ميدان صلاح جاهين .. التحرير سابقا! - في أوروبا والدول المتخلفة - المعصرة - بوابة الشروق
في أوروبا والدول المتخلفة
ميدان صلاح جاهين .. التحرير سابقا! أخر تحديث: الأربعاء 17 أبريل 2013 - 1:07 م
ميدان صلاح جاهين .. التحرير سابقا!

أرجوك لا تبتئس. حتماً ولزماً سيأتي اليوم الذي تدرك فيه بلادنا المنكوبة أن العلماء والأدباء والفنانين أهم وأجدى وأبدى وأجدع مليون مرة من السياسيين والحكام والقادة، وعندها سنرفع أسماءهم عالية خفاقة على الميادين والشوارع والمدارس ومحطات المترو والمنشآت العامة مرفقة بصورهم ونبذات عن حياتهم وأجزاء مختارة من أعمالهم لتذكير الأجيال الجديدة بهم وتخليدهم في الوجدان، وسنحذف أسماء الساسة والزعماء التي تنتشر كالوباء في كل أرجاء بلادنا، ليظل مكانهم الوحيد كتب التاريخ التي تدرس عهودهم وتقوم بتقييم حسناتهم وسيئاتهم وتحكي قصصهم لمن أراد إليها سبيلا.

 

إذا بدا لك ذلك شطحة خيالية، فلك أن تعلم أن روسيا بدأت بفعل ذلك، ففي موسكو تم إفتتاح محطة مترو تحمل إسم الروائي الروسي الأعظم ديستوفسكي صاحب الجريمة والعقاب والإخوة كرامازوف والشياطين والأبله وغيرها من الأعمال الروائية العظيمة التي ترجمها إلى العربية المترجم السوري الكبير سامي الدروبي رحمه الله، وتكرمت الهيئة المصرية العامة للكتاب بإصدار طبعة خاصة من أعماله الكاملة تميزت بأسعارها الرخيصة وأخطائها المطبعية الوفيرة التي تجعلك تفضل شراء النسخة الغالية فورا. محطة المترو لم تحمل إسم ديستوفسكي فقط، بل حملت على حوائطها لوحات فنية بديعة تصور مشاهد شهيرة مأخوذة من أهم رواياته، الغريب أن تلك اللوحات تعرضت للإنتقاد من البعض، لأنها رُسِمت بألوان كئيبة فضلا عن أن المشاهد المختارة حسب رأي المنتقدين يمكن أن تشجع أكثر على الإنتحار الذي تعاني منه موسكو، حيث إنتحر في عام واحد فقط 80 شخصا رموا أنفسهم أمام قطارات المترو، صحيفة الديلي تليجراف البريطانية سألت الرسام إيفان نيكولايف الذي رسم اللوحات لماذا اختار من بين روايات ديستوفسكي لوحات كئيبة يصور أحدها مشهدا من رواية الجريمة والعقاب حيث يقتل بطلها راسكلنيكوف سيدة عجوزا، بينما تصور لوحة أخرى بطلا من أبطال رواية الشيطان مهووسا بالإنتحار يمسك بمسدس «بيستول» ويشرع في قتل نفسه، فرد بهدوء شديد «وما الذي كنتم تتوقعونه مني، ديستوفسكي ليس لديه في رواياته مشاهد رقص». قلت لنفسي: حقا لا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب، فلو رأى المنتقدون الروس جدران محطات مترو الأنفاق المليئة بالقبح والكآبة لدينا لحمدوا الله على نعمته.

 

على أي حال إذا رأيت أن حلمي بتغير أسماء محطات المترو الرئيسية لدينا لتحمل أسماء نجيب محفوظ وصلاح جاهين وأم كلثوم ومصطفى مشرفة ومحمد عبده وأحمد زويل ونجيب الريحاني وكبار علماءنا وأدباءنا وفنانينا هو حلم دونه خرط القتاد، دعني أقل لك أنه في نفس الأسبوع الذي افتتحت فيه محطة دستويفسكي في موسكو كانت جورجيا تشهد إختفاء تمثال الطاغية السوفيتي جوزيف ستالين من أكبر ميادين مدينة مسقط رأسه جوري، كان التمثال البرونزي الضخم الذي يبلغ طوله عشرون قدما قد أقيم في عام 1952 قبل سنة من وفاة ستالين، وظل صامدا حتى خلال الأيام التي شهدت محاكمة الفترة الستالينية في عهد خروشوف، وحتى بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وإستقلال جورجيا وتحولها إلى عدو لروسيا التي لم تعد ستالينية، ثم جاء اليوم الذي يتم إزالته من الميدان غير مأسوف عليه. وصدقني نحن أيضا طال الزمان أو قصر سيأتي يوم علينا تختفي فيه من أنظارنا أسماء الحكام الذين جابوا لنا الكافية والفقر والتخلف والتطرف والإستبداد، وسيرزقنا الله بوزير ثقافة لا ينشغل بإدخال المثقفين إلى الحظيرة، ولا ببعث كشوفات للكشف عليهم في إتحاد الكتاب، وبدلا من أن يساعد بإهماله الحرامية على سرقة الفن التشكيلي من المتاحف، سينشغل بإخراج الفن إلى الناس على جدران محطات المترو والمدارس والميادين في لوحات مبهجة تصور على سبيل المثال لا الحصر حرافيش نجيب محفوظ وأبطال الليلة الكبيرة وحراجي القط ويامنة وأحمد سماعين ونساء محمود سعيد ورجال يوسف إدريس وصعاليك خيري شلبي.صدقني سيحدث ذلك يوما ما، فربنا كريم، ومصر تستاهل.

 

(نشرت هذا الكلام قبل 3 أعوام في صحيفة المصري اليوم.. وقد تحقق بعض ما كنت أرجوه، ولا يزال الحلم مستمرا ولاتزال خيبة الأمل مستمرة كذلك).