الإثنين 24 سبتمبر 2018 12:37 م القاهرة القاهرة 30.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلى: الغد العربى ينتظر من يصنعه!

نشر فى : الثلاثاء 29 مايو 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 مايو 2018 - 9:35 م

تفرد لبنان، يوم الجمعة الماضى، الواقع فى 25 مايو بالاحتفال بعيد التحرير.

فيوم 25 مايو2000، ومع انبلاج الفجر، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلى التى اقتحمت لبنان مرة أولى فى العام 1972، ثم احتلت معظم أنحائه بما فيها العاصمة بيروت، مرورا بالقصر الجمهورى فى بعبدا، فى 4 يونية 1982، تنسحب متعثرة بأذيالها، على وقع ضربات المقاومة الوطنية ــ الإسلامية، التى قاتلت قتالا مجيدا مصبوغا بدماء الشهداء، حتى تمكنت من طرد العدو الإسرائيلى محررة كامل أرض الوطن الصغير والجميل: لبنان.
كانت تلك أول وأخطر هزيمة تلحق بالعدو الإسرائيلى، وتضطره إلى الانسحاب، مع صياح الديك، بينما صواريخ المقاومة وبنادق مقاتليها تطارده إلى ما بعد الحدود مع فلسطين المحتلة.

وهكذا سجلت المقاومة فى لبنان، الصغير بحجمه، القوى بإجماع اللبنانيين على إرادة المقاومة مهما بلغت التضحيات، نصرا باهرا على العدو الإسرائيلى، فبات للبنان (والعرب) عيد نصر حقيقيا تمثل بطرد «العدو الذى لا يُقهر» من أرض احتلها بالقوة، مستغلا ظروفا ملتبسة نجمت عن العجز عن مواجهة موجبات الصراع العربى ــ الإسرائيلى والانشغال عن القضية المقدسة، فلسطين، والتسليم بالتفوق الإسرائيلى وكأنه قدر لا يرد.

لم يقصر الأشقاء العرب فى إزجاء التهانى لشعب لبنان ودولته، وإن كان بعض دبلوماسيى بلاد النفط والغاز قد غمزوا، مع المجاملة، من قناة إيران افتراضا منهم أن السلاح أعظم تأثيرا من دماء الشهداء الذين استبسلوا فى مواجهة العدو الإسرائيلى حتى أجبروه على الجلاء مدحورا.

سقى الله أيام زمان: كان لكل دولة عربية يوم فرح بجلاء المستعمر أو المحتل الأجنبى عن أرضها عيد تعتبره، وكانت أناشيد العزة والفخر بالانتماء إلى أمة عريقة تغمر الشوارع بالفرح والنفوس تمتلئ بشعور القدرة على الإنجاز.
***
اليوم، يتبدى الوطن العربى وكأنه بلا أعياد وطنية ــ قومية، بغض النظر عن الاحتفالات الفولكلورية التى تُظهر النقص الفاضح فى إرادة الاستقلال وفى موجباته والتى تتبدى جلية فى ثياب العسكر كما فى أسلحتهم البرية والجوية والبحرية، بينما يجلس «الخبراء» الذين أوفدتهم «الدول الصديقة» للإشراف على «حسن سير الأمور» وإبلاغ الخصوم المحتملين أن «أمن هذه البلاد هو...مسئولية دولية»!

وها هى المجازر التى ارتكبها ويرتكبها العدو الإسرائيلى ضد شعب فلسطين فى غزة، تمر وتتكرر دوريا دون حساب أو عقاب.. ولم تعد معظم الدول العربية لتهتم ولو بإصدار بيانات الاستنكار والشجب والإدانة.. إلخ. تاركة للسلطة الفلسطينية التى لا سلطة أن تتصرف، فلا تجد أمامها إلا المؤسسات الدولية والعربية المفرغة من المضمون ومن القدرة على اتخاذ أى قرار، فتكتفى ببيانات الشجب والاستنكار، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

تنفجر أو تتفجر سوريا بحرب فيها وعليها، سرعان ما يتبدى واضحا أن لبعض الدول العربية الأكثر غنى بالنفط والغاز دورا أساسيا فيها، بذريعة مواجهة «التمدد الفارسى»، فى حين يكتسب التدخل العسكرى الروسى أبعادا استراتيجية، ويتحول إلى ذريعة لتدخل عسكرى تركى فى الشمال السورى، ثم لتدخل عسكرى أمريكى فى الشرق السورى، مع جيوب لتدخل عسكرى فرنسى تحت حماية أمريكية ــ تركية، بينما قوات مسلحة تابعة للحرس الثورى الإيرانى، معززة بقوات تابعة لـ«حزب الله» اللبنانى تقاتل إلى جانب الجيش السورى فى جبهات عدة.

وها أن الحرب فى سوريا وعليها تدخل عامها الثامن من دون أن يتبلور مشروع حل يحفظ كرامة هذا الشعب الذى كان طليعة للنضال العربى من أجل التحرر وتحقيق حلم الوحدة العربية.

أما العراق الذى يحاول جاهدا أن يتخفف من آثار حكم الطغيان. وأخطرها، قبل الاحتلال الأمريكى (الدولي) ومعه، الانقسام الخطير الذى ضرب وحدة الشعب ودمر الدولة ومؤسساتها العسكرية والإدارية، وخرب الاقتصاد، وأغرى به جيرانه من دول النفط والغاز فحاولوا أن يقاسموا الأجنبى بعض خيرات أرض الرافدين.

***

وها هو الآن يحاول النهوض من تحت الركام، مطاردا ما تبقى من فلول عصابات «داعش» التى احتلت، ذات يوم، أكثر من نصف مساحته، وكادت تدمر وحدته الوطنية مغذية العصبيات الطائفية والعرقية (سنى ــ شيعى ــ عربى – كردى، أشورى ــ كلدانى، أيزيدية وصابئة... إلخ).. وقد كان لتلك العصابات سند من بعض دول النفط والغاز، بهدف الهيمنة على أرض الرافدين التى تنافس دولتها مصر وسوريا فى عراقتها وأمجادها التاريخية.

أما اليمن فجريمة عربية موصوفة، يعرف العرب فى الجزيرة العربية وخارجها تفاصيلها الكاملة: بدأ الأمر بانقسام يمنى ــ يمنى بين الحكم والمعارضة، ثم الوصول إلى صيغة تفاهم داخلى.. ثم تحول الخلاف الداخلى إلى حرب أهلية مفتوحة.
اليمن اليوم يعيش كارثة حقيقية يلتهم أطفالها الكوليرا ويعانى شعبها عموما الجوع.

بالمقابل فإن الأزمة مجهولة الأسباب حتى إشعار آخر، بين السعودية وسائر دول الخليج (ماعدا الكويت التى تبرعت بدور الوسيط) وقطر من الجهة الأخرى تبدو حتى الساعة مستعصية على الحل.. والنتيجة المباشرة لهذه الأزمة أن الولايات المتحدة قد أقامت بل هى وسعت قاعدة العيديد فى قطر، فى حين أن تركيا التى انحازت ــ بالنكاية ــ لقطر، قد أقامت، هى الأخرى، قاعدة عسكرية فى الدوحة.

يمكن القول الآن إن القواعد العسكرية الأمريكية تملأ أرض الجزيرة والخليج وفضاءهما... تساندها بعض قوات التحالف الدولى (كما فى العراق) الذى يضم إليها بريطانيا وفرنسا وقوات رمزية من دول أخرى.

***
وإذا ما تحولنا إلى المغرب العربى نجد أن ليبيا قد غدت مزقا متناثرة، أما تونس فتعيش قلقا على مصير الثورة التى عجزت عن تجاوز النظام البورقيبى وإن كان كانت تحكم بالشخصيات التى صمدت بعمرها وظلت شاهدة على أنه بقى أقوى من الثورة الناقصة.

***
فى ذكرى تحرير لبنان من ربقة الاحتلال الإسرائيلى، فى مثل هذه الأيام من العام 2000، أردنا من هذا التوصيف الجارح للأوضاع العربية الراهنة، أن نقول إن التحرير ليس مهمة مستحيلة، ولكنه ممكن وقابل لأن يتحقق متى توافرت الإرادة.
والغد العربى ينتظر المؤهلين على صنعه بما يحفظ كرامتهم وحقهم فى مستقبل أفضل، ولو بدمائهم!

وها هو شعب فلسطين يواجه، وحيدا، أعداء حقه فى أرضه، وأعداء الغد العربى الأفضل على مدى اتساع هذا الوطن العربى الكبير!

بيد أن الأمور تنطوى على تعقيدات أكثر، هذه التعقيدات تأخذ مدى أمنيا وعسكريا فى ليبيا التى تعتبر مسرحا مفتوحا للصراع بين أطراف الأزمة الخليجية، وهو ما يرصده المراقبون من خلال مظاهر الانقسام بين الحكومة المؤقتة (مقرها البيضاء فى شرق البلاد) المدعومة من الجنرال المتقاعد خليفة حفتر والتى أعلنت تأييدها لقرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وحكومة الوفاق الوطنى المعترف بها دوليا، التى يرأسها فايز السراج وتدعمها المليشيات المسيطرة على طرابلس والغرب، وهذه الأخيرة أقرب إلى قطر وتركيا. أما موريتانيا فهى تعتبر بمثابة الحلقة الأضعف فى المنطقة المغاربية، وقد أعلنت مقاطعتها لقطر.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات