صدر حديثًا كتاب «سلسلة الأفكار: أصول عصرنا الاستبدادي» للمؤرخ الأمريكي إبرام إكس كيندي، وهو يدور حول فكرة مفادها أن المأزق السياسي الراهن في دول الغرب يمكن إرجاعه إلى فكرة محورية معينة وُلدت قبل نحو ثلاثين عامًا في جنوب فرنسا؛ حين توقف الروائي الفرنسي رونو كامو عام 1996 عن ترميم قلعته العائدة إلى القرن الرابع عشر في بلدة بليو لكي يؤلف كتاب رحلات - بتكليف من الحكومة الفرنسية - عن إقليم إيرو المطل على البحر المتوسط، وقد أصيب "كامو" بصدمة حين وجد القرى التاريخية المحصّنة وقد سكنها مهاجرون من شمال أفريقيا قدموا بحثًا عن فرص اقتصادية ومعيشية أفضل.
وذكر "كامو" آنذاك أن مشاهدته لوجوه سمراء تطل من نوافذ ومداخل مساكن أوروبية عتيقة أوحت له بأن فرنسا كانت وكأنها تستبدل شعبها، وكشف المؤلف أن "كامو" نشر عام 2011 بيانًا بعنوان "الاستبدال العظيم" عرض فيه تصوّره القائل إن النخب الليبرالية تتآمر لاستبدال الأوروبيين البيض بمهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط.
وأكد المؤلف أن ما يُعرف بـ "نظرية الاستبدال العظيم" غدا منذ ذلك الحين أكثر النظريات السياسية هيمنة حتى عصرنا الحالي، ولفت المؤلف — وهو صاحب مؤلفات بارزة تناولت التعصّب والتمييز العرقي في الولايات المتحدة، منها «كيف تكون مناهضًا للعنصرية» وكتاب «موسوم منذ البداية» الحائز على الجائزة الوطنية للكتاب — إلى أن "كامو" لم يأتِ بجديد من حيث الجوهر، بل منح اسمًا حديثًا لنظرية مؤامرة قديمة غذّت أجيالًا من القوميين العِرقيين.
كما تناول المؤلف عبر صفحات كتابه الجديد - الذي وصفه بـ "المشروع الطموح" الذي يسعى إلى تقديم تأريخ عالمي للحاضر - حقبة حكم الملك البلجيكي ليوبولد الثاني في الكونغو البلجيكية مطلع القرن العشرين، و قسّم العمل إلى عشرة أقسام، يتناول كل قسم صعود زعيم يميني بعينه — أو ما كما أسماهم "ساسة الاستبدال العظيم" — مثل: مارين لوبان في فرنسا، وفيكتور أوربان في المجر، وأليس فايدل في ألمانيا، وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، وغيرهم، مع التركيز على أساليبهم في إعادة تقديم الأفكار الفاشية القديمة في صيغ معاصرة.
وقدم الكتاب، بوصفه سلسلة من السرديات المكثفة عن الحركات اليمينية في القرن الحادي والعشرين، مادة نافعة للقراء؛ فقد جمع المؤلف قدرًا كبيرًا من التفاصيل من مصادر بالفرنسية والإسبانية والهولندية، وجاء أسلوبه واضحًا ومتدرّجًا بما يحافظ على اهتمام القارئ، نقلًا عن جريدة "النيويورك تايمز".
غير أن المؤلف مال إلى اختزال الأفكار الكبرى في تصنيفات مبسّطة؛ ففي كتابه «موسوم منذ البداية» قسّم كل شخص أو فكرة عنصرية في التاريخ الأمريكي إلى فئتين: إما انعزالي وإما استيعابي، وبالمثل، قسّم السياسات العامة في «كيف تكون مناهضًا للعنصرية» إلى "عنصرية" أو "مناهِضة للعنصرية"، من دون الاعتراف بوجود سياسات محايدة.
وكشف هذا الكتاب عن إفراط هذا الميل التصنيفي؛ إذ يحدّد المؤلف في كل قسم واحدة من الأفكار العشر المترابطة التي تشكّل، مجتمعة، الأساس النظري لقوة وانتشار "نظرية الاستبدال العظيم". غير أن الصلة بين بعض الأفكار والسياسيين المرتبطين بها تبدو اعتباطية؛ إذ لا يتّضح، على سبيل المثال، سبب تقديم خوسيه أنطونيو كاست بوصفه المثال الأبرز على فكرة أن العنصرية تحيّز بيولوجي وتمييز بين الأفراد.
وبيّن المؤلف أن عنوان الكتاب مستلهم من الفقيه الفرنسي في عصر التنوير جوزيف ميشيل أنطوان سيرفان، الذي نصح الملك لويس الخامس عشر عام 1767 بأن الأفكار قد تكون قيودًا أشد إحكامًا من السلاسل الحديدية. وانطلق المؤلف من هذا التصوّر ليؤكد أن "نظرية الاستبدال العظيم" تمثّل اليوم قيودًا فكرية تُقنع الطبقات البيضاء المحافظة بقبول هيمنة النخب الثرية بدل السعي إلى تحرّر تضامني أشمل.
وقد تناول الماركسيون سابقًا تلك الفكرة بمفهوم "الوعي الزائف"، غير أن المؤلف - بخلافهم - منح الأفكار ذاتها دورًا حاسمًا في تقييد المجتمعات، واستدل المؤلف بواقعة المتطرّف النرويجي أندرس بريفيك الذي نفّذ هجومين إرهابيين في النرويج عام 2011 أسفرا عن مقتل 77 شخصًا ليؤكد أن النظريات السياسية قد تحوّل البشر إلى قتلة سياسيين.
واستعرض المؤلف جملة من المقترحات لمواجهة الأزمة، من بينها حظر السياسيين المرتبطين بتلك النظرية عند خرق القانون، وإقصاء نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية من المنصّات الرقمية، وإرساء تعليم مدني ومناهض للعنصرية ومتعدد الثقافات بصورة منهجية.
وأقر المؤلف بأن انعدام الأمان الاقتصادي يزيد قابلية الأفراد للانجذاب إلى الشعبوية اليمينية، مؤكدًا أن تحسين الظروف المعيشية يحدّ من جاذبية تلك النظرية، وأن التفكير لا ينفصل عن شروط الحياة. .
وفي الختام، فقد قدم الكتاب - الذي تربّع على قوائم أمازون لأفضل الكتب مبيعًا الأسبوع الماضي - قراءة موسّعة لتطور الأفكار اليمينية المتطرفة وتأثيرها على المجتمعات المعاصرة، وقدّم المؤلف تحليلاً دقيقًا ومفصّلًا للتاريخ السياسي والأيديولوجي من منظور نقدي، كما ناقش أيضًا تحديات مواجهة هذه الأفكار في الواقع المعاصر، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ورغم بعض الانتقادات على أسلوب التصنيف المفرط واللغة البلاغية المكثفة، يظل الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم صعود خطاب الخوف والتطرف في مختلف دول العالم، ويشجع القارئ على التأمل في العلاقة بين الأفكار السياسية والسلطة، وبين الأفراد والمجتمع، بهدف البحث عن سبل تعزيز وعي نقدي ومواطنة أكثر مسؤولية.