أكتب هذه الكلمات قبل أن تنتهى جلسة المفاوضات بين وزراء الخارجية والرى فى مصر والسودان وإثيوبيا المنعقدة فى الخرطوم للوصول إلى حل يرضى كل الأطراف بشأن معضلة سد النهضة.
وبغض النظر عن النتيجة المحددة التى سوف تتمخض عن الاجتماعات فإن هناك مجموعة من النقاط ينبغى الوقوف عندها ونحن نناقش ملفا ليس فقط سد النهضة ولكن مجمل العلاقات مع اثيوبيا.
أولى هذه النقاط أن هذا الملف صار يتحدث ويفتى فيه كل من هب ودب، بعلم أو بغير علم، الجميع، وإذا جاز للجميع أن يتحول إلى مدير فنى كروى ويتقمص شخصية جوارديولا أو لويس انريكى فإن ذلك يصعب تطبيقه فى ملف معقد تماما مثل أزمة المياه فى حوض النيل.
ثانى هذه النقاط، وبما انه يصعب منع الناس من الحديث، فالأصح أن تحرص الحكومة المصرية على وضع مواطنيها فى صورة الأحداث أولا بأول قدر المستطاع. ليس مطلوبا منها افشاء الأسرار الدقيقة أو النقاط التى قد تثير حساسيات أو تعقد المفاوضات، بل المقصود مصارحة الناس بالنقاط العامة حتى يكونوا على بينة من الأمر، وبالتالى يتحولون إلى نقطة قوة تعين الحكومة فى المفاوضات، بدلا من تحولهم إلى نقطة ضاغطة عليها.
ثالث هذه النقاط، إننا فى هذا الملف ندفع ثمن أخطاء متراكمة منذ عام 1977 حينما قبل انور السادات، أن يدخل فى صراع بالوكالة عن أمريكا ضد اثيوبيا التى كانت متحالفة مع الاتحاد السوفييتى وقتها، ثم جاء حسنى مبارك وأدار ظهره تماما للقارة الأفريقية متجها غربا وشمالا إلى أوروبا وأمريكا.
وبالتالى فإن المشكلة التى نعانيها الآن ليس سببها المجلس العسكرى أو جماعة الإخوان أو الحكومة الحالية والرئيس السيسى، بل ربما نكون الآن قد بدأنا إلى حد ما السير فى طريق إصلاح الأخطاء السابقة والمطلوب ان يكون هناك فريق تفاوضى شامل لكفاءات فى كل الوزارات والهيئات والمؤسسات والاجهزة المعنية لنضمن انه فريق قومى بحق.
النقطة الرابعة: ان حل المشكلة لن يكون سحريا وفوريا بل سيكون طويلا ومعقدا، وأغلب الظن أننا سنصل فى النهاية إلى حل وسط يحقق الجزء الأكبر من مصالح الطرفين، بحيث يحقق لإثيوبيا توفير الطاقة ويساعد فى تنميتها ويحفظ لمصر حصتها الرئيسية من المياه.
النقطة الخامسة: أن هناك فريقا فى مصر «يده فى الميه الباردة» يدعو إلى اتخاذ إجراءات تصعيدية، من دون أن يدرك حقائق الصورة الكاملة، وبعض هؤلاء سبق لهم العمل فى هذا الملف لسنوات، وربما كانوا أحد الأسباب التى أوصلتنا إلى هذه الحالة الكارثية، ونتمنى أن تقوم الحكومة بدعوة هؤلاء إلى اجتماعات شبه دورية وتطلعهم على الحقائق، وتستمع إلى مقترحاتهم، فربما يطلعوا على التطورات، ويفيدوا الحكومة، أو «تهدأ ثورتهم الفضائية».
النقطة السادسة: علينا انطلاقا من مصلحتنا القومية أن نقنع الإثيوبيين وكل الأفارقة خصوصا دول حوض النيل أن مصالحنا معهم، وأننا لا نتعالى عليهم، بل هم أشقاء فعلا وأن يتم ترجمة ذلك فى جميع المجالات خصوصا الاقتصادية والثقافية والفنية والكروية.
النقطة السابعة: هى أن الجغرافيا حكمت علينا بأن ٨٥٪ من مياه النيل تأتى من النيل الأزرق بإثيوبيا، وبالتالى لا مفر من وجود علاقات مودة وصداقة وحسن جوار مع هذا البلد صاحب الحضارة القديمة، لن نستطيع أن نغير هذه الحقيقة، علينا فقط التعامل معها بحكمة.
النقطة الثامنة: على الذين يطالبون بالخيار العسكرى فورا لإجبار إثيوبيا على وقف بناء السد أن يهدأوا قليلا، ويفكروا فى معادلة بسيطة خلاصتها الاتى: حتى لو كان هذا الأمر قابلا للتطبيق فهو يعنى أن المفاوضات ستتوقف للأبد، وسيعطى فرصة للمتطرفين فى إثيوبيا ومن يدفعهم من الخارج لتحقيق هدفهم والأهم أنه لن يضمن لنا للاسف حقوقنا».
النقطة التاسعة: علينا البدء فورا فى اتخاذ خطوات جادة لترشيد استخدام المياه، حتى نكون جاهزين لأسوأ السيناريوهات
النقطة العاشرة والأخيرة: مع برهنتنا لإثيوبيا على نوايانا الطيبة، فمن المهم أن تصلها أيضا رسالة هادئة وواضحة وحاسمة خلاصتها أننا فى اللحظة التى سنتأكد فيها تماما انهم غير جادين ويحاولون ويتعمدون الإضرار بحصتنا من المياه، فسوف نفعل أى شىء لمنع ذلك» لانه يا روح ما بعدك روح».