الأربعاء 21 نوفمبر 2018 7:04 م القاهرة القاهرة 23.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الدبلوماسية المكبلة

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:00 ص

قوة العمل الدبلوماسى من قوة الوضع الداخلى.

بقدر تماسك الدولة تتماسك سياستها الخارجية.

وبقدر تعافى اقتصادها يتعافى دورها الإقليمى.

رغم أية جهود مضنية بذلت واختراقات كبيرة حدثت الشوط لازال بعيدا لاستعادة زمام القيادة فى العالم العربى.

بكلمة أخرى حجم الإنجاز يتوارى أمام مستوى التحدى.

هناك فارق بين تجاوز الحصار الدبلوماسى شبه المحكم الذى فرض على مصر بعد (٣٠) يونيو وحلحلة أزمات وجودية مستحكمة كـ«سد النهضة» وتهريب السلاح عبر الحدود وبين التقدم بثقة كلاعب محورى فى أكثر أقاليم العالم حساسية واشتعالا بالنيران.

أمام انهيارات إقليمية جديدة ومنذرة فإن الوقت يضغط.

الحوادث لا تستأذن من أحد ولا تمهله ما يطلبه من وقت حتى يستعد.

من الصحيح أن البلد منهك اقتصاديا وأمنيا غير أن الإحجام عن الحركة سوف يكلفه غاليا.

السؤال الحقيقى الآن: كيف يمكن فى مثل هذه الظروف الصعبة توسيع الخيارات الاستراتيجية والتخفف من أية قيود؟

مصر ليست دولة هامشية أيا كانت مشاكلها.

تحتاج إلى الإقليم كما يحتاجها.

أى تعامل ينال من قدرها إهانة لا يجب تقبلها.

إن حسم خيار الانفتاح على المراكز الدولية الكبرى وتنويع مصادر السلاح بلا وجل أيا كانت الضغوط الأمريكية يفسح المجال واسعا أمام إدارة أكثر كفاءة للمصالح الاستراتيجية العليا.

نقطة البداية أن نتصارح بالحقائق أمام أنفسنا أولا ومع حلفائنا فى الخليج ثانيا.

هناك حساسية مفرطة من أى تحرك مستقل والدبلوماسية المصرية شبه مكبلة فى إقليمها.

لا مبادرات لها صوت مسموع وأثر فى حركة الحوادث الكبرى.

حيث يمكن الحركة تتوقف المبادرات فى منتصف الطريق.

فى الأزمتين اليمنية والسورية هناك اتصالات تجرى مع الأطراف المتنازعة، بعضها فى العلن الدبلوماسى والأخرى فى ظلال الكواليس.

غير أن الحساسيات تفرمل كل اتصال وتحجب أية مبادرة.

هذا يحتاج إلى حوار جدى وصريح مع الأشقاء.

فى أول زيارة قاهرية لوزير الخارجية السعودى الجديد «عادل الجبير» جرى شىء من المصارحة لكنها ليست كاملة.

تصريحاته اقتربت من الملف الحساس لكنها نفت أن تكون هناك فجوات بين مصر والسعودية فى ملفى اليمن وسوريا.

النفى نفسه محاولة لتخفيض مستوى خطورة أزمة لن يطول كتمانها.

ما معنى أن تكون العلاقات استراتيجية؟

أن تفتح الملفات الإقليمية على الطاولة وتجرى التفاهمات الكبرى، أن تتحدد الالتزامات المتبادلة والمصالح المشتركة على مدى طويل نسبيا.

فى الأزمة اليمنية فجوات فى الرؤية.

هناك التزام مصرى نهائى بأمن الخليج غير أن أحدا لم يناقش بالجدية اللازمة حدود هذا الالتزام، وما إذا كان يعنى تأمين الخليج من أية تهديدات عسكرية أو مخاطر تنال من سلامة دوله أم أنه يتسع إلى عمليات اليمن؟

السؤال بطبيعته يستوجب تعريف العدو.. أين يتوقف السلاح وتبدأ السياسة؟

لم تكن مصر مقتنعة أن إيران هى العدو.

سعت لتأسيس علاقة جديدة مع طهران دون قفز على الخلافات والريب لكنها أحجمت عن نقل حواراتها إلى العلن الدبلوماسى خشية أية حساسية فى الخليج وحرصا على العلاقات الاستراتيجية معه.

المثير أن دول الخليج بلا استثناء واحد لها علاقات دبلوماسية مع إيران.

وزير الخارجية السعودى نفسه لم يستبعد خيار الحوار المفتوح مع طهران.

تحدث عن شروط لجدية الحوار، وهذا طبيعى فى مثل هذه النزاعات.

لا أحد يتحاور من أجل الحوار دون أهداف يقصدها ومطبات يعمل على تجنبها.

مع ذلك فإن الدبلوماسية السعودية لا تبدى أدنى تفهم لرغبة القاهرة مد جسورها مع طهران التى تطلب وتلح على تفاهمات ممكنة مع الدولة العربية الأكبر رغم أنها محام مؤتمن عن الخليج ومصالحه.

بالقدر نفسه لا توجد أية تزكية لأدوار تلعبها القاهرة فى التسوية السياسية للأزمة اليمنية.

بحسب معلومات مؤكدة وصلت القاهرة وفودا تمثل الأطياف السياسية اليمنية، من بينها جماعة الحوثيين، لكنها لم تجد ما تطلبه وتلح عليه من مبادرات تطلقها ومصالحات تحتضنها.

لا سبيل إلى إنكار الأزمة المكتومة بين القاهرة والرياض وأفضل خيار ممكن أن تكون هناك مكاشفة.

السؤال الرئيسى هنا:
هل تجوز فى أية علاقات استراتيجية استدعاء طرف للعمل العسكرى وتنحيته عن العمل السياسى؟

من المثير أن تتزامن الحساسيات المفرطة مع أحاديث القوة العربية المشتركة.

بحسب ما هو ثابت فإنها سوف تعلن (٢٩) يونيو الحالى، وهذه رسالة مقصودة بتوقيتها.

بيوم واحد يستبق الإعلان المنتظر توقيعا مرجحا على اتفاق نهائى بخصوص المشروع النووى الإيرانى ترفع بعده العقوبات الاقتصادية والمالية.

غير أن رسائل القوة تفتقد معناها إن لم تقف على أرضية سياسية صلبة.

وهذا مالا يتوافر فى الأزمة السورية التى تشهد صدامات فى الظلام.

التقديرات تختلف بفداحة، الرياض تندفع مع أنقرة والدوحة إلى توحيد جماعات معارضة، بعضها كـ«جبهة النصرة» تنتمى إلى «القاعدة» مباشرة، بينما القاهرة تعمل على تسوية سياسية وفق مرجعية جنيف (١) لا تستبعد الرئيس السورى «بشار الأسد».

من نتائج الدعم السياسى والمالى والعسكرى لـ«النصرة» ومثيلاتها إنهاك الجيش السورى وبسط سيطرة «داعش» على أكثر من نصف الأراضى السورية.

القضية ليست «الأسد» بقدر ما هى أن سوريا بكاملها مرشحة للسقوط النهائى.

هذه مسألة أمن قومى مصرى على درجة عالية من الخطورة لا يصح التهوين منها أو المقايضة عليها.

السقوط السورى يفضى إلى سقوط مماثل فى مصر.

السقوط نفسه سوف ينال من دول عربية أخرى كـ«لبنان» و«الأردن» وتضيع فلسطين إلى الأبد.
السعودية ليست بعيدة عن هذا المصير.

بدأ استهدافها فى منطقتها الشرقية وضربات الإرهاب لن تتوقف فى أى مدى منظور.

بترنح سوريا على مذابحها تقف المنطقة كلها أمام المجهول المرعب.

قد تتسع حروب الإرهاب وتنفسح السيناريوهات لاحتمالات التقسيم التى لن يفلت منها أحدا.
العراق فى المقدمة واللعبة سوف تأخذ فى طريقها كل شىء.

أمام الرعب المقبل لا أمل بغير أن تطلق يد مصر، تتحرك وتبادر، تصنع التوافقات الكبرى وتخفض الاحتقانات مع إيران.

من متطلبات أية شراكة استراتيجية أن تكون هناك تفاهمات حقيقية.

المثير أن التوافقات مع موسكو وطهران فى الأزمة السورية أكبر من أية توافقات مع واشنطن والرياض.

لا يمكن لتحالف أن يستقر وأطرافه تتناقض خياراتها الاستراتيجية دون رغبة جادة فى ترميم الفجوات.