«لا أحب أن ألعب دور الناصح أو الحكيم، لا أحب أن أصادر حق الناس في أن يصنعوا حكمتهم بأنفسهم، لكنني يمكن أن أشير لهم على الطريق الذي سرت فيه، ورأيت أن الخير يملأ العالم، فقط هو يحتاج إلى يدٍ تتناوله في الحقول والمصانع، في تربية البشر وتربية الحيوانات، علينا أن نستعيد قيمة الإتقان التي غابت عنا، أعرف بعض الناس الذين لا يمكنهم أن يكملوا قراءة كتاب بدأوه، لابد أن يتركوا منه المقدمة أو أحد الفصول وكأنه مرض مُلِحّ، كأنه لا يطيق أن يؤدي عملا كاملا.. أيضا مسألة الإنتماء إلى هدف أكبر وإلى أهلنا الذين خرجنا من بينهم لنرى العالم ونعرفه، ثم نرجع إليهم، وأسأل: ماذا لو عاد المثقفون إلى قراهم وأهلهم، ماذا لو اهتم الطبيب والمهندس بتعليم أهله، كيف تكون أستاذا جامعيا، مفكرا ومناضلا يحلم بتغيير العالم، بينما أبوك وأمك لايعرفان القراءة ولا الكتابة، فليزرع منا الزارعون وليصنع الصانعون، وعلى من يستطيع أن يكسو شبرا واحدا من هذه الأرض بالخضرة أن يفعل، ربما يفجر هذا المنهج روح الإبداع في الحياة عامة ومنها الفنون.

ذات مرة كتبت فصلا نثريا عن المتنبي وتوظيفه في الثقافة العربية كملخص للحكمة التي يمكن الإستشهاد بها كلما استعصى علينا التعبير عن موقف أو عن خلق، وكأن شعر المتنبي يلخص تجارب الشر، وهو يمتعنا أولا ويبهرنا، وفي الوقت نفسه نردده لنشعر بحالة وهمية من التعبير عن النفس، بينما نحن نردد كلماته هو ولا نعبر عن أنفسنا، نستشهد بشعر المتنبي حتى لا نتحمل مؤونة البحث عن العبارة الخاصة والكلمة الخاصة. قارن بين موقفنا من شاعرنا الكبير هوميروس الذي نشأت بين يدي شعره حيوات وإبداعات، ومازالت أعماله تلهم المبدعين، هوميروس لم يقف عند حدود الإستشهاد بشعره، لم تقف أمته معه عند الإستمتاع ببراعة العبارة أو إصابة الهدف من أقصر طريق كما فعلنا مع شعرائنا ومنهم المتنبي، وقد لاحظت هذا وسألت: هل العيب في المتنبي، أم في قراء المتنبي، فوجدت أننا نحن أهل المتنبي وقراؤه نملك ملاحم لاتقل في عظمتها ولا في روعتها عن الإلياذة والأوديسة لكنها ملاحم ظلت أسيرة السامر الشعبي ظلت في دائرة الإستمتاع الفلكلوري في حين تطورت ثقافتنا الحديثة بعيدا عنها، فلم تنفجر هذه الملاحم في أعمال فنية أخرى لم تتحول بإستثناءات بسيطة زخرفية غالبا إلى إلهامات في السينما ولا في الشعر ولا في القصة. إذا المسألة ليست في الموروث ولا في المقروء، المسألة في الوارث، لأن روح الإبداع هدأت تحت سطح الإستبداد السياسي والإجتماعي، الإستبداد هو الذي حرم أهلنا من الفرح بالتعدد والفرح بأنماط التحقق المختلفة، كانت هناك قوالب كل من يخرج عليها يصبح مكروها أو متهما»
مقاطع من حوار للشاعر الراحل الكبير محمد عفيفي مطر
مع الكاتب الصديق محمد القدوسي