لم أقابل خلال الشهور الثلاثة عشر الماضية باحثا أو صحفيا أجنبيا إلا وسألنى السؤال ذاته. لماذا ثار المصريون فى الوقت الذى ثاروا فيه ولم يثوروا قبله؟ أحدهم لم تعجبه إجابتى فأعاد صياغة السؤال بحجة أننى لم أفهمه فى الصياغة الأولى. سأل: كيف بدا المصريون فى الأيام السابقة على ثورتهم؟ هل بدا عليهم أنهم يفقدون أعصابهم بسرعة؟ هل لاحظت أنهم صاروا يتخذون قرارات قبل أن يفكروا مليا وقبل أن تكتمل لديهم المعلومات؟ هل كانوا سريعى الملل والضجر؟ هل أهملوا فى نظافة مدنهم وضربوا بالنظام والانضباط عرض الحائط وركنوا إلى الفوضى؟ أجبت بما تيسر. لم أربط وقتها بين سؤال وآخر، ولم أستفسر عن علاقة هذه الأسئلة بالسؤال الأم، وهو لماذا ثار المصريون فى الوقت الذى ثاروا فيه. مرت شهور عديدة لم تنسنى السؤال الأساسى وإن أنستنى الأسئلة الفرعية حتى وقع ما جعلنى أعود إليها باحثا عن الرابط بينها.
●●●
وقع فى يدى مقال للسيدة وينفريد جالاجار Gallager تتحدث فيه عن دراسة أجراها قبل وقت غير طويل الدكتور كلونينجر Cloninger، الأستاذ بجامعة واشنطون فى مدينة سانت لويس، بهدف التعرف على العوامل التى تشكل شخصية الإنسان الذى يسعى إلى التجديد والباحث دوما عن شىء جديد. بدأت الدراسة من حيث كان يجب أن تنتهى حين قرر فى بداية دراسته أن الإنسان الواعد هو الذى يبحث دائما عن الجديد مدفوعا بغريزة البقاء استنادا إلى قاعدة أن بقاء الجنس البشرى يعتمد على التجديد، وإذا لم يجدد نفسه توقف عن التكاثر والنمو وتقلصت قدراته وأباد نفسه بنفسه. هذا الإنسان الواعد نجده شديد الحرص على أن يتأقلم مع البيئة فهو يتحرك وراء الماء والعشب كما يشهد تاريخ تطور الحياة على أراضى السافانا فى القارة الإفريقية. ونجده يسعى لمعرفة التغيرات المناخية ودائما أبدا منشغلا بما يستجد فيها. لقد هاجرت البشرية من إفريقيا قبل خمسين ألف عام بحثا عن الجديد، مناخ جديد وموارد جديدة. وهاجر الهنود من سيبريا الأسيوية إلى آلاسكا عبر مضيق بيرنيج بحثا عن جديد وراء هذه الفضاءات الجليدية الشاسعة.
لاحظ التقرير أيضا أن السعى وراء الجديد يبلغ أشده قبل العشرين من العمر ويظل قويا لسنوات قليلة بعد العشرين. ففى هذه الفئة العمرية يزداد الفضول وتتعاظم رغبة الفرد فى معرفة ما خفى فى الزمان والمكان وتشتد الرغبة فى الانتقال إلى جديد، وهى الفئة التى تتسم تصرفاتها بالإصرار والإلحاح، وربما العناد. وهى أيضا الفترة من حياة الإنسان التى تتكثف فيها أحلام اليقظة ويتوافر الخيال الخصب وتتلون الحياة باللون الوردى وتتغذى على «تفكير رغبوى»، حين يتمنى الشاب، صبيا كان أم فتاة، أشياء يعرف الأكبر عمرا أنها مستحيلة بينما يبقى الشاب مقتنعا بأن لا شىء مستحيل. حتى المستحيل لن يبقى مستحيلا إذا قرر الإنسان السعى لتحقيقه.
●●●
أعرف من تقارير ودراسات أخرى أن تقدم الإنسان فى تحصيل العلوم، بل إن مجرد خروجه من غياهب الأمية، يزيد قابليته واستعداده للبحث عن الجديد. الدليل على ذلك ما نعرفه من أن الإنسان الذى يعيش فى مجتمع متخلف أقل فضولا من الإنسان الذى يعيش فى مجتمع أقل تخلفا. معروف أيضا أن بعض المجتمعات الإنسانية، من خلال حرصها على الاستمرار فى حياة العزلة عن العالم الخارجى، أى عن الجديد، حرمت أفرادها من ممارسة الفضول. لم تمنعهم بالقانون ولكن منعتهم حين صاغت منظومة أخرى تعتبر الفضول من الرذائل التى لا يجوز ممارستها. إن بعض أبناء الجيل الذى أنتمى إليه، صبيانا وبنات، نشأوا فى بيوت تحرم التصنت أو غيره من أساليب الفضول البريئة. أذكر أنه فى مرحلة مبكرة من العمر كان أهالينا يحرمون علينا توجيه «الأسئلة الكثيرة»، كانوا ينهون أطفال السابعة عن إغراق الضيوف بأسئلة، هى فى الحقيقة فضول طبيعى ومنطقى، وبخاصة إذا فهمنا أن هذا الفضول يدخل فى إطار الرغبة فى إثراء المعلومات وتجديدها. ولا شك أن من قرأ أدب ما قبل الثورة الصناعية فى أوروبا يعرف أن الفضول كان إحدى الخطايا الخاضعة للتحريم فى قصور الارستقراطية الإنجليزية. وقد شرحت لى أستاذة متخصصة فى تاريخ المجتمع الإنجليزى أن الأمر كان بالفعل على هذا النحو، بل أضافت إلى معلوماتى معلومة جديدة وهى أن كلمة «الملل» Boredom لم تكن من الكلمات المستعملة فى الخطاب الإنجليزى قبل حلول القرن التاسع عشر، بينما هى الآن كلمة كثيرة الاستعمال، وبخاصة فى أوساط الشباب.
دائرة مفرغة تلك التى يدور فيها التقدم العلمى والتكنولوجى المعاصر وفضول الناس المتزايد وسعيهم فى البحث عن كل جديد. قرأت منذ يومين عن أن شركة آبل Apple تستعد لإصدار الجيل الثالث من iPad وعن توقعات بأن يتجاوز عدد الحاجزين كل الأرقام القياسية السابقة. قرأت بعدها عن اختراع جديد يضيف إلى الهاتف المحمول إمكانية نقل الصورة التى يلتقطها الهاتف عبر جهاز لا يزيد حجمه عن سنتيمتر واحد لتظهر على حائط أو ورقة كبيرة توضع أمام الجهاز بعد أن كانت الصورة تظهر فقط على الشاشة الصغيرة.
●●●
الإنسان فى هذه الدائرة المفرغة، لم يعد يطيق الانتظار الطويل فى انتظار الجديد. خلال انتظاره. قد يصيبه الملل والسأم. وقد يفقد أعصابه. وقد ينعزل عن أصدقائه وأهله، وقد يصبح أكثر ميلا للفوضى والإهمال. وإذا طال الانتظار قد يصاب بداء الشرود.. أو إلى ما هو أسوأ من الشرود.. وأقصد الضياع stray.
أرجع إلى السؤال الذى أعاد الزائر الأجنبى صياغته لأجيب عليه. نعم، كان معظم الناس فى مصر ينتظرون «الجديد». أصابهم الملل والسأم فى الانتظار الطويل، وتباعد بعضهم عن البعض الآخر وعن أهلهم، وتعددت الاحتجاجات والاعتصامات وزادت حالات فقدان الأعصاب، وكثرت الحوادث المفجعة الناتجة عن الفوضى والإهمال.
كنا على حافة الضياع.