أروع وأقصر جملة - جميل مطر - بوابة الشروق
الإثنين 18 مايو 2026 2:05 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أروع وأقصر جملة

نشر فى : الأربعاء 29 أغسطس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 أغسطس 2012 - 8:00 ص

عاد كاتب أمريكى يذكرنا بظاهرة تثير الانتباه، وبخاصة انتباه أبناء جيلى الذين تعلقوا وهم صغار بأهداب كلمة كثيرا ما ناموا واستيقظوا وهم يحلمون بها. كلمة نطقوها همسا وعلنا ورددوها شعرا ونثرا وغناء وموسيقى، ويتوقون الآن لسماعها ولو لمرة واحدة بشرط أن تحمل نفس معناها ويكون لها الوقع نفسه. أما الكلمة فهى «أحبك» وأما الظاهرة فهى تلك الرسائل الإلكترونية، من تويتر إلى فيس بوك إلى الرسائل النصية، التى ينتهى أغلبها بعبارة I love you وأحيانا Luv u فقط.

 

●●●

 

شعرت من قراءتى للسطور التى كتبها الكاتب الأمريكى  jim Sallijshأنه يتألم، وإن لم يجاهر. يحكى أنه يسمع أحيانا، ولا يتنصت على مكالمات هاتفية تجريها ابنته، ابنة الرابعة عشرة. لاحظ أنها أنهت معظم مكالماتها بعبارة «أحبك» بالإنجليزية طبعا، قالتها فى نهاية مكالمة مع زميلة لها فى المدرسة يعرف بالتأكيد أنها لا تطيق رؤيتها وتتهرب من الرد على رسائلها وتتجنب الخروج معها، وقالتها فى نهاية مكالمة مع زميل لها يعرف، أيضا بالتأكيد، أنه لا تربطه بابنته أكثر من علاقة تبادل الكراسات والاشتراك فى نشر نميمة أو أخرى. وفى مرات كثيرة كانت «أحبك» هى العبارة التى ختمت بها مكالمتها مع أستاذ الأدب الإنجليزى الذى يكبرها بسنوات كثيرة وتحمل له التقدير الذى يستحقه أستاذ محترم.

 

بدأ ينتبه لمحادثات بقية أفراد العائلة وزملائه فى العمل ابتداء من رئيسه الأعلى نزولا إلى سكرتيرته الخاصة. هنا أيضا لم تختلف النهايات، الحديث فى الشئون العادية مثل محادثة زوجته مع جارتها التى انتهت بالتعبير عن حبها لها مستخدمة نفس العبارة «أحبك»، والرئيس الأعلى أنهى محادثته الهاتفية مع السيدة المساهمة فى رأس المال وعضو مجلس الإدارة بعبارة «أحبك». ومن خلال باب مكتبه المفتوح معظم الوقت سمع سكرتيرته تنهى جميع محادثاتها الرسمية والخاصة بهذه العبارة السحرية، «أحبك،» وإن استبدلتها أحيانا بعبارة أحضنك أو أقبلك.

 

●●●

 

عدت أراقب ما يحدث عندنا فقد تعودنا على أن ما يبدأ فى الغرب، بخاصة فى أمريكا، سرعان ما يصل إلينا مخترقا أفعالنا أو مؤثرا فيها، سمعت «أحبك» تتردد بين المتخاطبين باللغات الأجنبية، وقد وجد كثيرون ترجمة لائقة لها وصاروا يستخدمونها بكثرة. ولا أنكر أن الألم الذى كان واضحا بين سطور ما كتبه الكاتب الأمريكى انتقل لى خلال زياراتى التى تكررت فى الآونة الأخيرة لصفحات الرسائل الالكترونية، وخلال استماعى، ولا أقول تنصتى، على محادثات الصغار والكبار داخل الدوائر التى أتحرك فيها.

 

هذا الألم يتحول إلى صدمة حين أقارن أو أتأمل. أعرف كثيرين نشأوا فى بيوت وارفة بالحب. كانت الكلمات وكذلك النظرات المتبادلة فى أرجائها تشى بالحب، كان الحب أساس التعامل دون النطق باسمه. لا أذكر أن عبارة أحبك كانت ذائعة التداول، كنا فقط ننطق بها فى لحظات الفرح العارم والحزن الشديد، فكانت فى أحيان حافزا ذهبيا وكانت فى أحيان أخرى بلسما نادرا وناجعا.

 

«أحبك» كانت عبارة غالية عاش كثير من الناس على أمل أن يأتى يوم ينطقون بها جهرا فى وجه من يستحقها، أو همسا فى إذن من نتمنى أن يستحقها. ولكن جاء يوم نعيشه، صار الناس يستخدمونها كتحيات الصباح أو المساء واللقاء والوداع، ففقدت تميزها. ننطق بها أو نكتبها لمن نحب ولمن لا نحب، نكتبها بالحروف نفسها وننطقها بالنبرة نفسها لا نفرق بين من نحب ومن لا نحب.

 

●●●

 

يبررون استخدام عبارة «أحبك» فى نهايات أغلب الرسائل بأنه يعكس حالة الوحدة التى يشعر بها الناس هذه الأيام، وسببه، أى سبب الشعور بالوحدة، هو الإقبال الكثيف من الكثيرين على إحلال اللقاءات الالكترونية محل اللقاءات الإنسانية. الناس تتبادل الأحضان والقبلات عبر الإنترنت، وكثير من هؤلاء فقدوا متعة تبادل اللمسات والنظرات التى تسبق أو تعقب الأحضان والقبلات. لهذا السبب يشعرون بالوحدة فيعالجونها بمزيد من «الحب» اللفظى أو الخائلى.

 

●●●

 

نشرت شيرى تيركيل كتابا يعبر عنوانه عن مضمونه أحسن تعبير، العنوان هو «نشعر بالوحدة ونحن معا.. لماذا نتوقع أكثر من التكنولوجيا ونتوقع أقل من بعضنا البعض». تقول شيرى فى كتابها إن الشعور بالوحدة هو الذى يدفع بأولادنا وبناتنا إلى أن يختتموا رسائلهم الإلكترونية بعبارة «أحبك»، وهو نفسه الذى يدفع بالكثيرين والكثيرات إلى استخدام هذه العبارة فى أحاديثهم العادية، وهم لا يقصدونها حرفيا أو عاطفيا.

 

 ●●●

 

لم تعد عبارة أحبك «تعنى ما كانت تعنيه، ولا حتى ما يجب أن تعنيه. أسأنا إليها حين وضعناها حيث لا يجب أن تكون. سحبناها من الصدور ووضعناها على طرف اللسان. نسينا أنها فى زمن العاطفة كانت أقوى «جملة فى كلمة» فى قاموس العرب، جملة مفيدة من فعل وفاعل ومفعول به فى كلمة واحدة.. «أحبك».

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي