الأربعاء 21 نوفمبر 2018 11:07 ص القاهرة القاهرة 24.8°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

«الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير حمدي قنديل «عشت مرتيـن» الحلقة «1»

حمدي قنديل في «مذكراته»: تعاونت مع جارى الشيوعي في توزيع المنشورات بمسجد السيد البدوي

الإعلامي الكبير حمدي قنديل
الإعلامي الكبير حمدي قنديل
إعداد ــ إسماعيل الأشول
نشر فى : الأحد 26 يناير 2014 - 8:49 ص | آخر تحديث : الأحد 26 يناير 2014 - 8:57 ص

من ميلاده وحتى وقتنا الراهن.. وبين حكاياته مع أهل السياسة والفن والإعلام تدور مذكرات الإعلامى الكبير الأستاذ حمدى قنديل الصادرة عن دار «الشروق» بعنوان «عشت مرتين».

قنديل الذى يقول إنه عاش مرتين لا يقصد بذلك حياة اليقظة وحياة المنام، فحياة اليقظة وحدها تكفى وتزيد، على حد تعبيره فى مقدمة مذكراته التى يوضح خلالها: عشتها طولا وعرضا، أخذا وردا، فيها الأسى والانكسار والفشل، وفيها الصمود والحلم والإنجاز، وفيها من المفاجآت والمفارقات ما يعجز عن ابتداعه عتاة المؤلفين. مضيفا فى مقدمة مذكراته: أعترف بتناقض فى شخصيتى يُقال إن ذلك هو الذى يميز مواليد برج الجوزاء، يجمع بين التفتح على الدنيا وبعض جذور محافظة، ذلك أننى أقدر المرأة وأفخر بها، لكننى أحاول أن أحميها من التلصص واللغو، لذلك لا أعتقد أن كتب المذكرات هى المكان المناسب للخوض فى حكايات النساء، وإن كان ذلك قد أصبح على ما يبدو حقا مكتسبا للقارئ. وبنبرة ساخرة يتحدث عن معرفة الرجل بالمرأة فى المقدمة ذاتها، فيقول: لو خيرت لاقتفيت أثر صديقى رجل الأعمال ممدوح عبدالغفار الذى فاجأنى منذ نحو عشرين عاما بكتابه الأول والأخير، وكان عنوانه بالإنجليزية WHAT MAN KNOW ABOUT WOMEN، أى «ما الذى يعرفه الرجال عن النساء؟» كان الكتاب ضخما وغلافه أنيقا للغاية، فى صفحته الأولى كانت المقدمة سطريْن: «هذا الكتاب ألفه رجل ذو رؤية.. وضع خلاصة تجاربه فى الحياة مع النساء وسلوكهن وأخلاقهن فى هذا الكتاب النافذ البصيرة».. وعندما بدأت أتصفح صفحاته المائتين، كانت كلها بيضاء من أول صفحة حتى آخر صفحة. ويختتم بالقول: لا أدرى فى النهاية إذا ما كان الذى يحتويه الكتاب هو الذى توقعه القارئ، وإذا ما كانت قد وصلته الرسالة التى وددت أن تصل إليه: أن يحس عندما يضع الكتاب جانبا أنه أكثر قوة ومناعة ضد غوائل الزمن، وأكثر قدرة على الحلم باليوم الجميل الآتى، أما بالنسبة لى فقد أحسست عندما انتهيت من الكتابة بكثير من الرضا؛ ذلك أننى أيقنت الآن أن الذكريات لا تعنى شيئا إلَّا لو شاركنى فيها الآخرون.

1936ـــ 1952

جذور أسرة أبى ترجع إلى بلدة كفر عليم فى ريف محافظة المنوفية، وكذلك أمى التى أتى أجدادها من أبيها (عائلة حلاوة) من البلدة نفسها، أما أجدادها من أمها (عائلة الفقى) فهم من بلدة طنبشا المجاورة، وهكذا فأنا منوفى أبا وأما، ولست أدرى ما إذا كنت قد ورثت عن المنايفة طباعهم التى يتحدث عنها الأدب الشعبى، وأشهرها البخل، ولكننى سأبادر، كما هو متوقع، إلى نفى هذه التهمة.

الثابت على أى حال أن المنايفة يقبلون على التعليم، وتقول الإحصائيات إن فى المنوفية أكبر نسبة من المتعلمين مقارنة بعدد السكان.

كان الاثنان أولاد خالة، ومع ذلك فقد تزوج أبى من أمى برضاها بالرغم من فارق السن بينهما الذى يبلغ 25 عاما، وأظن أن زواجهما كان مستقرا إلى حد كبير.

فى بيتنا فى الوايلى ولدت طفلتهما الأولى سوزان فى عام 1935 ولكنها سرعان ما ماتت، وجئت بعد ذلك بعام، وسمونى محمد حمدى.

أخى الأصغر هو عاصم قنديل، المحامى الآن، وهو آخر العنقود كما يقال، أما ماجد، اللواء المتقاعد الذى قضى عمره فى سلاح المدفعية، فقد ولد بعد ولادتى بعامين، وبعده بعامين أيضا ولدت ميرفت، وهى ربة أسرة متزوجة من لواء الأسلحة والذخيرة المتقاعد صالح صالح، وبعد عامين آخرين جاءت شقيقتى مآثر، التى عينت معيدة بقسم اللغة الإسبانية فى كلية الألسن، ثم حصلت على منحة لدراسة الدكتوراه فى إسبانيا، وهناك بدأت حياتها كمترجمة فورية حتى تقاعدت قبل سنوات، أما ميرفت التى تصغرنى بأربعة أعوام فهى تعاملنى كأمى.

أنجبت ميرفت ومآثر أولادا وبنات، أما أنا وماجد وعاصم فلم ينجب ثلاثتنا، والحمد لله أننا راضون بما قسم الله لنا.

عشنا جميعا أيام صبانا فى طنطا التى انتقل إليها والدى مدرسا للغة العربية فى مدرسة طنطا الثانوية للبنات، وكنا نسكن فى بيت من ثلاثة طوابق فى 16 شارع الفاتح، كان بيتنا مثل كثير من البيوت المصرية يعرف ربنا، ويعمر المساجد ويعمِّر فى الأرض ويعامل الناس بالحسنى.

كان أبى يسمح لى، بل يطلب منى أحيانا، قراءة جريدة المصرى، وكانت هى الجريدة الوحيدة التى يشتريها كل يوم، قرأت جريدة الاشتراكية فى بيت صديق كان والده يشتريها بانتظام، فأصبحت أبحث عنها أنا الآخر بين الحين والحين، وأظنها أثرت كثيرا فى توجيه ميولى، بل واستفزتنى إلى أبعد حد عندما قرأت فيها مقال أحمد حسين الشهير رعاياك يا مولاى.

كان المقال ممتدا على صفحتين تصدرته صورة لطفل حافى القدمين مهلهل الملابس وصور أخرى لنساء ورجال تنطق أحوالهم بالبؤس فى أزقة القاهرة وأعماق الريف، وذُيِّلَ المقال بتوقيع المخلص: أحمد حسين.

كانت دراستنا مستقرة، ولم يرسب أحدنا فى عام من الأعوام، ولا أذكر أننى رسبت فى مادة سوى مرة واحدة عندما كنت فى مدرسة طنطا الابتدائية للبنين، وعندما جاءت الشهادة بدائرة حمراء فى اللغة الإنجليزية خلع والدى حزامه وضربنى به مرة واحدة كانت هى الأولى والأخيرة، التى ضربنى فيها، أنا أو واحد من إخوتى فى حياته.

أذكر من زملائى فى مدرسة طنطا الثانوية الجديدة: جمال بدوى وعمرو موسى.. جمال أصبح فيما بعد صحفيا لامعا وكاتبا كبيرا، وكنت أعتبره واحدا من أفضل من تحدثوا على شاشة التليفزيون وهو يروى كحكاء بارع قصصا مثيرة من التاريخ.

أما الطالب الثانى الذى امتدت علاقتى به هو الآخر، فكان عمرو موسى، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية ثم مرشح الرئاسة، فكان كل من يعرفه يتوسم فيه النبوغ، وكان متفوقا طوال دراسته، وغالبا ما كنا نتنافس معا على المركزين الأول والثانى، وظل طويلا يتحدث عن هذه المعركة إلى الآخرين أينما تواجدنا معا، ويضيف ضاحكا أنه كان بالطبع الأول على الدوام، وكنت أقول إننى سلمت بأنه كان الأول منذ عين وزيرا.

وكان لى فى ذلك الوقت بطل أسطورى واحد هو لطفى فطيم. كان فى العشرينيات من عمره، وكان جارا لنا، لفت نظرى بزيارات البوليس السياسى المتكررة له، واختفائه لأيام أو شهور بعد أن يغادر منزله فى بوكس الشرطة.

كان لطفى لغزا بالنسبة لى وعدد من أقرانى، وازداد اللغز غموضا حين قال أحدنا إنه شيوعى، ولم يكن هناك بد من أن أتربص به ذات مرة، وأسأله إذا ما كان شيوعيا حقا، وما هذه الشيوعية؟ وقد أجابنى يومها بإيجاز، لكنه وعدنى أن نلتقى مرة كل أسبوع فى الحديقة المواجهة لمدرسة طنطا الثانوية القديمة فى شارع البحر ليحدثنى باستفاضة.

عندما التقينا فى الموعد المحدد نبهنى أن أكتم سر لقائنا ومكانه فازداد الأمر بالنسبة لى إثارة، وأعطانى يومها محاضرة موجزة تذكرت منها عبارتين براقتين، «العدالة الاجتماعية» و«المساواة بين البشر»، لما قلت لأبى ما سمعت قال إن ذلك كله فى الإسلام، وطلب منى أن أستعد فى عصر اليوم التالى ليصطحبنى إلى جمعية «الشبان المسلمين» سألته: الشبان أم الإخوان؟ أذكر ما قال: «لا، الإخوان شداد شوية».. ربما كان يعنى متشددين، أو يعنى أنهم ميالون إلى العنف، خاصة أن الأنباء كانت تواترت عندئذ عن مقتل النقراشى باشا، رئيس الوزراء، واللواء سليم زكى، حكمدار العاصمة، على أيديهم.

دعانى لطفى فطيم إلى بيته حيث أطلعنى على بعض المنشورات المكتوبة بخط يده، وكان أحدها قاموسا فى ألفاظ السباب، لعن فيه خاش الملك والحكومة والإنجليز جميعا، يومها طلب منى أن أعاونه فى نسخ المنشورات بخطى لأن الشرطة أصبحت تعرف خطه جيدا، وعندما تهربت طلب منى أن أعاونه فى توزيعها على الأقل، وبدت لى المهمة أكثر إثارة.

قال إنه يعرف أننى أصلى الجمعة فى مسجد قريب من البيت، ولكنه يطلب منى أن أصليها فى الأسبوع التالى فى مسجد السيد البدوى الحاشد عادة بالمصلين؛ لكى نوزع فيه منشورات معادية للملك.

ذهبت إلى منزله صباح الجمعة، حيث شحنت حزمة من المنشورات داخل سترتى، وفعل هو الآخر الشىء نفسه، وذهبنا إلى المسجد، توجه هو إلى الطابق الأرضى وطلب منى التوجه إلى الطابق العلوى، وقال: «عندما تنتهى الصلاة ويبدأ المصلون فى التسليم أقذف المنشورات من أعلى إلى صحن المسجد بعد أن يلتفت الناس بالسلام إلى جانبهم الأيمن وقبل أن يلتفتوا للتسليم إلى يسارهم، وهرول إلى أسفل تجاه الباب دون أن تجرى»، وتمت المهمة بنجاح، وكنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أرى المنشورات تتطاير مع الريح الخفيفة فى صحن المسجد كما لو كنا فى كرنفال.

كانت تعليمات لطفى أن يتحاشى كل منا أن يلتقى الآخر لأسبوع كامل، ولكننى شغلت عنه سنوات طوالا كان قد طلق خلالها النشاط السياسى وسافر إلى الخارج، ربما إلى هولندا، وعندما عاد نجح فى ميدان نشر الكتب وتوزيعها، وأصبح أستاذا لعلم النفس فى الجامعة، وقد علمت مؤخرا أنه عاش فى السعودية نحو عشر سنوات توفى بعدها فى عام 1998.

أما المغامرة الأخرى التى ما أزال أختزن تفاصيلها فكانت أيضا أيام دراستى الثانوية، حيث علمت أن هناك صحيفة محلية تصدر فى طنطا باسم جريدة الإخلاص، وكان صاحبها ورئيس تحريرها هو الأستاذ محمد عبدالسلام شتا.

ذهبت إلى الأستاذ عبدالسلام فى الجريدة، وكانت فى حارة خلف قسم أول طنطا، يومها كان الرجل رابضا خلف مكتبه، ورحب بى ببعض المبالغة، وطلب منى أن أجمع أخبارا من هنا وهناك وآتى بها إليه بعد أسبوع، لكنه حذرنى من أنه سيكون من الصعب القيام بهذا العمل إلَّا لو أعطانى بطاقة صحفية، وقال إن لديه نوعيْن من البطاقات، أحدهما «عادى» والآخر «لوكس».

اخترت اللوكس على الرغم من أن ثمنها كان أربعة جنيهات، هى كل ما كان فى حصالتى، وحصلت على ما يثبت أننى أصبحت (مراسلا صحفيا)، أذكر أننى ذهبت إلى الإسكندرية فى ذلك الصيف، وعندما كنت أدخل إلى بلاج سيدى بشر نمرة 2 الخاص، كنت أبرز الكارنيه اللوكس وأقول بصوت عالٍ: صحافة، فيسمح لى بالدخول دون أن أدفع الرسوم، وكنت أحس بزهو عظيم.

فى ذلك الوقت كان هناك جدل محتدم فى البرلمان حول ترميم اليخت الملكى (المحروسة) فى إيطاليا، وكانت الحكومة خصصت لهذا الغرض مليون جنيه، وهو الأمر الذى استفز نواب المعارضة، وخاصة المحامى الكبير مصطفى مرعى بك، والذى قدم استجوابا فى هذا الشأن وألقى خطابا ناريا قال فيه كلمته الشهيرة: «اليخت ملك فاروق وليس ملكا للدولة فلماذا تتكلف الدولة بتصليحه؟»، وقد تأثرت كثيرا بالخطاب فكتبت مقالا على خطى مرعى نفسها، وتسللت به فى المساء إلى المطبعة وقمت بدسه فى الصحيفة بعد أن خدعت (المطبعجى) فى وردية الليل.

حلت الكارثة بالإخلاص، وأغلقت الصحيفة، وألقى القبض على محمد عبدالسلام شتا فى قسم أول، ولكن سرعان ما دبر أمره، فأفرج عنه خلال ساعات.

عندما اقتربت امتحانات التوجيهية (الثانوية العامة) تبدلت الأحوال، مرض والدى مرضا شديدا اضطر معه للعلاج فى مستشفى الجمعية الخيرية فى القاهرة، أما أمى فقد أرهقها السفر بين طنطا والقاهرة، واضطربت أحوال البيت، وكنت أنا وإخوتى فى غم دائم، فأنهيت الامتحان بصعوبة، ولم أحصل سوى على 60% بالكاد.

كانت صدمة قاسية للعائلة التى كانت تتوقع لابنها المتفوق دائما أن يدخل الطب، ويلبس البالطو الأبيض وينادونه: «يا دكتور».

1952 ــ 1956

قادنى مجموعي فى الثانوية العامة إلى واحد من اختيارين؛ إما كلية العلوم وإما معهد الكيمياء الصناعية، وكان أبى يتكهن بأن للتعدين والبترول مستقبلا كبيرا فى مصر؛ ولذلك رجح كفة كلية العلوم، بل وقال: «اعمل حسابك من الآن، عندما تبدأون فى التخصص، فسوف تدرس فى قسم الجيولوجيا»، وكانت كلية العلوم المتاحة هى علوم الإسكندرية.

كانت نقلة ثقيلة فى حياتى من البيت الدافئ إلى المجهول، سافرت مع والدى إلى الإسكندرية، وكان لنا هناك أقارب يعيشون فى حى فيكتوريا، طلب والدى منهم أن يساعدونا على إيجاد مسكن لى يفضل أن يكون «مع ناس طيبين»، واهتدينا إلى عائلة يونانية، كانا زوجين فى الستينيات من عمرهما، وكانت الشقة نظيفة، فاتفقنا مع الرجل على السكن والإفطار مقابل 12 جنيها فى الشهر، واشتركت فى مطعم مجاور للكلية لتناول الغداء فيه مقابل أربعة جنيهات أخرى.

أذكر أننى اشتريت كتبا كثيرة، وكان معظمها بالإنجليزية، وكنت أستغرق فى الدراسة إلى حد أنه لم يكن يغرينى فى المدينة الكبيرة شئ سواها، ولم يكن لى بعدُ أصحاب ولا رفاق أزورهم ويزوروننى، وداهمتنى نوبات من الصداع لم أكن أعرفها من قبل، ولم يمضِ شهران حتى استولى علىّ شعور جارف أن أعيد امتحان التوجيهية وأحصل على مجموع أستعيد به كرامتى وسط أقرانى وأعيد به البهجة إلى الأسرة، وأظن أن هذا كان دافعا مهما لعودتى إلى طنطا، وأعتقد أن أبى وأمى لم يمانعا فى ذلك بل ربما كانا يحبذانه.

بدأت أجمع كتب التوجيهية مرة أخرى وأعد نفسى للامتحان، إلَّا أن نوبات الصداع كانت تتكرر بسرعة أكبر وحدة بالغة، ولم أكن أستطيع القراءة أكثر من دقائق معدودة، وظن الجميع فى بداية الأمر أننى أحتاج إلى نظارة طبية ولكن نظرى كان سليما، وهكذا صحبنى أبى إلى القاهرة حيث طفنا بأطباء فى كل التخصصات عدا أمراض النساء والأطفال.

وهكذا قفلنا عائدين إلى طنطا ونحن فى حيرة، والصداع لا يزال على حاله، وكان التفسير المنطقى الذى توصلت إليه صديقات أمى بعد أن أمضين معها يوما كاملا يبحثن فيه الأمر هو أن «الولد معمول له عمل».

وهكذا جىء برجل معمم إلى البيت، وأعدت له غرفة مظلمة وحده، خرج منها بعد ساعة ليعلن على الجميع أن الولد معمول له عمل فعلا، وأن هذا العمل مدفون فى الحقول المجاورة لمستشفى طنطا الأميرى، وأننا يجب أن نخرج فى اليوم التالى فى الفجر لنبحث عنه ونبطل مفعوله، وعندما جاء الرجل بالحنطور مع أول خيط من خيوط النهار نزلت إليه مع أبى الذى كان ممتعضا امتعاضا شديدا لتورطه فى كل هذه الرواية، لكنه حاول إخفاء شعوره، وتوقف الحنطور بنا بجانب سور المستشفى، ونزل الرجل معصوب العينين ونحن وراءه، وعندما أمسك بالسور بيده، خطا ثلاث خطوات عدَّها بحرص، ثم توقف وخلع منديله من فوق عينيه ونادى على واحد من الفلاحين الذين كانوا يعملون فى الحقل بالقرب منا: «افحت هنا يا جدع»، وإذا بخرقة ملفوفة فى قطعة من القماش القذر تظهر من باطن الأرض فيتلقفها الرجل بيده متلهفا كما لو كان قد وجد كنزا.

عاد بنا الحنطور إلى البيت، حيث طلب الرجل طشت غسيل مليئا بالماء، ونثر فيه كثيرا من الملح وهو يقرأ القرآن ويفك اللفافة بيديه، حتى ظهرت بداخلها ورقة ملفوفة بعناية فقال الرجل إنها العمل، وعندما هَمَّ بإلقاء الورقة فى الماء أطبق والدى على يده، وصمم على أن يقرأ ما فى الورقة، حاول الرجل أن يقنع والدى بأن من يلقى نظرة واحدة على العمل تعمى عيناه، ولكن والدى لم يتراجع، وقد ازداد إعجابى لحظتها به، ولم أكن أتخيل أنه يخفى وراء وجهه السمح كل هذه القوة والحزم، وبدأ والدى فى قراءة الورقة، ولم يجد مكتوبا فيها سوى آيات من القرآن فتساءل: كيف يجلب كتاب الله الضرر؟ وفوق هذا وذاك لم يجد ذكرا لاسمى فى الورقة، فطرد الرجل شر طردة، ومنذ ذلك الحين وأنا لا أصدق الدجالين أو أتعامل مع العرافين.

وعندما اشتد بى الصداع، وكانت حدته قد وصلت إلى درجة أننى لم أكن أستطيع النوم إلَّا بصعوبة، ولم تنفع المهدئات أو المنومات، فنصح عمى أبى أن أدخن سيجارة عندما أدخل سريرى، فربما دارت بى رأسى ونمت، وهكذا كانت أول سيجارة فى حياتى هى تلك التى أوقدها لى عمى بينما كان أبى واقفا إلى جواره، ولم أنم ليلتها، ولم أقلع عن التدخين منذ ذلك الحين.

فاتنى الدور الأول من امتحانات التوجيهية ولم يكن قد تبقى على الدور الثانى سوى شهرين اثنين، لكنهما كانا كافييْن مع دأبى وإصراري، ودخلت الامتحان، وأهلني مجموعي بـ 74.5% لدخول كلية طب قصر العيني، فعم الفرح الأهل والمعارف، وبدأت فى الاستعداد للرحيل إلى القاهرة.

زملائي الكبار

أذكر من زملائي في مدرسة طنطا الثانوية الجديدة: جمال بدوى وعمرو موسى.. جمال أصبح فيما بعد صحفيا لامعا وكاتبا كبيرا وكنت أعتبره واحدا من أفضل من تحدثوا على شاشة التليفزيون وهو يروى كحكاء بارع قصصا مثيرة من التاريخ.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك