السبت 24 فبراير 2018 10:22 ص القاهرة القاهرة 17.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقامة مناظرة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية عبدالفتاح السيسي وموسى مصطفى موسى؟

الشجاعة المطلوبة فى مواجهة الإرهاب

نشر فى : الأحد 29 أكتوبر 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 29 أكتوبر 2017 - 9:35 م
دارت بذهنى وأنا أقف مع طلبتى دقيقة حزنا على ضحايا العملية الإرهابية الأخيرة على طريق 135 الواحات الخواطر التالية:

دروس تجربتنا:
الهدف الاستراتيجى لسياسة مكافحة الإرهاب فى مصر، كما أفهمها من تصريحات رئيس الدولة وممارسات أجهزة الأمن، هو السعى للاستئصال الكامل للجماعات الإرهابية والمتعاطفين معها، الأولون من خلال التصفية الجسدية إن أمكن، والآخرون من خلال السجن تحت دعاوى مختلفة. لم يتغير هذا الهدف رغم أن تجربة السنوات الثلاث الماضية قطعت باستحالة تحقيقه. ورغم أنه يمكن القول بأن الاحتجاجات الجماعية لأنصار الإخوان،، توقفت تقريبا، وأن بعض الأنشطة التخريبية التى يقوم بها أنصارهم مثل نسف أبراج الكهرباء قرب المدن الكبرى أو تفجير أدوات المواصلات قد انحسرت، إلا أن عدد الجماعات الإرهابية قد زاد، وظهرت جماعات جديدة، فبالإضافة إلى تنظيم أنصار بيت المقدس الذى أطلق على نفسه اسم ولاية الدولة الإسلامية فى سيناء، ظهر تنظيم يفترض أنه قريب من القاعدة فى الصحراء الغربية، وانتظم من يوصفون بأنهم أعضاء فى الإخوان المسلمين فيما سمى بحسم، وبعد ذلك طلائع حسم، واتسع نطاق العمليات الإرهابية وامتد من سيناء إلى الدلتا والصعيد وإلى الصحراء الغربية، وتطورت أساليب الجماعات الإرهابية من شن هجمات خاطفة على قوات الشرطة والأمن ووضع العبوات الناسفة فى طريقها إلى نصب الكمائن لهؤلاء الجنود عند تحركهم، وتنظيم تشكيلات قتالية كبيرة تحاول حتى احتلال مناطق فى سيناء وإلى إقامة معسكرات للتدريب فى الريف والصحراء، وتطورت أسلحتها من الخفيفة منها إلى الهاونات والآر بيجى مما لا عهدة لقوات الشرطة به كما ظهر فى حادث الواحات الكبير. ومع ذلك كله لم يتغير الهدف الاستراتيجى ولا أسلوب المواجهة. ما زال هذا الهدف هو الاستئصال الكامل لهذه الجماعات والمتعاطفين معها بقوة السلاح وبالسجن. ربما تستند القناعة بهذا الهدف إلى تجربة سابقة لجمال عبدالناصر مع الإخوان المسلمين، فقد نجح فى القضاء على تهديد الجماعة لحكم الضباط الأحرار باعتقالات كبيرة امتدت من قادتها إلى أعداد غفيرة من أعضائها، ومن أحكام بالإعدام طالت ستا من كبار نشطائها. ولكن تنظيم الإخوان الذى واجهه عبدالناصر يختلف عن إخوان القرن الحادى والعشرين فى أن توغله كان أقل فى أعماق المجتمع، وكانت البيئة الإقليمية فى الغرب وفى الجنوب وفى الشرق أقل ترحيبا بهم، كما أن سياسات عبدالناصر الاجتماعية والخارجية منحته من الشرعية ما شكل حصانة له فى مواجهة انتشار فكرهم وتجنيدهم مزيدا من الأعضاء وخصوصا بين الشباب. ومع ذلك فإن نجاح عبدالناصر لم يكن كاملا، فاعتقالات ومحاكمات قادة الإخوان ونشطائهم فى 1954 هى التى أفرخت فكرا أكثر تطرفا فى منتصف ستينيات القرن الماضى، وهى التى نقلت شباب الإخوان من فكر حسن الهضيبى المرشد العام الثانى للجماعة والذى كان يدعو أنصاره إلى أن يكونوا دعاة لا قضاة إلى فكر سيد قطب الذى كان ينصح المؤمنين برسالة الإسلام إلى هجرة ما كان يعتبره مجتمعات كافرة ليتطهروا من فهمها الخاطئ للإسلام ليعودوا إليها وقد امتلكوا فى رأيه الإسلام الصحيح ليحرروها بالقوة مثلما حرر الرسول محمد أهل مكة بعد سنوات الهجرة فى المدينة.

***

اختلف السياق الوطنى والإقليمى بل والدولى على عهد السيسى عما عرفه عبدالناصر، فلا سياسات السيسى الاقتصادية التى تحظى بمباركة صندوق النقد الدولى والتى يدفع ثمنها فى الوقت الحاضر أغلبية المواطنين تقترب على أى نحو من سياسات عبدالناصر «الاشتراكية» ولا الدعوة للسلام الدافئ مع إسرائيل والتناغم مع سياسات المملكة العربية السعودية يتفقان مع دعوة عبدالناصر لمقاومة الصهيونية والاستعمار والرجعية، والتى أكسبته قدرا كبيرا من الشعبية على مستوى الوطن العربى. وينجح الإخوان فى تسويق أنفسهم لدى الدول الغربية باعتبارهم من أنصار الديمقراطية والاحتكام إلى صندوق الانتخابات، ويجدون قوى إقليمية مساندة لهم فى الجنوب وفى الشرق وفى ميدان مفتوح لأنشطتهم فى الغرب الليبى بأكثر بكثير مما كان عليه حالهم وقت عبدالناصر.

وبينما كان عبدالناصر يعول على نشر فكر تقدمى لا يعادى الدين وينجح فى ذلك، يواجه السيسى صعوبات فى سعيه لصياغة خطاب دينى مستنير يخرج عن مؤسسات دينية قد تختلف مع الإخوان فى أساليب عملهم، ولكنها بكل تأكيد تتعاطف مع أفكارهم المحافظة، ولذلك لم يخرج عن هذه المؤسسات حتى الآن وعلى أرض الواقع، هذا الخطاب الجديد الذى قد يصرف الشباب أو بعضهم على الأقل عن التعاطف مع خطاب الإخوان بل والجماعات الإسلامية الأكثر تطرفا.

وهكذا فإذا كان اتباع استراتيجية الاستئصال لم يثمر حتى الآن القضاء على تهديد خطر الإرهاب الذى يرفع راية الإسلام، فهل يكون من الحكمة الاستمرار فى اتباع نفس الأسلوب فى الحاضر والمستقبل؟.

تجربة الآخرين:

تجربة الدول الأخرى التى واجهت تحدى تمرد مسلح امتد فترات من الزمن من الجزائر إلى أيرلندا وإلى كولومبيا وسان سلفادور واضحة. لم يكن من الممكن فى كل هذه الحالات القضاء على حركة مسلحة مناهضة للحكومة فقط باستخدام جميع أساليب القمع لإلحاق هزيمة عسكرية بها. طبعا الكفاءة فى استخدام السلاح من جانب الحكومة فى كل هذه الحالات من ناحية أقنعت هذه الحركات بأن كلفة المقاومة المسلحة هى أعلى بكثير من الفائدة التى تجنيها منها، كما أن استمرار العمليات الارهابية المسلحة من ناحية أخرى أقنع هذه الحكومات بأنه لايمكن تحقيق نصر عسكرى على هذه الجماعات، ومن ثم انتهت هذه المواجهات المسلحة بتسوية سياسية تضمنت بحسب الحالة حوافز للجماعات المسلحة الارهابية بالعدول عن سلوكها السابق فى مقابل العفو عمن استخدموا السلاح إذا ما سلموه، أو قبول دخول هذه الجماعات فى صلب العملية السياسية كأحزاب معترف بها، أو الاستجابة لبعض المطالب المشروعة لها بالشروع فى إصلاحات سياسية وإدارية مثلما كان الحال فى أيرلندا الشمالية. اللجوء إلى التفاوض فى بعض هذه الحالات جاء من خلال وسطاء مقبولين للأطراف التى تنازعت فى السابق، مما وفر على هذه الأطراف مهانة فقدان ماء الوجه. جاءت هذه الأطراف أحيانا من نشطاء حقوق الإنسان، أو من حكومة مقبولة لدى الطرفين، أو منظمة الأمم المتحدة.

للأسف الشديد، لسنا فى هذا الموقف بعد. حكومتنا لا يبدو أنها تخلت عن مطمحها بإلحاق هزيمة ماحقة بمن يرفعون السلاح فى وجهها وفى وجه المجتمع، والجماعات الارهابية لا تتخلى عن رغبتها فى إنهاك الحكومة بشرطتها وجيشها واقتصادها، وفى الانتقام منها لقاء ما تفعله بأنصارها. 

الدروس المؤلمة:

ولكن هل لدينا فى مصر، فى الحكومة وفى الرأى العام قناعة بأن استراتيجية استئصال خطر الإرهاب لا تنجح، وأن الاستمرار فى اتباع استراتيجية أخفقت فى الماضى لا يمكن أن تكون لها نتيجة أخرى فى المستقبل.؟ أخشى أن الإجابة هى بالسلب. ليس هناك اعتراف بقصور هذه الاستراتيجية. وليس هناك تبصر بأن بعض عناصر هذه الاستراتيجية مثل إلقاء القبض وسجن أعداد كبيرة ممن يشتبه فى تعاطفهم مع الإخوان المسلمين، أو ممن يعترضون على بعض السياسات الداخلية أو الخارجية للحكومة، وبلا محاكمة عادلة أو أى محاكمة على الإطلاق، وحتى إذا كان البعض لا يصفهم بأنهم مسجونون سياسيون، هو الذى يولد الرغبة فى الانتقام لدى من يخرجون من السجون منهم أو لدى أصدقائهم ومعارفهم أو المتعاطفين معهم، ومن ثم يصبحون هم دائما الجيش الاحتياطى للجماعات الإرهابية. كما تخشى الحكومة التى ليس لها حزب أن تخسر انتخابات نزيهة اعتمادا فقط على ما تعتبره شعبية الرئيس، ومن ثم تباعد بين مصر وتحول ديمقراطى مستحق بدعوى أننا «لسنا فى أوروبا»، وتعترض الأحزاب القائمة على إطار سياسى أوسع للخروج من الأزمة الراهنة ليقينها أنها لا تستطيع كسب الانتخابات فى مواجهة تيارات ترفع راية الإسلام.

طبعا ليس هناك مخرج سياسى بدون استخدام فعال ومشروع لقوة الدولة فى مواجهة من يخرجون على القانون، وبدون تطوير أساليب المواجهة بما يتمشى مع أساليب الجماعات التى ترفع السلاح، وبدون المساءلة الفعالة لمن يخفقون فى قيادة قوات الأمن على النحو الذى يجعلها تتعامل بفعالية مع من يتمردون على قانون عادل وشفاف يحترم حقوق الإنسان، صحيح أنه لا يمكن مع هذا كله لأى مخرج سياسى أن يلغى تماما وجود جماعات صغيرة ترفع السلاح فى مواجهة مؤسسات الدولة والمجتمع، ولكن هذا المخرج الصحيح كحد أدنى أن يقلل كثيرا من ضحايا هذا الصراع وأثره على الدولة والمجتمع. مثل هذا المخرج السياسى محتمل إذا ما توافر الاستعداد للسعى له لدى الأطراف المهمة فى هذا الصراع. وسوف يمكن لخبراء الهندسة السياسية أن يطرحوا ترتيبات دستورية وقانونية تحول دون انفراد قوة سياسية واحدة بالسيطرة على جميع مؤسسات الدولة. ولكن لم يحن بعد طرح عناصر هذه الهندسة السياسية طالما أن إرادة البحث عن مخرج سياسى ليست متوافرة فى الوقت الحاضر.

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات