حسن كمال يكتب: أمر عابر في نهاية اليوم - في أحضان الكتب - المعصرة - بوابة الشروق
في أحضان الكتب
حسن كمال يكتب: أمر عابر في نهاية اليوم أخر تحديث: الأربعاء 24 أبريل 2013 - 1:35 م
حسن كمال يكتب: أمر عابر في نهاية اليوم

كان الأمر خطيرا، والأعصاب متوترة، والدخان الكثيف يملأ الغرفة، وأعضاء مجلس الإدارة يتوالون في الدخول واحدا تلو الآخر، ومدير أمن المجموعة والذي كان لواءا سابقا عاصر حروبا ثلاثا قد أتى على عجل، ورئيس رابطة العمال في المجموعة يعلن أن الأمر خارج السيطرة، ومديرة مكتب العضو المنتدب تجري عشرات الإتصالات بكبار المساهمين لتتأكد إذا ما كانوا سمعوا بالأمر أم لا، والمدير المالي يجلس أمام جهاز الكومبيوتر يجري عشرات العمليات الحسابية وقد وضع سبحته الطويلة على يمينه، وكان عطية يفكر في شئ واحد.. أن ميعاد عشائه قد فات!

 

خبط رئيس مجلس الإدارة على المائدة الخشبية في غضب وهو يسأل رئيس العمال عن كيفية حدوث ذلك، فيتلعثم الرجل وهو يقول كلاما غير مترابط ، فيشير إليه الكبير ليصمت معقبا بكلمة واحدة : إنت هتروح في ستين داهية.

 

أمّن مدير الأمن على كلامه، شرح لهم أن ما حدث يعد اختراقا صارخا لقواعد الأمان والتأمين في المجموعة. أخرج من جيبه ورقة صغيرة فيها أسماء الرؤوس المفكرة التي تقف وراء إضراب العمال الشامل وإعتصامهم وكيفية تصاعد الأمور إلى أن وصلت إلى درجة حرقهم لمخازن مصنع ( 4 ) الشرقي، وتكسيرهم لمكاتب الإدارة في مصنع (1)، وبسّط الأمر كثيرا فيما يخص العامل الذي أصيب بجروح متوسطة على يد رجال الأمن. أنهى كلامه بجملة واحدة: أنا هاكلم وزير الداخلية شخصيا .. ساعة زمن وهيكونوا كلهم في المعتقل.

 

قاطعه المدير المالي غاضبا: مش عاوزين فضايح..لازم نلم الموضوع بسرعة.. الحكاية لو اتعرفت أسهم الشركة في البورصة هتقع .. يعني إحنا اللي هنروح في ستين داهية ..موقفنا المالي لا يحتمل انهيارات القيمة السوقية للسهم.

 

هز الجميع رؤوسهم في فهم أو حسرة أو غضب. غطّى العضو المنتدب وجهه بكفيه، مد يده وفتح الثلاجة الصغيرة الموجودة تحت مكتبة وأخرج زجاجات العصير، وزّعها على الجالسين من حوله، بعضهم فتحها وشرب وبعضهم تركها أمامه، نظر عطية إلى زجاجات العصير، فجرى ريقه، فكّر أن يطلب واحدة من العضو المنتدب، لكنه آثر السلامة. 

 

عطية هو ساعي المكتب، شاب ثلاثيني يعاني من سمنة مفرطة، وجهه مستدير وأبيض، يبدو عليه ما يصفه البعض بالطيبة، وما يصفه الكثيرون بالبلاهة، خطواته سريعة متقاربة قصيرة، يهتز معها كرشه وإليتاه، غالبا ما تراه يصطدم بأحد ما أو يسقط شيئا أو يتعثر في عائق خفي، على وجهه دائما قطرات عرق صغيرة، وعلى ملابسه آثار بقع العرق الكبيرة التي تظهر تحت إبطيه ممتدة حتى نهاية قفصه الصدري وأسفل عنقه، لتبدو حدود فانلته الداخلية الواسعة واضحة ومحددة تماما للجميع، مثيرة شعورا مقززا بأن رائحته كريهة، لكنها لم تكن كذلك، فقد كان يضع تحت إبطيه دائما خليطا من «الشبة» ومزيلات رائحة العرق الرخيصة، لم ينجح الخليط في وقف تدفق العرق، لكنه نجح في جعله متعادل الرائحة، ظل بقعا متجددة محرجة، عندما يحاول أن يرتدي ملابسا غامقة يترك الخليط خطوطا مقيتة من الملح، وإذا ارتدى ملابسا فاتحة، تصفر سريعا تاركة آثارا واضحة. لم يعد عطية بعد عدة سنوات يهتم بعرقه .. فأصبح واحدا من سماته

 

- انت عاوز شوية الكلاب دول يفلتوا بعملتهم ؟

 

قالها مدير الأمن بغضب... أجابه المالي في حدة وسبحته تجري بين أصابعه:

 

- وانت عاوز الشركة تخرب علشان تعلمهم الأدب ؟

 

- دول ولّعوا في مخازن الشركة ..

 

أجاب المالي في حدة : المخازن فاضية .. والتأمين هيغطي التكاليف، المهم الأسهم ماتقعش ..

 

بدا على االمدير التفكير العميق، ساد الصمت للحظات. انتهز عطية الفرصة وهو يقول : ممكن أروح اتعشى وآجي يافندم ..

 

نظر إليه الرجل في استياء. شعر عطية بالقلق ثم بالحرج عندما عاجله : إنت معندكش دم يا عطية .. إحنا في إيه ولا في إيه ؟.

 

تتابعت الصيحات مؤنبة عطية الذي بدا عليه الخجل، بدأ العضو المنتدب يضحك ساخرا وهو يقول: شوفوا العِجل  ده كمان اللي همه على بطنه .. شايف اللي إحنا فيه وبيقولك العشا!.

 

نظروا إليه باحتقار، واختلس اللواء نظرة حادة إلى المدير المالي الذي تجاهله، أما عطية فقد تراجع إلى الخلف وألصق ظهره إلى الحائط ووقف منتظرا الفرج.

 

كان يجلس في غرفته الموجودة في السكن الملحق بالمجموعة عندما جاءه أحد أفراد الأمن يجري ليخبره أن العضو المنتدب في المكتب  ويطلبه فورا لأن هناك مصيبة. ظن عطية أنه طرف في المصيبة، كان قد أنهى استعداداته للعشاء وأعد كيس الفول، وقطع لقمة من الرغيف لكنه لم يجد وقتا كافيا ليضعها في فمه، انطلق يجري مهتزا كطبق المهلبية نحو مكتب الإدارة، هناك اكتشف أنه ليس طرفا في أي شيئ، إضراب للعمال وحريق في المخازن، لكن المدير طلبه لكي يحقق طلبات السادة، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع على هذا المستوى بدون ساعٍ، وعطية معروف لدى الجميع أنه لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، لذلك هو الوحيد الذي يسمح له بالتواجد في الاجتماعات عموما وفي مثل هذا الإجتماع بالتحديد، أما عن المدير وأعضاء مجلس الإدارة فيرون أنه لا يفهم، لذلك وقع عليه الإختيار.

 

- أنا عندي الحل ..

 

التفتت إليه كل العيون في ترقب، كان هذا هو أول ما ينطق به منذ وصوله، فهو حتى لم يلق السلام، بل دخل مرتديا سترته السوداء التي يلمع عليها شعار الحزب الذهبي الصغير، جلس يراقب ويبتسم ساخرا من آن لآخر، الكل ينتظره ويعرف جيدا أنه ثعلب المجلس، وأن رأسه تساوي عشرات السنين التي قضاها في السياسة القذرة؛ لذلك أنصتوا له جميعا :

 

- رجالتنا ممكن يدخلوا في النص ..وتقلب خناقة ..والعيال ديه تاخد علقة ..وبعدين الشرطة تيجي تفض .. بس هيكونوا اتعلموا الأدب.

 

بدا على العضو المنتدب إعجابه بما قيل، إلا أن المدير المالي مرة أخرى أبدى مخاوفه من أن الأمر سيؤثر ايضا على أسعار التداول، ربما ليس بنفس القوة لكنه سيؤثر.

 

أشاح صاحب الفكرة بيده غاضبا وهو يقول : خلاص ..خليكوا كده للصبح ..

 

دق قلب عطية في عنف عندما سمع هذه الجملة الأخيرة، تساءل هل يمكن أن تستمر هذه الجلسة حتى الصباح، وهل سيتحمل جوعه أم سيثور في لحظة ويغادر ليأكل، وهل إذا غادر سيعود مرة أخرى أم سيكون ذلك إلى الأبد، أدرك أنه لابد أن يصبر؛ فجوع ساعة ولا جوع بقية العمر.

 

تجدد الأمل  فجأة عندما سأل المالي وهو يزيد من سرعة حركة حبات السبحة في يده : هما عاوزين إيه ؟. 

 

تلاقت العيون في حيرة، اكتشفوا بعد لحظات أن لا أحد يعرف ما يريدونه، ولا لماذا تجمعوا أمام المصنع، ربما يتحدثون عن المرتب أو عن ساعات العمل، لكن السكرتيرة قالت في عصبية :

 

- تلاقيهم هما نفسهم مش عارفين هما عاوزين إيه.

 

 

ضحك الجميع في توتر، وقال صاحب السبحة في هدوء :

 

- طيب ما نديهم كراتين زي بتاعة رمضان ونروحهم ونتكل على الله.

 

هز السياسي رأسه :

 

- الرؤوس الكبيرة مش هتهمد غير لو خدت المفيد ..

 

صمت قليلا ثم سأل في خبث:

 

- هو إحنا لسه عندنا أوض في سكن العمال ؟

 

بعد نصف ساعة تقريبا كانت العربات المحملة بالكراتين المضادة للإضراب تقف على بعد نصف كيلو من المصنع، كراتين كبيرة محتوياتها مكتوبة بدقة في ورقة المالي الذي حدد محتوياتها من واقع خبرته في لجان الزكاة التي يديرها في منطقته؛ علبتان سمن بلدي، كيس أرز كبير، زيت، فول، صلصة ..إلخ ..إلخ، وقوفها بعيدا كانت فكرة السياسي من خبرته في الإنتخابات، من يأخذ يجب أن يغادر، لن يعود أحد إلى مكان الإضراب وهو يحمل كرتونة وزنها عشرة كيلو جرامات، ولن يتركوها خوفا عليها من باقي الزملاء في القضية، في الوقت نفسه كان الخمسة الكبار يتفاوضون مع العضو المنتدب على تخصيص شقق صغيرة لهم في إسكان العمال، مع السماح لهم بتأجيرها لحسابهم طوال سنوات عملهم في المصنع، ورجال مجهولو المصدر نزلوا خلسة وهم يرتدون ملابس العمال لضرب من لم يذهبوا خلف الكراتين والذين لم يتجاوز عددهم العشرات، وحريق المخزن يطفأ على مهل بسيارة مطافيء واحدة، ومدير الأمن يدلي بتصريح لصحفي من أقاربه عن حريق محدود في واحد من مخازن المجموعة تمت السيطرة عليه، وعطية ممدد على السرير في العيادة في انتظار وصول الطبيب بعد أن خر مغشيا عليه فجأة فحمله رؤساء إضراب العمال إلى الغرفة المجاورة بناء على أمر رئيس مجلس الإدارة.

 

 في أول جلسة تالية سأل العضو المنتدب عن الأخبار، عرف أن العمال هدءوا تماما بعد أن أصبحت الكرتونة تصرف بمعدل شهري ثابت بدون أي تكلفة إضافية، لم يلحظوا أو لم يسألوا عن سبب فصل ربعهم بأسباب مختلفة  على التوالي، فالأمر أعطى فائضا لا بأس به صب بعضه في جيوبهم. أسعدهم أيضا أن أقدم عامل من الخمسة الكبار أصبح يحضر الإجتماعات الطارئة بعد أن أصبح هو رئيس الرابطة بالتعيين ولم يعترض عليه أحد لتاريخه الثوري في المصنع. وسعد الساعي الجديد يجيب على كل إشارات المدير رغم أنه يناديه عطية بحكم العادة، لم يلحظ اختفاءه المفاجيء إلا عندما سأله عليه مدير الأمن في شك، أمسك بهاتفه واتصل بالطبيب الذي أجابه في عجل :

 

- عطية الساعي؟ أنت لسه فاكر .. ده مات يا فندم ... مات من الجوع .. كان بياخد جرعة إنسولين كبيرة .. وخدها يومها من غير أكل ..دخل في غيبوبة .. واتكل على الله بعد أربعة أيام.

 

أغلق المدير هاتفه وهو يحوقل، حكى القصة للجالسين فترحموا عليه جميعا، توالت القصص عن الموت المفاجيء، أبدى رئيس العمال الجديد حزنه الشديد لأنه كان يعرفه جيدا، أصدر المدير أمرا بإرسال ألفي جنيه لأهل عطية على سبيل الشاركة في المصيبة، أخبرته السكرتيرة أن عطية «مقطوع من شجرة «، هز الرجل رأسه في حزن وهو يأمرها بأن تتصدق على روحه بمائتي جنيه، لم يسمعه أحد من الجالسين، فقد كان المالي يتابع حركة الأسهم على جهازه، ومدير الأمن يقرأ التقرير الذي جاءه بالأمس، ورئيس العمال يفكر في قائمة الطلبات التي أخذها من العمال منذ أسبوع، والسياسي يفكر في اجتماع الحزب اليوم، وسعد يقف في الركن مترددا في إعلان أنه جائع.

 

(هذه القصة مهداة لقراء المعصرة وقد اخترتها من مجموعة قصصية رائعة ومتميزة وممتعة للكاتب حسن كمال أحد أجمل من يكتبون القصة القصيرة في مصر الآن، صدرت عن دار الشروق بعنوان (وكان فرعون طيبا)، أنصحكم ألا تفوتوا قراءتها).