الأربعاء 15 أغسطس 2018 3:04 ص القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

مسجد الروضة

نشر فى : الجمعة 1 ديسمبر 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الجمعة 1 ديسمبر 2017 - 9:20 م

الجمعة 25 نوفمبر2017 يصعد الإمام إلى منبره ليقيم الصلاة وإذا به يُفاجأ والمصلون المتأهبون للتواصل مع الله بوابل من الرصاص خلفت مذبحة لأكثر من 350 شخصا بين طفل ورجل و120 جريحا، هذا الحدث الجلل وغير المسبوق فى تاريخ مصر منذ عصر الفراعنة العظماء يثير لدينا الكثير من الأسئلة نبدؤها بالسؤال: «من أين جاء هؤلاء القتلة؟» والإجابة الواضحة لأى إنسان يفكر أنهم جاءوا من الداخل أى من سيناء ذاتها، إذن أين كانوا مختفين يمارسون حياتهم اليومية؟ وهنا اقتراح بإجابتين؛ الأولى: أنهم يعيشون وسط الناس، والناس الذين يعيشون بينهم يعرفونهم جيدا ويقبضون أموالا طائلة منهم، فضلا عن رفضهم لسياسة الدولة وخطابها الدينى، وكذلك بسبب صعوبة تعامل الدولة وقسوتها معهم، فضلا عن مصاعب الحياة المتاحة، وبالطبع يتبنون خطابا دينيا متطرفا، ويحلمون بأن يحكمهم شرع الله أى حكم الدولة الإسلامية (داعش)، والجواب الثانى: أن هؤلاء المتطرفين الذين يعيشون وسطهم يرهبونهم بالسلاح إذا بلغ أحدهم الدولة عن أماكنهم، وقد قتلوا رئيس قبيلة شيخا صوفيا فى قلب سيناء، وتم تصويره عالميا ونشرت صوره على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعى وأن هذه الصورة خرجت من سيناء، وهناك احتمال ثالث أن هناك اختراقا لأجهزة الدولة فمنهم من يعرف أماكنهم لكنهم لا يبوحون به إما بسبب إغراء المال وإما بسبب الخوف والرعب من انتقامهم.

***

أما الغريب فى الأمر أن الفقهاء الرسميين الذين يمثلون الدولة ويتحدثون عن تجديد الخطاب الدينى فيعلنون أن هؤلاء المتطرفين ليست لهم مرجعية إسلامية فيما يفعلون؛ لذلك يعتبرونهم غير مسلمين، وكنت أظن ذلك لكن عندما بدأت الدراسة لدرجة الدكتوراه فى النصف الثانى من الثمانينيات فى مقارنة الأديان اخترت أن يكون موضوع رسالتى هو «الجماعات الإسلامية المتطرفة.. أصولها ومرجعيتها»، واكتشفت بمجرد الدراسة المبدئية أن هناك منظومة فقهية متكاملة تؤصل وتنَظِر لتطرف هذه الجماعات منذ البداية، حيث دُعوا بالخوارج عندما خرجوا عَلَى علِى بن أبى طالب عندما تجاوب مع دعوة معاوية بن أبى سفيان بتحكيم القرآن بينهما، وقد جعل معاوية جنوده يرفعون القرآن على أسنة الرماح وهو ما دعاه المؤرخون بالفتنة الكبرى والواقع أن أى دراسة بسيطة فى تاريخ هذه الجماعات يتبين لنا من خلالها أن لهم مراجع فقهية عدة بداية من ابن تيمية وابن الجوزية، هذا فضلا عن قصص كثيرة موثقة قديمة وحديثة، إذن هؤلاء يعتمدون على خطاب دينى يقدمه فقهاء معاصرون يعتمدون على فقهاء تاريخيين، هنا لابد أن يكون لنا موقف مع الخطاب الدينى المعاصر فالمشكلة بالطبع ليست فى الخطاب فالخطاب عَرَضٌ لمرض والمرض هو الفكر لأن الخطاب يعبر عن فكر والفكر مبنى على نص، والنص أسىء تفسيره من الفقهاء التاريخيين والمعاصرين، فلم يأخذ فى الاعتبار أسباب النزول ولا الخلفية التاريخية أى الأحداث التى وقعت وتم تفسير النصوص على ضوئها مثل غزو المغول للعراق فى أيام ابن تيمية، ولا الأحداث والوقائع التاريخية التى أفرزت حسن البنا أيام الملكية وتأثره بالحركة الوهابية فى السعودية مع وجود الاستعمار، وكذلك سيد قطب ذلك الذى عُذب عذابا شديدا وغير إنسانى فى سجون عبدالناصر وجلادها المعروف حمزة البسيونى الذى قام بتعذيب الإخوان من ناحية والمثقفين المعارضين لناصر من الناحية الأخرى، لذلك خرج لنا كتاب معالم فى الطريق لسيد قطب، أما الموقف من الصوفيين فقد أسس له حسن البنا وهو يصف مبادئ حركه الإخوان المسلمين بأن حركة الإخوان هى حركة أفندية فهم يتعاطون الدين ولهم خطابهم الدينى الذى يهدون من خلاله الناس إلى الله والإسلام لكن يتميزون بأن ليس لهم زى خاص كرجال الأزهر مثلا فهم يرفضون العمامة والجلباب الذى يميز رجال الأزهر، وفى نفس الوقت هم أفندية بمعنى أنهم ضد فكرة وجود رجال دين من ناحية وضد الحركة الصوفية من الناحية الأخرى؛ فالصوفيون يتبنون مسيرة روحية نحو الله يتخلون فيها عن مباهج العالم وامتيازاته وإغراءاته ويلبسون الثياب الخشنة ويذوبون فى حب الله، من هنا جاء رفض الصوفية والصوفيون.

***

والذى نحتاج إليه اليوم من الذين يتبنون الخطاب الدينى وتعتمد عليهم بلادنا أن يفندوا الخطاب المتطرف سواء من ناحية ابن تيمية وابن الجوزية وغيرهما أو من حسن البنا وسيد قطب. ومنذ أن أطلق تعبير تجديد الخطاب الدينى لم نجد إنجازا على الأرض لا فى تغيير مناهج الأزهر التى تتبنى هذا الفكر المتطرف ولا حتى فى مناهج الدين فى المدارس الحكومية والتى بها الكثير الذى يحتاج إلى تنقية، هذا فضلا عن أن وزارة التربية والتعليم تموج بموظفين معظمهم يتبنون الفكر المتطرف. فى جلسة مع وزير التعليم الأسبق أحمد حسن بهاء الدين قال إنه يصدر قرارات لتنقية المناهج من التفسير المتطرف سواء فى مادة اللغة العربية أو الدين لكن كل قراراته تذهب أدراج الرياح لأن وكلاء المناطق التعليمية فضلا عن مدرسى الدين واللغة العربية معظمهم ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين وقال بالحرف الواحد: «لا حول لى ولا قوة معهم» لأنهم هم الذين يعملون على الأرض.

نأتى الآن إلى أصدقائنا أمريكا وجارتنا إسرائيل التى لنا معها معاهدة سلام، بعد أن تأكدنا جميعا أن هؤلاء يعيشون داخل حدودنا يأكلون ويشربون ويتدربون وتهرب الأسلحة لهم بمنتهى السهولة، هل هناك شك فى أن إسرائيل وأمريكا تعرفان جيدا أماكنهم وأسلحتهم والدور الذى يقومون به؟ إن أمريكا تمتلك أقمارا صناعية تمسح العالم كله على مدى الليل والنهار، هذه الأقمار رصدت رجلا يتردد على مكان ما بانتظام فى مبنى ملاصق لثكنات الجيش الباكستانى فرصدته وصورته فى دخوله وخروجه وهو يُحضر الطعام ويخرج بالنفايات فشكوا أن يكون أسامة بن لادن مختبئا هناك وبدأت المخابرات العسكرية تخترق كل الحواجز الأمنية للجيش الباكستانى بلا استئذان، ذلك لأنهم حاولوا قبلا تجنيد أشخاص من الجيش الباكستانى وأغروهم بالمال، فكانوا يأخذون المال ويطلبون من أسامة تغيير مكانه أكثر من مرة وهكذا فشلت أكثر من عملية لعدم دقة المعلومات التى تصل إليهم من عملائهم، وهنا قاموا بالعملية منفردين فانتهكوا السيادة الوطنية الباكستانية بطائرتين عسكريتين نزلتا قبل الفجر بالقرب من المبنى ونزل منها جنود أمريكيون مدربون واقتحموا المنزل وقتلوا أسامة بن لادن وحملوا جثته معهم وألقوا بها فى المحيط، وقد صور القمر الصناعى كل هذه العملية بكاملها حيث كان أوباما وهيلارى كلينتون وموظفو البيت الأبيض يتابعونها من خلال التلفزيون الخاص على الهواء مباشرة، وقد أذاعوه بعد ذلك للعالم كله لكى يبثوا الثقة فى شعبهم وجيشهم.

لعلك معى ــ عزيزى القارئ ــ أن أمريكا صديقتنا العزيزة لو أرادت مساعدتنا فعلا ــ وخاصة أنها قادرة على ذلك ــ لعرَفت مخابراتنا أماكنهم فى سيناء ونقلت كل تحركاتهم من خلال الشاشة للمسئولين، وأشك أن إسرائيل لا تعرف أماكنهم ولا ترصدهم، ولا أستبعد أن تكون على علاقة بهم وعدم استبعادى هو مجرد إعادة قراءة للحوادث التاريخية فقد كانت سيناء منذ احتلالها من الصهاينة عام 1967 مكانا للتفاوض عليه، خاصة أن إسرائيل بمجرد احتلالها أقامت فى سيناء مستوطنات سكن فيها اليهود وزرعوا وقلعوا وعاشوا فى أمان لمدة ست سنوات حتى حرب 1973 وانتصار مصر بل وحتى معاهدة السلام عام 1978، لقد صمم أنور السادات على أن يخرج المستوطنون من أرض سيناء على أساس أن يقوم هو ببناء قرى للسكان المصريين فى سيناء. وأمر تعمير سيناء كان موضوع دراسة من هنرى كيسنجر وعثمان أحمد عثمان ووضع لها تصورا بل أكثر من تصور لهذا الأمر اشتركت فيه أيضا إسرائيل، لقد كان السادات مقتنعا تماما أن الحفاظ على سيناء لا يتم إلا بملئها بالبشر وهى حاجة مصر القصوى للخروج من وادى النيل لكن السادات اغتيل والمشروع وضع فى الأدراج وجاء حسنى مبارك وتجمد الموضوع لسببين عدم حماس أمريكا لتعمير سيناء ورفض إسرائيل لفكرة تعميرها، والسؤال الكبير هو لماذا؟ والإجابة المعروفة أن ملايين اللاجئين الفلسطينيين والذين يعيشون فى الوطن العربى على اتساعه، من المستحيل أن يعودوا إلى أرض فلسطين التى تحتلها إسرائيل والسؤال هو إلى أين يعودوا ؟! وكان الجواب فى معظم المفاوضات إلى سيناء، ولقد فرضت أمريكا أوباما وهيلارى جماعة الإخوان على الوطن العربى وعلى مصر بالذات وكان هناك شبه توافق على أن تُعطى سيناء للفلسطينيين وتضم إلى غزة لتكون دولة فلسطينية ذات حكم ذاتى، مقابل مبلغ ضخم قيل وقتها أنه ثمانمائة ألف مليار دولار لمصر وبهذا تُحل أزمة مصر الإقتصادية وتُحل مشكلة الفلسطينيين ويتحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير بقيادة إسرائيل والسعودية وإيران وتركيا وذلك بالطبع قبل أزمة سوريا والتى قلبت كل المعادلات، وبالطبع عندما يتغير الرؤساء فى أمريكا وإسرائيل لا يغيرون من السياسات، وإذ كان حكامنا يدركون هذه الحقيقة كان لا بد من أول لحظة أن يبدأ تعمير سيناء وتسكين المصريين بها، لكنهم فضلوا العلاقات مع أمريكا ثقة منهم فيها لكن ما رأيناه فى مسجد الروضة يقول لنا غير ذلك تماما.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات