الإثنين 19 نوفمبر 2018 1:51 ص القاهرة القاهرة 19.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

.. ورسالة إلى المسلمين المعجبين بقضاة وكنائس أمريكا

نشر فى : الخميس 9 فبراير 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 9 فبراير 2017 - 9:35 م
وسط ابتهاج المسلمين فى جميع أنحاء العالم بإبطال القضاء الأمريكى لقرارات الرئيس الجديد دونالد ترامب بحظر دخول مواطنى سبع دول إسلامية إلى الولايات المتحدة، وإعجابنا بالكنائس الأمريكية التى بادرت برفع الأذان الإسلامى من داخلها، تضامنا مع المسلمين الأمريكيين ضد سياسات ترامب التمييزية، وكذلك وسط تفاخرنا بالكنائس الفلسطينية التى قررت رفع الأذان من فوق أبراجها رفضا لقرار حكومة بنيامين نتنياهو بحظر الأذان الإسلامى بمكبرات الصوت فى القدس وضواحيها، وسط ذلك كله كم يا ترى بلغ عدد المسلمين المصريين والعرب الذين توقفوا ليسألوا أنفسهم، ماذا فعلنا، وماذا يجب أن نفعل فى مواجهة التمييز (الذى يصل أحيانا إلى حد الاضطهاد) ضد أصحاب العقائد غير الإسلامية فى بلادنا، بل ضد أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة عن المذهب السائد؟! وهو تمييز لا تمارسه فحسب السلطات الحاكمة، وأجهزتها البيروقراطية، ولكن يمارسه المجتمع أيضا على نطاق واسع، حتى فى الجامعات، وبعض الدوائر القضائية، كما اعتدنا أن نرى فى عبارة «عدم كفاية الأدلة» فى جميع الجرائم المرتكبة ضد الأقباط.

سأحكى لكم قصتين تلخصان بؤس وازدواج ثقافة عرب ومسلمى اليوم من استحقاقات الحداثة والديمقراطية.

فى سنة 1987 نظمت المملكة العربية السعودية معرضا ضخما فى بريطانيا تحت عنوان السعودية اليوم، وشارك دوجلاس هيرد وزير الداخلية البريطانية فى ذلك الوقت أميرا سعوديا كبيرا جدا فى افتتاح المعرض، وخلال الأحاديث المتبادلة بين الأمير السعودى والوزير البريطانى، سأل الأمير الوزير وهو فى حالة نشوة بنجاح حفل الافتتاح: هل تعرف يا مستر هيرد كم بلغ عدد المساجد فى بريطانيا اليوم؟.. فرد عليه الوزير: لا أعرف العدد بالضبط.. فقل لى سموك كم بلغ عدد المساجد عندنا فى بريطانيا ؟، فأجاب الأمير، وقد امتزجت النشوة بالفخر فى حديثه، إنها أربعمائة مسجد.. هنا، وبالبرود البريطانى المشهور، رد دوجلاس هيرد قائلا: إن هذا شىء يدعو حقا للفخر، ولكن قل لى يا سمو الأمير :كم يبلغ عدد الكنائس فى السعودية؟!

بالطبع لم يجد سمو الأمير ما يمكن الرد به على سؤال الوزير البريطانى، وحل الشعور بالحرج على الوفد السعودى كله، وكذلك على الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين شهدوا الموقف، لولا أن هيرد سارع بلباقة إلى تحويل مجرى الحديث، لكن الرسالة كانت قد وصلت، أو لنقل: لكن الرصاصة قد أطلقت
القصة الثانية حدثت فى عام 2012 فى أحد المساجد الكبيرة بحى شبرا فى القاهرة، ففى إطار برنامج حوار الأديان، دعا إمام وخطيب هذا المسجد وفدا من الكنيسة الإنجيلية الألمانية لزيارة المسجد، ولقاء المصلين به عقب انتهاء صلاة الجمعة، وما إن أمسك الرجل «بالميكروفون» ليقدم الضيوف وسط ترحيب أولى واضح من جموع المصلين، حتى انقض رجل ثلاثينى قصير القامة ذو لحية كثيفة، وجسد مكتنز، على المحراب مختطفا«الميكروفون» من يد الإمام، ليصرخ فيه: كيف تسمحون لعبدة الصليب، المؤمنين بالتثليث بدخول المسجد، والحديث فيه؟! وإذا بأغلب المرحبين من المصلين يصمتون، ثم يأخذون فى الانصراف، وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة منهم كانوا ساخطين على ما فعله هذا المنقض ذو اللحية، فإن صمتهم، وانصرافهم خذلا إمام المسجد.. ولم يجد الوفد الألمانى ــ الذى رأيت بعينى التصاق أعضائه ببعضها البعض ارتباكا وخوفا ــ سوى الرضا من الحوار بالانسحاب!

طبعا ذهبت أدراج الصراخ محاولتى ــ كأحد المصلين ــ لمؤازرة الإمام، بتذكير الجميع بأن رسول الإسلام (صلوات الله وسلامه عليه) استقبل نصارى نجران فى مسجده، وليس هذا فحسب، ولكن الحوار بينه وبينهم حول «طبيعة» السيد المسيح جرى فى المسجد.

يقودنا هذا الاستشهاد باستقبال الرسول لنصارى نجران فى مسجده إلى النظر فى الأساس الفقهى الذى يبنى عليه علماء الدين المتشددون فى السعودية رفضهم بناء دور عبادة لغير المسلمين فى المملكة، ومع ذلك يفخرون بتمويل بناء المساجد فى الدول غير الإسلامية، وكذلك إلى النظر فى الأساس الفقهى الذى يبنى عليه المتشددون فى غير السعودية من البلدان الاسلامية القيود المفروضة على بناء الكنائس، مثل لائحة العزبى باشا فى مصر، على الرغم من أن الكاتب لا يدعى التبحر فى الفقه، وعلى الرغم من أن سياق هذا المقال هو سياق سياسىو ثقافى، فى المقام الأول.

المتشددون فى السعودية يقولون إن النبى عليه الصلاة والسلام أوصى ألا يكون فى الجزيرة دينان، ولكن لو كان تفسير هذا الحديث هو ما يأخذ به هؤلاء المتشددون، لما كان الخلفاء الراشدون، ثم الأمويون، والعباسيون من بعدهم تركوا نصارى نجران، ونصارى تغلب على دينهم، دون إكراه على اعتناق الإسلام، أو الخروج الجماعى من شبه الجزيرة العربية.

أما الأساس الفقهى للتضييق على بناء الكنائس فى غير السعودية، فإن المتشددين يستمدونه من «العهدة العمرية» أى من العهد الذى قطعه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لمسيحيى القدس مقابل تسليمها للمسلمين صلحا، وكان من شروط هذا العهد بعد النص على حماية الأرواح والممتلكات والكنائس، وحظر إقامة اليهود فى المدينة، منع المسيحيين من بناء كنائس جديدة، لكن جميع الفقهاء المسلمين الكبار قبل العصر العثمانى، لم يروا أن هذه العهدة العمرية ملزمة فى جميع الأزمان، والأاكن، بل إن الليث بن سعد فقيه مصر، وقاضيها عبدالله بن أبى لهيعة ذهبا بنفسيهما إلى الوالى «المتشدد» ليبطلا قراره بمنع بناء كنائس جديدة، قائلين إن بناء الكنائس جزء من عمران البلاد.

...................

ما أردت الوصول اليه من «هذه النبذة الفقهية» فى السطور السابقة هو أن التمييز الذى نمارسه نحن المسلمون ضد غير المسلمين، أو حتى ضد المسلمين المختلفين عنا مذهبا هو فى الأصل منتج سياسى وثقافى، منحدر من عصور التخلف ونظم الاستبداد، وعززته الصراعات الدينية التى كانت من خصائص العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة، وبالتالى فليس هذا التمييز ركنا من أركان الدين، أو مقوما من مقومات العقيدة.

ويدعم هذا الاستنتاج أن أسلاف قضاة أمريكا، وقساوستها الذين يقفون اليوم ضد سياسات الرئيس ترامب وإدارته التمييزية ضد المسلمين كانوا يمارسون هذا التمييز إلى حد الاضطهاد فى العصور الغابرة، ليس ضد المسلمين وحدهم، ولكن ضد المسيحيين المختلفيين فى المذهب، فأرغم مسلمو الأندلس على اعتناق المسيحية، وكان يقتل منهم من يكتشف أنه يمارس العبادات الإسلامية سرا، وأحرقت محاكم التفتيش آلاف «المسيحيين» بدعوى الهرطقة، واستمرت الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت أكثر من ثلاثين سنة، ومنع الكاثوليك البروتستانت من إقامة كنائسهم، كما منع البروتستانت الكاثوليك من بناء كنائس لهم ،ناهيك عن تعالى الفريقين على الارثوذوكس، وظل بناء المساجد فى أوروبا وأمريكا محظورا حتى قبيل الحرب العالمية الثانية تقريبا، ولكن ذلك كله أصبح من الماضى البغيض، عندما انتصرت قيم الحداثة، والتنوير، ورسخت مبدأ تحرير الضمير الفردى من الإكراه السياسى والدينى، فى إطار من الوحدة الإنسانية، والمساواة الكاملة أمام القانون.

الدفاع عن هذه القيم ضد هجمة الفاشية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، والرعب من الارتداد إلى تلك العصور المظلمة، هما ما دفع كنائس أمريكا لرفع الأذان الإسلامى من داخلها، وما أملى على ضمائر القضاه الأمريكيين الحكم ببطلان قرارات ترامب ضد المسلمين، وهما ما دفع حاخامات اليهود الليبراليين فى نيويورك إلى التظاهر تضامنا مع المسلمين، بل إن بعض هؤلاء الحاخامات (غير الصهيونيين بالطبع) تعمدوا ارتكاب مخالفة ليقبض عليهم، حتى يعلم كل المواطنين الأمريكيين باحتجاجهم.

..........................

إن بقاء هذه القيم، وانتصارها فى المعركة الحالية هو إذن لصالح المسلمين فى المقام الأول، فما الذى سنساهم به كمسلمين فيها؟

لقد أخذ معلقون غربيون كثيرون على الحكومات الإسلامية، وعلى شعوبها أنها لم تحتج على قرارات ترامب، وأن بعض الحكومات والشعوب منتشية بفوز الرجل وبسياسته، وبالطبع فإن هذا مما يستوجب الانتقاد بل والسخط، لكن الاحتجاج، والتوقف عن الترحيب الرسمى والشعبى بالسياسات الأمريكية الجديدة نكاية فى تنظيمات الإسلام السياسى، ليس هما الطريقة الوحيدة لمساهمة المسلمين فى تلك المعركة التى نتحدث عنها، بل إن هناك ما لايقل أهمية، إن لم يكن هو الأكثر أهمية الآن، أقصد الاتساق الفكرى والأخلاقى، فلا يعقل أن نرفض التمييز الدينى والعرقى ضد المسلمين فى الولايات المتحدة وأوروبا، ونبقى نمارسه هنا ضد غير المسلمين من مواطنينا وفى بلادنا.

الاتساق الذى نتحدث عنه مطلوب من السلطات ومن المجتمع، ومن كل فرد، ولنأخذ الحالة المصرية كمثال، ففى الوقت الذى نعترف فيه أن السلطات الرسمية سياسية كانت أو بيروقراطية تمارس التمييز فى ميادين ومؤسسات كثيرة، فإن المجتمع يبدو فى أكثر الأحيان أشد رجعية، فقد توافق السلطات مثلا على بناء كنيسة، ولكن يحدث أن المجتمع المحلى يعرقل التنفيذ، فإن لم يستطع فسرعان ما يتداعى أفراد هذا المجتمع لإنشاء مسجد يحجب الكنيسة، كذلك فإن المجتمع هو الذى يبادر بالتمييز فى الوظائف غير السيادية، من أول معيد الجامعة، حتى موظف المحليات، وربما بين اللاعبين فى الفرق الرياضية، وكأنه لا يكفى تحيز السلطات فى الوظائف السيادية.

وفى الحالة السعودية كذلك فالذى لاشك فيه أن المجتمع هناك أكثر محافظة، وربما رجعية من الحكومة. ليس فى مواجهة غير المسلمين فحسب، ولكن أيضا فى مواجهة المرأة، والمسلمين من غير «الوهابيين».

.....................

بالطبع تقع على الحكومات مسئولية إنهاء سياساتها التمييزية، وفى الوقت نفسه عليها عدم الاستسلام لهذا الواقع المجتمعى البائس، فإن لم تكن قادرة، فلا أقل من أن لا تضيق الخناق على دعاة الحقوق والاستنارة بدعوى حماية الاستقرار والأمن القومى.. وما تريد إلا استقرارها فى السلطة، وأمنها فى التحكم.
عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات