الأربعاء 13 ديسمبر 2017 7:15 م القاهرة القاهرة 19°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

لماذا كنا نحارب؟

نشر فى : الأحد 8 أكتوبر 2017 - 8:50 م | آخر تحديث : الأحد 8 أكتوبر 2017 - 8:50 م
أفضل ما قيل فى وصف بطولات أكتوبر إن الإنسان المصرى العادى بطلها الحقيقى.
باعتراف القادة العسكريين، الذين تولوا إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر بعد هزيمة يونيو (١٩٦٧) والتخطيط لاستعادة الأراضى المحتلة، فاقت الشجاعة المذهلة التى أبداها على جسور الدم أى حساب وقلبت كل ميزان عند الاحتكام للسلاح.
كان ذلك البطل المنسى جيلا كاملا من عامة المصريين صهرته تجربة القتال على الجبهات الأمامية لست سنوات متواصلة.. ودخلت الحرب عنصرا جوهريا فى تشكيل وعيه السياسى والاجتماعى والثقافى أكثر مما فعلت تجارب الحروب السابقة بالأجيال الأخرى.
الفارق حاسم بين نسبة النصر إلى الإنسان العادى المجرد وصفات مطلقة إيجابية فى الشخصية المصرية، وبين نسبته إلى جيل بعينه ووعى بعينه، وبنى ثقافية سياسية ونفسية بعينها.
إنه الفارق بين المطلق والتاريخ.
ثمة جيل حارب وتحمل عبء الحرب كاملا ودفع ثمن النصر من دمه وعرقه قبل أن يتلقى فى الأجواء السياسية والاجتماعية والثقافية التى تلت الحرب خذلانا ليس له مثيل فى تاريخ المنتصرين ـ أى منتصرين فى العالم!
عندما صمتت المدافع على جبهات القتال، وجرى ما جرى من خذلان السياسة لبطولات الرجال، طرح السؤال نفسه: لماذا كنا نحارب؟
فى أعمال سينمائية عديدة مثل «زمن حاتم زهران» و«سواق الأتوبيس» و«المواطن مصرى» و«كتيبة الإعدام» تبدت المفارقات الموجعة بين الذين عبروا الجسور من أجل أن يرفع هذا البلد رأسه، والذين داسوا على كل معنى قاتل من أجله المصريون.
لماذا كنا نحارب؟
القتال ـ بذاته ـ شرف وطنى وضرورى لاحتفاظ المجتمع بسلامته النفسية ونظرته إلى نفسه، لكنه لم يكن الهدف الوحيد.
امتزجت فى تجربة الحرب رؤى وأفكار من بينها توسيع المشاركة السياسية وتصحيح الأسباب التى أفضت للهزيمة، وجرى أوسع نقد ذاتى لثورة يوليو وطبيعة نظامها ـ كما تشهد على ذلك محاضر ووثائق رسمية سجل فيها الرئيس «جمال عبدالناصر» رؤيته لأسباب الهزيمة.
كما نشأت ـ بالوقت نفسه ـ فى الجامعات المصرية حركة طلابية جديدة تنتسب بإجمالها لـ«مشروع يوليو» فى التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى والوحدة العربية دون أن تكون مستعدة لأى تسامح مع أخطاء النظام وأوجه القصور الفادحة فيه.
علت فى المشهد الداخلى نداءات التغيير بذات قدر دعوات التعبئة العامة حتى يتسق أداء الجبهة الداخلية مع ما كان يجرى من تضحيات فى الخنادق الأمامية.
الجيل الذى حارب أغلبهم من خريجى الجامعات المصرية الذين أتاحت مجانية التعليم الفرصة أمامهم لاكتساب معارف العصر.
بمعنى آخر جيل الحرب هو نفسه جيل الثورة ومجانية التعليم والحق فى الثروة الوطنية والأحلام الكبرى التى لامست السماء قبل أن تسقط من حالق.
فى أعقاب الهزيمة فرضت ضرورات تحديث القوات المسلحة دفع جيل بأكمله من خريجى الجامعات إلى صفوف القتال، للتعامل مع أحدث التقنيات العسكرية فى ذلك الوقت.
انتصار أكتوبر فى بعض معانيه تتويج لقيمة إتاحة فرص التعليم أمام فقراء المصريين، لا حكرها على القادرين وحدهم ـ كما يحدث الآن.
إلى ذلك حمل أبناء هذا الجيل من داخل مؤسسات القطاع العام ـ عندما كان قطاعا حقيقيا يقود خطط التنمية ـ مسئولية توفير الاحتياجات الأساسية للقوات المسلحة وتأمين الجبهة الداخلية اقتصاديا.
ارتبطت الحرب بالإنتاج على نحو وثيق ولم تكن هناك ـ رغم الأعباء الضخمة ـ أزمات تموينية حادة، أو زيادات مفاجئة فى أسعار السلع الرئيسية.
بدت الأمور مستقرة فى بلد تشغله قضية تحرير سيناء المحتلة.
لم يكن كل شىء مثاليا، فقد كان هناك من يحاول استثمار أجواء الحرب لمقتضى مصالحه الخاصة، لكنها ـ على كل حال ـ تجربة إنسانية بإيجابياتها وسلبياتها، بأبطالها ولصوصها.
بلغت المأساة ذروتها بعد أن توقفت الحرب، وبدأ عصر «القطط السمان» ـ حسب التوصيف الذى شاع وقتها.
لست سنوات كاملة فى الخنادق الأمامية أرجأ ذلك الجيل طموحاته وحقوقه الأساسية فى بناء حياته الخاصة، إلى ما بعد تحرير سيناء المحتلة ودفع الثمن كاملا دون ادعاء بطولة.
ثم كان عليه أن يدفع الثمن ـ مرة ثانية ـ من مستقبله بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى، التى دشنها الرئيس «أنور السادات» عام (١٩٧٤)، وأطلق عليها الأستاذ «أحمد بهاء الدين»: «انفتاح السداح مداح».
عندما عاد الذين قاتلوا من ميادين القتال وجدوا مجتمعا غير الذى حاربوا من أجله وسياسات غير التى أملوا فيها.
فى الذاكرة تداخلت مشاعر متناقضة بين الفخر بالتضحيات التى بذلت والأسى على معناها الذى أهدر، حتى كانت صدمته الكبرى عندما رأى نتائج الإدارة السياسية لحرب أكتوبر والتنازلات التى جرت فى اتفاقية «كامب ديفيد».
كان عليه أن يواجه حربا ثقافية وفكرية وإعلامية على قناعاته، التى حارب بها ومن أجلها، فلم تعد إسرائيل مصدرا لتهديد الأمن القومى، ولا كان الهدف من عدوان (١٩٦٧) ضرب مشروعات التنمية وسياسات التحرر الوطنى ـ كما يراد لنا أن نقول الآن.
كانت حرب أكتوبر آخر مشهد مجيد للوطنية المصرية فى القدرة على التخطيط العسكرى وبذل فواتير الدماء.
وقد جرى توظيفها لإضفاء شرعية على سياسات أقل ما توصف به أنها أهدرت بطولة المقاتلين على موائد التفاوض.
لم يتبق من تجربة الحرب سوى بعض الذكريات لقادة كبار، أو بعض الشهادات على التاريخ، أو بعض الأغانى التى كان لها وقع، أو محاولات لتوظيفها سياسيا على عكس ما قاتل من أجله المصريون.
تبددت معان كبرى، أهمها ما أطلق عليه عن حق «روح أكتوبر»، والكلام عن استعادة هذه الروح بلا مقوماتها محض تهويمات فى الفضاء.
روح التضحية تستدعى أن تكون هناك قضية تلهم لا سياسات تحبط.
تلك الروح لا يمكن استعادتها بوصف «السلام مع إسرائيل» بأنه «تجربة رائعة»، أو تقبل الهزيمة بأثر رجعى.
تشويش الذاكرة الجماعية أخطر ما يمكن أن تتعرض له مصر الآن، كأن تلخص الحرب فى رجلين، أولهما ـ «أنور السادات بطل الحرب والسلام».. وثانيهما ـ «حسنى مبارك صاحب الضربة الجوية».
فى مثل ذلك التلخيص المخل إهدار لأدوار جوهرية وحاسمة لقيادات عسكرية قدر لها أن تتصدى للمهمة الشاقة، فضلا عن تضحيات الرجال العاديين، الذين هم أبطال الحرب دون منازع.
بعد (٤٤) سنة على حرب أكتوبر تبقى قضية الوثائق أساسية فى قراءة التاريخ وإنصافه لا تزويره وتوظيفه لأهداف لم يقاتل، أو يستشهد من أجلها أحد.