الأربعاء 21 نوفمبر 2018 1:00 م القاهرة القاهرة 26.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

لن نيأس.. مصر تستحق ديمقراطية حقيقية

نشر فى : الأربعاء 4 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 4 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

  يرى الكثيرون فى الغرب الأحداث فى مصر، باعتبارها حملة أمنية قام بها بقايا نظام مبارك على الرئيس المنتخب ونظامه السياسى. ويعتبرون إلقاء القبض على قادة الإخوان وحظر تجمعاتهم، دليلا دامغا على هذه الحملة. ولا يترك قتل المئات من المدنيين الأبرياء فرصة لاتخاذ مواقف معقدة. فإذا كنت تؤمن بالقيم الإنسانية العالمية، عليك أن تدين القاتل أولا وقبل كل شيء. وأنا ليس فقط باعتبارى مؤمنا بالديمقراطية، ولكن كإنسان أدين القتل، دون تحفظ. ولكن السؤال سيظل قائما بعد ذلك: ما الذى ينبغى عمله لدفع مصر نحو الديمقراطية التعددية؟

  لقد ظل نظام مبارك، على مدى عشرات السنين، يهدد الديمقراطيين بشبح الإخوان المسلمين وتفكيرهم الشمولى. لكننا قبل عامين ونصف، قبلنا التحدى وخرجنا إلى الشوارع لنقيم نظاما ديمقراطيا محل نظام مبارك. وانضم الإخوان إلينا، فى البداية على الأقل. وبعد بضعة أشهر اختلفت مساراتنا عندما بدأ الإخوان يتسلقون على صناديق الاقتراع، وأكتافنا للوصول إلى الحكم. وتعتبر قصة صعود وسقوط التحالف بيننا نحن الديمقراطيين والإخوان، قصة مأساوية، حافلة بالأمل والخيانة والغضب والموت!

  فخلال العملية الانتقالية الأولى، فشلنا مثلما هو حال الديمقراطيين غالبا فى تنظيم أنفسنا والاتحاد من أجل المنافسة على السلطة. وفى الجولة الانتخابية الرئاسية الثانية عام 2012، صوت الكثيرون منا لصالح محمد مرسى مرشح الإخوان، تفاديا لعودة النظام القديم. فقد ظن البعض أن الإسلاميين يشاركوننا نفس الرغبة فى بناء الديمقراطية. ورأى آخرون أن ممارسة الحكم سوف تدفع الإخوان إلى الاعتدال، وإجبار قادتهم على الإجابة عن الأسئلة الصعبة المتعلقة بالمساواة والحرية.

   لكن للأسف، لم تدفع السلطة بالإخوان نحو الاعتدال، بل على العكس. فقد وقع قادة الجماعة أسرى لرؤى متطرفة فيما يتعلق بالمساواة وحقوق الإنسان. وتجاهلوا شركاءهم الديمقراطيين وتحالفوا مع الجماعات السلفية المتشددة، فضلا عن الجماعة الاسلامية وجماعة الجهاد المسلحتين. وأظهر «قانون التمكين» الذى أصدره مرسى فى نوفمبر 2012 أن الجماعة تستخدم انتصارها الانتخابى لأسلمة البلاد، لا لتحويلها إلى الديمقراطية. وفى النهاية، دعت القوى الديمقراطية الجماهير للخروج إلى الشوارع من أجل إسقاط الاستبداد الجديد، وهى بحكم الأمر الواقع دعوة إلى تدخل الجيش وخلع الرئيس كما حدث مع مبارك.

●●●

  ويتهم العديد من خارج مصر، أنصار الديمقراطية المصريون، بأنهم سلكوا الطريق السهل غير الديمقراطى، بدلا من الخيار الصعب الأفضل وهو خوض الانتخابات المقبلة! إنهم يتهموننا بالتخلى عن مبادئنا الديمقراطية للتغطية على فشلنا! وربما نكون فاشلين،  ولكن هذا لا يعنى أننا نستحق أن نعيش فى نظام سلطوى. لقد أصبح واضحا للجميع أن جماعة الإخوان المسلمين تعمل بنشاط على تغيير قواعد اللعبة لضمان عدم تحدى سيطرتها فى أى انتخابات مقبلة. كما تنكرت لالتزاماتها، ورفضت مرارا العروض التى قدمت إليها من أجل الاتفاق على «القواعد الأساسية» المشتركة للعبة الديمقراطية. وأحكمت قبضتها على المؤسسات القانونية والإدارية للنظام الاستبدادى بما فى ذلك الجيش والشرطة ــ بدلا من إصلاح هذه المؤسسات. وحين عارضنا هذا الطغيان الجديد، لجأت جماعة الإخوان إلى أساليب نظام مبارك، بإصدار تشريعات مقيدة، واستخدام القوة الوحشية. وعندما كان قادة الإخوان يشعرون أن الأجهزة الأمنية ليست قاسية بما فيه الكفاية على المتظاهرين، كانوا يرسلون المسلحين التابعين لهم، لضمان فعالية القمع.

     لقد أكدت سنة حكم مرسى أسوأ مخاوفنا حول موقف الإخوان من الديمقراطية. فكما فعل غيرهم من الإسلاميين فى إيران عام 1979، وفى السودان 1988، وقطاع غزة 2006، استخدم قادة الإخوان الانتخابات باعتبارها سلما للوصول إلى السلطة، ثم دفعوه بعيدا بمجرد وصولهم. وصمموا النظام الجديد على النحو الذى يجعل من المستحيل تحديه من الداخل. ومثلما كان الحال مع نظام مبارك، لم تعد هناك وسيلة فعالة لتحدى الاستبداد إلا من خارج النظام. ومن ثم فإن انتظار الانتخابات القادمة كان وصفة موت مؤكدة لحلم الديمقراطية.

   واليوم يدعو الكثيرون فى الغرب إلى دمج الجماعة فى العملية الانتقالية الجديدة سواء احتراما لمبدأ عدم الإقصاء أو لتقليل احتمالات العنف. ولكن الغالبية العظمى من المصريين لا يقبلون افساد ديمقراطيتهم الوليدة بضم قوى معادية للديمقراطية وتوجه لهم التهديدات.

●●●

  لقد تعلمنا، بالطريقة الصعبة، أن الديمقراطية الوليدة تحتاج إلى حماية ضد أعدائها. فالتحول الديمقراطى لا يتفق مع تغيير القواعد الأساسية للنظام بعد الفوز فى الانتخابات. كما لا تتفق الديمقراطية مع التحريض على الطائفية أو الكراهية أو العنف. وتتنافى الديمقراطية مع دعوات عدم المساواة بين المواطنين. ولا تتفق الديمقراطية مع الدعوة لتجاهل حقوق الإنسان والحريات الأساسية. هناك تذكرة دخول للنادى الديمقراطى. وسيكون على جماعة الإخوان المسلمين الاختيار بين التخلى عن ممارساتها المعادية للديمقراطية ثمنا لانضمامها إلى النادى الديمقراطى، أو مواصلة المواجهة الشاملة مع الشعب الذى تسعى إلى حكمه.

  وحتى الآن، يبدو أن قادة الإخوان عازمون على عرقلة العملية الانتقالية الجديدة بأمل تحطيم الجيش والعودة إلى السلطة. لكن ذلك لن يحدث. فربما كانت جماعة الإخوان، مع مناصريها الإقليميين، قادرة على إطالة أمد المواجهة المستمرة ولكن ذلك لن يعيدها إلى السلطة. وفى الواقع، تقدم هذه المواجهة الشاملة للمتشددين من رجال الأمن فرصة لاجتثاث جماعة الإخوان المسلمين من جذورها. وكلما اشتدت ضراوة المواجهة قويت شوكة الأجهزة الأمنية وزادت صعوبة عودة الإخوان. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدى المواجهة مع الإخوان إلى انشقاق إسلاميين آخرين، من داخل التنظيم وخارجه، وخلق بديل أكثر توافقا مع الديمقراطية وأكثر قبولا لدى الجمهور. وفى كل الأحوال، فليست هذه مواجهة يستطيع الإخوان المسلمون الفوز فيها.

  واليوم، تقف الغالبية العظمى من المصريين فى صف الجيش والشرطة اللذين ثاروا ضدهما عام 2011. وهو تحالف غير متوقع وصعب ومحفوف بالمخاطر. وعلى الرغم من أننا نحن الديمقراطيين مازلنا نفتقر إلى التنظيم، إلا أن تطلع الشعب نحو الديمقراطية هائل. ومن هنا نستمد قوتنا السياسية. لذلك، إذا ابتعد العسكريون عن التزامهم بالإصلاحات الديمقراطية، فلن يواجهوننا فقط، ولكن سيواجهون الشعب الذى يعتمدون على دعمه. ولن يستطيعوا الحفاظ على هذا الدعم عبر استغلال وسائل الإعلام، وتوظيف شخصيات سياسية تافهة وتزوير الانتخابات. لقد ولى هذا الزمن. كما أن ضغوط المجتمع الدولى تقلل من صلاحية هذا الخيار.

●●●

  وباختصار، على الرغم من فشلنا المزعوم نحن الديمقراطيون،  فلن تستطيع أى من القوتين المناهضتين للديمقراطية فرض سيطرتها على مصر. ولن يستطيع، سوى نظام ديمقراطى، حكم شعب رفض الاستبداد. غير أن السؤال هو ما إذا كان مثل هذا النظام سوف يظهر قريبا، أم أن علينا خوض جولة جديدة من الصراع قبل أن يدرك الجميع الحاجة إلى ديمقراطية حقيقية.

 

كاتب سياسى وروائى

التعليقات