الأربعاء 19 سبتمبر 2018 7:47 م القاهرة القاهرة 31.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

عن رد الاعتبار: عبدالناصر وأحفاده

نشر فى : الإثنين 30 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

ألهمت تجربته بقدر ما عبرت عن حقائق زمنها وتحديات مجتمعها، وسره الأكبر أنه كان يصدق نفسه وشعبه يصدقه.

ذات مرة قال لنجله الأكبر «خالد»، والسيارة التى تقلهما تمر على بائعة خضراوات فقرها ظاهر فى بضاعتها: «إن لم نغير حياة هذه المرأة تكون الثورة قد فشلت».

اتفق واختلف مع تجربته كما شئت وانتقدها على ما تعتقد، إلا أنه ليس أمامك غير أن تعترف أنك أمام رجل التزم بما أعلن وأعلن ما يعتقد فيه ودخل معاركه من أجل فكرة أكبر منه.

تمددت الحملات الضارية على تجربته لأربعة عقود متصلة حتى لا يخرج من مصر مرة أخرى «ناصر جديد».. وكان التصدى دفاعا عن تجربته ومشروعه مستميتا شمل أجيالا من روائيين وشعراء ومفكرين وسياسيين من جميع الاتجاهات الوطنية. كل ما له قيمة فكرا وإبداعا مسه شىء من الحنين إليه بعد رحيله.. بدت القوتان الناعمة فى إبداعاتها والكامنة فى مجتمعها حائطى صد عن تجربة انتصرت وانهزمت لكنها استقرت فى الضمير القومى العام بأحلامها الكبرى وجروحها الغائرة.

لم يفقد اعتباره يوما واحدا لكن التجربة قوضت بالكامل واستحالت إنجازاتها أطلالا.. والسؤال الرئيسى الذى يطرح نفسه بعد ما جرى فى (٣٠) يونيو: «هل نحن بصدد رد اعتبار تاريخى ليوليو ومشروعها؟».. فـ«حركة تمرد» التى تصدرت مشهد التحول الكبير وقادت التعبئة العامة تنتسب قياداتها إلى مشروعه وقائد الجيش الذى انحاز لإرادة شعبه ينتسب للمشروع ذاته.

الأهم من ذلك كله أن شعبه استدعى صورته فى زخم التحولات.. وهو استدعاء لمصر التى كانت مهيبة فى محيطها وعالمها ويتمتع مواطنوها بحقوقهم الأساسية فى الصحة والتعليم والعمل الذى هو حق وواجب وشرف.. وهناك ميل داخله شبه إجماع أن يكون الرئيس المقبل على صورة «جمال عبدالناصر» رجلا قويا يعيد للدولة هيبتها وينتصر فى الوقت نفسه للعدالة الاجتماعية.

سؤال رد الاعتبار فى سياقه مشروع وطبيعى.. لكن بعض الإجابات تتجاوز الحقائق إلى أمنياتها، فالشوط لايزال فى أوله والصراع على المستقبل قضيته أعقد مما يتبدى على السطح.

لا يصح لأحد أن يتحدث عن استنساخ تاريخ أو استعادة تجربة، فيوليو ولدتها تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاضت معاركها فى موازين قوى دولية مختلفة وتبنت نظاما سياسيا تعبويا كان هو الخيار المعتمد داخل حركات التحرير الوطنى فى العالم بأسره.. ونحن الآن أمام عالم جديد حقائقه تختلف، وما يبقى من التاريخ دروسه الأساسية وأفكاره التى الهمت.

«عبدالناصر» نفسه راجع تجربته بعد نكسة (٥) يونيو داعيا إلى «المجتمع المفتوح» وبناء «دولة المؤسسات» على ما ورد فى بيان (٣٠) مارس (١٩٦٩)، وفتح حوارا مباشرا مع قيادات الحركة الطلابية التى بدأت مقدماتها فى عام (١٩٦٨) وامتدت بلا انقطاع حتى مظاهرات الخبز فى عام (١٩٧٧).. وبعدها جرت مياه كثيرة فى الحياة السياسية وجرت معها مراجعات أوسع دمجت ما بين الديمقراطية وخياراتها وقيم العدالة الاجتماعية وضروراتها والتحرر الوطنى ومستلزماته.. وفى المراجعة تصحيح وتقدم للأمام، وهى بذاتها دليل حيوية مشروع، فالمشروعات السياسية الكبرى تتوقف عن الإلهام فى اللحظة التى تجف حيوية النقد والتجديد فيها، ومن المعضلات التى أفضت إلى نهاية مبكرة لجماعة الإخوان المسلمين فى الحكم أنها لم تراجع تجاربها على مدى (٨٥) عاما وأضفت على تاريخها قداسة ليست فيه وأنكرت الواقع حولها ولم تتعلم من دروسه مكتفية بأوهامها حول عصمة تنظيمها.

سؤال رد الاعتبار هو سؤال مستقبل وإلا فأنه يتماهى مع إجراءات إخلاء السبيل من دور النيابة العامة عند الإفراج عن متهمين ثبتت براءتهم.. والمستقبل لا يولد فجأة بلا مقدمات ولكل مستقبل تاريخ خلفه يؤشر إليه، وقد كانت هناك علامات طريق من مساجلات ومعارك تمركزت فى ثلاث محطات رئيسية أثبتت كل منها أن القضية تتجاوز شخص «عبدالناصر».

المحطة الأولى حرب أكتوبر (١٩٧٣) ما قبلها وبعدها، فقد كانت هزيمة يونيو ضربة قاصمة لتجربته ومشروعه، استشعر بعمق أنه خذل أمته التى راهنت عليه ومنحته ثقتها بلا حدود، تنحى عن السلطة غير أن شعبه أعاده إليها ومنحه تفويضا جديدا بتحرير ما جرى احتلاله وتدارك أسباب الهزيمة.

لم يكن يخلد إلى سريره طوال سنوات حرب الاستنزاف قبل أن يطمئن على عودة جنوده من عمليات عسكرية داخل سيناء، كان يحفظ أسماء الضباط ويتابع مدى تطور الكفاءات القتالية يوما بعد آخر، وكانت تلك أفضل سنوات حكمه. عند رحيله بدا الجيش المصرى قويا ومهيئا لخوض حرب التحرير وفق مقولته الشهيرة «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة».. وبحسب أدبيات القوات المسلحة المصرية فإن حرب الاستنزاف كانت «البروفة النهائية» لحرب أكتوبر. انتهت تجربة «عبدالناصر» مع أول عملية عبور يوم (٦) أكتوبر، فالجيش الذى عبر وفرض كلمته فى ميادين القتال هو جيشه الذى بناه من تحت الصفر.. ومع الاعتراف الضرورى بدور «أنور السادات» فى تحمل مسئولية قرار الحرب إلا أن نتائجها خاصمت بطولاتها، وتصاعدت الحملات بعدها ضد يوليو وما تمثله و«عبدالناصر» وما يرمز إليه محاولة تكريس فكرة الهزيمة فى الوجدان العام، كأنها قدر لا فكاك منه، ونسبتها إلى يوليو لتبرير تقويض تجربتها الاجتماعية والتنكر فى الوقت نفسه لعروبة مصر والتزاماتها الرئيسية وأن مصر أولا وأخيرا ولا شأن لنا بما يجرى فى العالم العربى التى وصلت إلى ذروتها بدعوات «حياد مصر» و«عزلة مصر».

تولدت فى الحملة عليه أزمة شرعية أخذت تتفاقم، حاول النظام الجديد أن ينسب شرعيته إلى اعتقالات مايو (١٩٧١) التى وصفت بثورة التصحيح لكنها لم تفلح، فالاعتقالات السياسية لا تولد شرعية حكم، ثم حاول تاليا أن ينتحل شرعية جديدة نسبها إلى حرب أكتوبر وانتصاراتها، لكن الحروب بذاتها، مهما كانت بطولاتها، لا تضفى شرعية على سياسات تخاصم مصالح غالبية شعبها.

المحطة الثانية تظاهرات الخبز فى يناير (١٩٧٧) التى عمت القاهرة ومحافظات عديدة أخرى احتجاجا على رفع أسعار السلع الأساسية، رفعت الملايين صوره وهتفت باسمه، وكادت تطيح بالحكم كله اعتراضا على سياسة الانفتاح الاقتصادى التى بدأت قبل نحو ثلاث سنوات ووصفها الكاتب الكبير الراحل «أحمد بهاء الدين» بـ«السداح مداح».. وكانت التظاهرات إعلانا مدويا ينسخ الحملات على يوليو وإنجازاتها الاجتماعية، وأيا ما كانت الملاحظات والانتقادات فإن تجربة يوليو فى العدالة الاجتماعية لا تضاهيها تجربة أخرى فى التاريخ المصرى كله منذ «مينا» موحد القطرين.

استقرت صورته فى الوجدان العام كـ«أبو الفقراء» وصور الوجدان العام أقوى من الحملات المنظمة. بعد تظاهرات الخبز بدا أن شرعية الحكم تقوضت وأن الهروب إلى الأمام فيه نجاة نظام، وهكذا جرى القفز فى العام نفسه إلى قاعة الكنيست الإسرائيلى.

المحطة الثالثة معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وما بعدها، فقد أديرت النتائج العسكرية لحرب أكتوبر بصورة نزعت عنها إنجازاتها، ولو أن مصر وقعت معاهدة مع إسرائيل تحت ظلال الهزيمة الفادحة فإن نصوصها ستكون يقينا أفضل مما وقعت عليه مصر بعد انتصارها العسكرى، وكانت أخطر نتائجها رهن سيناء للسلاح الإسرائيلى وخروج مصر من معادلات القوة والنفوذ فى منطقتها وانعزالها عن محيطيها العربى والأفريقى فى توقيت متزامن والالتحاق الكامل بالاستراتيجية الأمريكية والتنكر بالكامل للعالم الثالث وقضاياه. وقد ترتب على الخروج الكبير تداعيات خطيرة استدعت صورة «جمال عبدالناصر» الذى وصفه الزعيم الأفريقى «نيلسون مانديلا» بـ«زعيم زعماء أفريقيا»، وفى الاستدعاء حنين إلى رجل حمل مشروعا وعكست تجربته علو مكانة مصر فى محيطها وعالمها.

فى المحطات الثلاث تجلت قيمة تجربته ومشروعه بنقائضها.. وعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة فإن نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» بدا أقل هجوما إعلاميا على التجربة الناصرية وأكثر تشددا سياسيا فى تحطيم مقوماتها أو ما بقى لها من ركائز اجتماعية أو وطنية.. وبشكل أو آخر فإن ثورة يناير مثلت بأهدافها الرئيسية امتدادا فى عصور جديدة لما دعت إليه يوليو وتبنته، لكن هناك من انتحل خصومة مع الثورة الأم وتبنى «نظرية الستين» سنة كأن ما جرى فى مصر متصل على ذات السياسة والخيارات الاستراتيجية والاجتماعية من «عبدالناصر» إلى «السادات» و«مبارك»، وفى الكلام على عواهنه جهل فادح بالتاريخ أو حالة إنكار لأبوة يوليو ومظلتها التى امتدت وأثرت وألهمت تغييرا آخر يضيف ويصحح.

المعنى أن رد الاعتبار التاريخى ينصرف أولا إلى التاريخ الوطنى كله واتصال ثوراته الحديثة من الثورة العرابية إلى ثورة (١٩١٩) إلى ثورة يوليو إلى ثورتى يناير ويونيو.. ومن هذه الزاوية بالذات فإن رد اعتبار يوليو بالمعنى التاريخى هو فى استكمال مسار يناير ويونيو وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تكون فى الوقت نفسه دولة للعدالة الاجتماعية وتمتلك مقاديرها السياسية فى يدها وفق مصالحها لا ما يملى عليها.

فى الرهان على أحفاد «جمال عبدالناصر» رهان آخر على المستقبل ورد اعتبار مصر فيه.