السبت 25 مارس 2017 8:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

الثورة مستمرة

نشر فى : الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 9:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 9:25 ص

خرجت الناس إلى الانتخابات لأنها رأت فيها طريقا إلى الخلاص من حكم العسكر. قد نختلف مع هذه الرؤية، وقد نرى أن الانتخابات الآن إنما تُلهينا، وتُؤَجِّل مواجهة قادمة لا محالة. فليكن. واقع الأمر أن الناس خرجت إلى الانتخابات فى أعداد كبيرة، أى أن الشعب يحاول، مرة أخرى، استرداد الدولة ــ متمثلة اليوم فى عملية الانتخاب.

 

قد يعز علينا أن تكون أول انتخابات بعد ٢٥ يناير هكذا بلا فرحة؛ البعض ذهب إليها بالملابس السوداء حدادا على شهدائنا، الكل متوجس من نزاهتها وأمانتها، الكثرة الكبيرة مقتنعة أن الغرض منها إنتاج برلمان طَيِّع، ينقذ المجلس العسكرى من الورطة التى وضع نفسه فيها، فيضفى صبغة شرعية على المرحلة القادمة من حُكمِه، ويسمح بإطالة هذا الحكم، بل ويحاول ضمان استدامته عن طريق تثبيت شرعيةٍ ما له فى الدستور.

 

يعز علينا ألا تكون هذه الانتخابات مناسبة للفرحة وللاحتفال. وبكل صراحة، لو كانت البلد كلها قاطعت الانتخابات، وأرسلت للعسكر رسالة مضمونها: «يا مجلس: كذبتم علينا، وخدعتونا وخنتونا، وغدرتوا بينا، وهتكتوا أعراض أبنائنا وبناتنا، وقتلتوهم وأصبتوهم بالعاهات، وتسببتم ــ عمدا وإصرارا ــ فى استفحال حالة الانفلات الأمنى فى مصر وتدهور اقتصادها، وأظهرتم احتقاركم لهذا الشعب، وكل هذا بسبب مصالح آنية وصغيرة ــ فكل مصلحة تتضاءل حين تقاس إلى مصلحة الشعب ــ وأنتم لا تعملون لمصلحة الشعب وإلا لم تكونوا لتستبيحوا دمه، لذا لن نأتمنكم على أصواتنا، ولا على إدارة انتخاباتنا الأولى، وسنجلس فى البيوت وفى الميادين، ونضعكم أمام خيارين: إما أن تهاجمونا ــ فى ملاييننا ــ عسكريا، أو أن تسلموا السلطة ــ الآن، اليوم ــ إلى قيادة مدنية تنقذ الوطن» ــ لو كنا فعلنا لكان هذا أجمل وأثْوَر، ولكننا، متسقين مع شخصيتنا المصرية الميالة إلى الصبر والحوار، فضلنا أن نسلك طريق «خليك ورا الكداب لِحَدّ باب الدار». وباب الدار مش بعيد.

 

الهام والعاجل الآن: ألا نسمح بتصوير التحرير على أنه عدو الديمقراطية والاستقرار، ولا على تصوير الانتخابات على أنها عدوة الثورة والتغيير. علينا أن نصر على إدراك أن سياسات المجلس العسكرى تفَرِّقنا، وأن هذه الفُرقَة فرقَة زائفة: التحرير مقاومة، والانتخابات مقاومة، ولكل منهما أوانه. نحن جميعا (فيما عدا عدد بسيط نكاد نعرفه بالاسم) متحدون على رفض حكم العسكر، والإقرار بالاحتياج إلى جيش قوى يحمى حدودنا وسيادتنا، والإصرار على نظام حكم (أو إدارة) يتجه بالبلاد نحو الحرية، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

 

هذا هو المَحَك، وهذا هو المعيار: هل «س» التى تقف فى التحرير، تريد حكما مدنيا يسلك طريق الحرية، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟ وهل «ص» الذى يقف فى طابور الانتخابات يريد حكما مدنيا يسلك طريق الحرية، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟ إن كانت الإجابة بنعم، فنحن متحدون على الهدف، ومختلفون فقط على آليات الوصول إليه.

 

وآلية اليوم هى الانتخابات، فقد انصرف وجدان البلد نحو الانتخابات ــ ليس من باب الخنوع ولا الانصياع ولا حتى قبول الأمر الواقع ــ وإنما من باب المقاومة.

 

أما اعتصام التحرير فهو ذو أثر ونفوذ طالما يُعَبِّر عن وجدان البلد، وبالذات إن حمل فى زخمه، وفى الطاقة المحتشدة فيه، وفى روافده وامتداداته فى ميادين الإسكندرية والسويس والأقصر وغيرها، تهديدا ضمنيا بالاتساع والتصعيد. وهو اليوم لا يحمل هذا. بالرغم من كل الألم وكل القهر الذى نستشعره، وبرغم الدم الشاب الجديد المسكوب على أرض التحرير وشارع محمد محمود وشارع قصر العينى، وبرغم عيون مصابينا الغالية ــ الاعتصام فى التحرير اليوم ليس هو أفضل الطرق للحفاظ على «تحرير» الثورة ــ الذى رأيناه، مثلا، يوم الجمعة.

 

مررنا من هذا الطريق من قبل: حيث تمحور الميدان، فى يوليو، بكل نبل وإخلاص، حول أهالى الشهداء. ثم جاءت اللحظة التى رأى فيها الثوار والأهالى وجوب تعليق الاعتصام، وأصر قلة على استمراره، فدخل العسكر وفضوه بالقوة، وكان قد فقد الكثير من تعاطف أهل المنطقة.

 

ها نحن اليوم، مرة ثانية: كل الشواهد تدل على أن الأمن يخترق الميدان، والعسكر والداخلية يربضون على حدوده، وبعض المنوطين (أو الذين أناطوا أنفسهم) بأمن الميدان يمارسون أنواعا من القمع بل والبلطجة ضد المواطنين ــ ووسط كل هذا يعتصم الثوار بكل نبل وصدق وإخلاص وحب غَيرى تام للبلاد وولاء لأهداف الثورة وانحياز للغلابة والمهمشين، فيشكلون هدفا واضحا للسلطات وفرصة ذهبية لضرب عصفورين بحجر: يستهدفهم الأمن ويلطخهم الإعلام.

 

فى يوليو ظل الشباب يقولون: «هناك من المتشددين من يرى أن نظل فى الميدان، وعلينا أن نحافظ على وحدة الصف؛ علينا أن نبقى طالما بقى شخص غير مقتنع بالتعليق». ثم رأينا، يوم أول رمضان ــ رأينا أولئك الـ«متشددين» يرتدون سترات وخوذات الجيش ويتضاحكون مع الضباط، ورأينا الشباب الثورى يُضرَب ويُشَدّ إلى التعذيب والمحاكمات العسكرية.

 

أقول لنقلل من خسائرنا، ولنحرم النظام من حقل يجول فيه عملاؤه فيثيرون اللبس والريبة، ولنبتدع وسائل للحفاظ على اتقاد شعلة الثورة: دخل الميدان ما لا يقل عن ثمانمائة طبيب وطبيبة من المتطوعين للمستشفيات الميدانية، كما تبرع المواطنون والصيدليات بأدوية ومعدات، وتعاونت مساجد عباد الرحمن وعمر مكرم وكنيسة قصر الدوبارة فى إسعاف المصابين؛ فهل نُبقى على هيكل طبى تطوعى فى التحرير يبدأ فى ترسيخ المفهوم الثورى: «الحق فى العلاج» عن طريق الممارسة؟ تفانت مجموعة شباب «مُصِرِّين» فى إقامة «سينما التحرير» وعرض مصورات الثورة، فهل يستمرون؟ بدأ الشباب فى تعليم الأطفال المتواجدين فى التحرير ومحاولة تقديم الخدمات التى يحتاجونها، فهل نقيم مركزا تطوعيا لخدمة الطفولة فى الميدان؟ عندنا الصينية، وعندنا حديقة المجمع، وعندنا تلك المساحة الشاسعة المختبئة أمام فندق الريتز كارلتون وراء السور. لنستغل المكان، للثورة وللشعب، فنُفَعِّل الثورة ونَكونُها، ووقتها، وبدون اعتصام، سيأتى المواطنون، بعد الانتهاء من طابور الانتخابات، ليتطوعوا فى الميدان. التحرير، فى كل مدن مصر، هو بيت المصريين جميعا، ننخرط فيه، ونعمل ونبنى، ونغذى الثورة، لتكون أكثر اشتعالا وأكثر ضوءا فى لحظة التحرير القادمة ــ القادمة بلا أدنى شك.

 

التعليقات