من الأساسيات التى لا يختلف عليها اساتذة علم الاقتصاد، ان الاقتصاد مرهون بالسياسة، وأى نمو سياسى يعقبه نمو اقتصادى والعكس صحيح، وحينما حدثت حالات نمو اقتصادى فى أنظمة استبدادية، قام العلماء بتحليل الظاهرة وتوصلوا لفكرة النمو الناتج عن الاستبداد، والمشروط أساسا بالاستقرار وبوطنية الحكم، لكنها أشارت فى ذات اللحظة إلى أن ذلك فى النهاية لا يصنع نموا ينعكس على كافة طبقات المجتمع الذى يعيش تحت نير الاستبداد، لأن فئاته الغالبة لا تستطيع التعبير أو الاعتراض على ما تتعرض له من ظلم، ولذا يكون نوعا من النمو المنقوص غير المحبب والمرغوب فيه، والعكس ليس صحيحا على الإطلاق، فالديمقراطية لا تعنى أيضا التقدم الاقتصادى بمجرد تحقيق شروطها لأن هناك ايضا شروطا واضحة واجبة التحقق للعملية الاقتصادية ذاتها.
ورغم معرفتى بكل ذلك، فإننى أتصور أنه من الواجب، على كافة القوى فى مصر، اذا كانت مخلصة بالفعل، لبلدها وشعبها، بضرورة المحافظة على الوضع الاقتصادى وتنحيته بعيدا عن الخلافات والصراعات السياسية، لأن حجم التأثير الضار على الاقتصاد المصرى من هذه الخصومات يزداد يوما بعد آخر، ويذهب بسرعة نحو منطقة سيئة، لا نتمنى الوصول اليها، لأن نتائجها مرعبة بالفعل، إلى جانب أن إصلاح هذه النوعية من الاقتصادات، ليس من الأمور السهلة او اليسيرة، فحتى لو تحقق الإصلاح السياسى فى مراحل لاحقة، فإن حجم الضرر فى بنية الاقتصاد يكون من الصعوبة إصلاحه على وجه سريع.
واعلم جيدا، أن ما أشير إليه من ضرورة فصل الاقتصاد عن السياسة يبدو أنه أمر غير منطقى، إلا أنه بات الحل الوحيد فى ظل حالة الاحتقان السياسى، والتى يبدو أنها لن تهدأ قريبا، لذا أرى من الضرورى الإسراع فى ما أشير إليه، بحيث تتوافق القوى السياسية على عناوين رئيسية للإصلاح يدعمها الجميع وتظل مشفوعة بدعمهم، وبذل الجهد الجمعى من أجل إنجاح اتجاهات هذه العناوين، وإسنادها لقيادات وشخصيات متفق عليها بعيدا عن تقلبات السياسة، التى باتت العدو الاول للحالة الاقتصادية فى البلاد.
حينما أتحدث عن فصل الاقتصاد عن السياسة، اعلم جيدا أننى أتحدث عن فصل توأم ملتصق، وأتحدث عن عملية تكاد تكون شبه مستحيلة، لكن اعلم ايضا أنها ممكنة، خاصة واننا نسمع دوما ان الجميع، حكومة ومعارضة، يتفقون على ضرورة تحقيق اهداف الثورة، وفى المقدمة منها العدالة الاجتماعية، وما يحدث هو المزيد من الاضرار بحياة فقراء مصر، ومن المفترض ان الثورة قامت من أجلهم، كما يقول قادة العمل السياسى صباح مساء، فلما لا يتوافقون عليه، على الاقل حتى يجدوا حلولا لبقية مشاكلهم.
أجندة الاقتصاد واسعة، تبدأ من الخبز والطاقة، وتمر بكل شىء الصحة والتعليم، وتوفير فرص العمل، لكنها لا تنتهى أبدا عند قرض صندوق النقد الدولى، الذى بشرنا مساعد الرئيس أمس أن هناك أنباء سعيدة بخصوصه فى الأيام المقبلة، أعتقد أن التوافق حول الاسهام فى حل المشكلة الاقتصادية، أهم من أخبار الصندوق السعيدة، وأيضا أهم بكثير من العناد السياسى، الذى سيذهب بنا جميعا إلى الجحيم. أرجو أن تحاولوا فصل هذا التوأم الملتصق، وتسيير أمور العباد، فهذا الشعب الذى تحمَّل الكثير من أجل الثورة لا يستحق هذه النتائج.
(صديقى خبير اقتصاد قال لى إن الكثير من حلول المشكلات الكبيرة بدا لأول وهلة أنه محض خيال.)