيد من الشعور بضعفها أن جميع التحليلات السياسية والاقتصادية، بل والاجتماعية أيضا، تعودت أن تقارن حال فرنسا بحال ألمانيا، خطورة هذه المقارنة أنها فرضت على مكانة فرنسا التراجع أوروبيا ودوليا.

 

*** 

 

قضى ساركوزى السنة الأولى يحاول تنفيذ بعض الإصلاحات التى وعد بها، ولكنه انتقل إلى مهمة إطفاء الحرائق على امتداد السنوات الأربع التالية. لم ينقل فرنسا إلى عصر جديد كما وعد، ولم يصمد أمام تحديات مسئولية قيادة أوروبا بالاشتراك مع ألمانيا فى مرحلة من أخطر مراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهى المرحلة الراهنة التى تتفاقم فيها مشكلات الاقتصاد الأوروبى وتنتشر حمى القلق بين جماهير أوروبا، وتعود لتسيطر على الأوروبيين فكرة التخلى عن المشروع الأوروبى.

 

أستطيع القول بأن فشل ساركوزى فى المشاركة الفعالة مع ألمانيا، وهى المشاركة التى وضع أساسها شارل ديجول، أعلن نهاية عهد من أهم عهود الدبلوماسية الفرنسية وربما السياسة الأوروبية، فالفشل الفرنسى ترك ألمانيا منفردة فى موقع القيادة، وهذا معناه فى القاموس السياسى الأوروبى هواجس وتوترات وخوف من هيمنة ألمانية، أو وهو الأسوأ عودة الأيديولوجيات القومية المتطرفة.

 

*** 

 

يقول ساركوزى عن منافسه أولاند إنه شخص غير مفيد. ويقول العارفون بشخصية أولاند إنه شخص يفتقر الشجاعة والصرامة والحزم، وشخصيته خفيفة الوزن كما أنه لا يتمتع داخل حزبه بصدقية كافية، أطلق عليه خصومه وبعض أعدائه اسم المسيو رويال إشارة إلى شريكة حياته السابقة سيجولين رويال أم أولاده الأربعة، التى نزلت ضده انتخابات الحزب الاشتراكى قبل خمسة أعوام لاختيار مرشح للرئاسة وانهزمت أمام نيكولاس ساركوزى.

 

يردد المحللون وخبراء السياسة الفرنسية أن أولاند ما كان ليفوز فى الجولة الأولى التى أجريت الأسبوع الماضى لولا هبوط شعبية ساركوزى إلى حدود دنيا لا سابقة لها لرئيس يسعى لولاية ثانية. لقد تعب الفرنسيون من ملاحقة سلوكيات ساركوزى المراهقة وأخبار «الشلل» المحيطة به وأصدقاء كارلا برونى الزوجة الشهيرة. ويعلق أحد كبار الكتاب الأوروبيين قائلا إن هذه الانتخابات سباق بين اثنين تنقصهما الشعبية. فاز أولاند بنسبة 28.6٪ من أصوات الناخبين مقابل 27٪ حصل عليها ساركوزى فيما حصلت مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف على 19٪ فيما اعتبر مفاجأة كالصاعقة، إذ حققت نسبة أكبر من أى نسبة حققها والدها فى انتخابات سابقة، الأمر الذى يعنى فى الواقع أن اليمين المتطرف فى فرنسا مازال يصعد حاملا معه المشاعر العنصرية ضد المهاجرين بخاصة ضد المسلمين.

 

كان متوقعا أن يلجأ ساركوزى إلى سلوك انتهازى فيرفع خلال الحملة شعارات ضد المسلمين ليسحب من مارين لوبين بعض أصوات المتطرفين اليمنيين، ولعله فضل أن يسلك هذا الطريق رغم أنه يدرك أكثر من غيره أنه محفوف بمخاطر جمة على الاستقرار السياسى فى فرنسا، وفى أوروبا بشكل عام، فالتصعيد العنصرى والدينى سيرفع درجة حرارة الأزمة الاجتماعية الناتجة عن سوء الأحوال الاقتصادية ويدفعها فى اتجاه العنف. ويؤكد الكثيرون أنه استغل إلى أقصى حد ممكن حادث اعتداء أحد الفرنسيين من أصل جزائرى على مدرسة يهودية وقتل ضباط شرطة لكسب أصوات يمينية تكره الهجرة والمهاجرين بخاصة المسلمين. أولاند من جانبه مستفيد من توجه ساركوزى ناحية اليمين المتطرف، بل إنه لم يتوقف خلال الحملة عن اتهام ساركوزى بأنه سلم نفسه وحزبه لأهواء الجبهة القومية المتطرفة، وهو الاتهام الذى قد يؤدى إلى انفضاض المعتدلين وأنصار الوسط عن حملة ساركوزى.

 

*** 

 

ينصحون أولاند بأن ينتبه أكثر إلى مظهره وتصرفاته ليبدو أمام الناخب مرشحا ناضجا يستحق منصب رئاسة الجمهورية الفرنسية. استجاب ولكن جاءت استجابته للنصيحة بطيئة. كان أول ما فعل أنه تخلى عن دراجته البخارية التى دأب على استخدامها فى جميع تنقلاته. ووعد زملاءه فى الحزب بأنه سيتغير قائلا «يجب أن أنضج، وأكشف للناس عن وجه رئاسى أكثر احتراما ووقارا». أكاد أسمع النصيحة والاستجابة تترددان فى واشنطن وبكين والقاهرة. ففى كل هذه العواصم يستعد مرشحون لانتخابات رئاسية وأصبح أمرا معتادا أن نتوقف أمام صور لمرشحين وقد تغيرت ملامح فى وجوههم وتبدل لون وتسريحة شعرهم وازدادت أجسامهم نحافة.

 

هى السياسة.. قادرة على كل شىء.

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي