الأحد 19 نوفمبر 2017 9:57 م القاهرة القاهرة 20.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

الحنين حين يصيبنا

نشر فى : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م
نشرت صحيفة الخليج الإمارتية مقالا للكاتب «حسن مدن» وجاء فيه؛ أحد كبار الكتاب ينصحنا بألا نعود إلى المكان إذا أصابنا الحنين إليه، ولعله بهذا القول يحذرنا من الصدمة التى تنتابنا حين نجد المكان الذى اجتاحنا الحنين إليه، لأنه ارتبط فى أفئدتنا وعقولنا بذكريات جميلة، فلا نجده كما كان، أو على الأقل لم تعد صورته وتفاصيله تتطابق مع تلك القابعة فى مخيلتنا، أو ذاكرتنا عنه. كأن الكاتب بذلك أراد أن نظل محافظين على «نقاوة» الصورة التى نحملها عن المكان، فلا نخدشها بما قد يفاجئنا من تغيرات وتحولات فيه.

لكن من منا بوسعه مقاومة هذا الحنين إلى تلك الأمكنة الأثيرة إلى نفوسنا التى بعدنا عنها طوعا أو كرها، فوجدنا أنفسنا بعيدين عنها جسدا، لكننا بقينا مشدودين إليها عاطفة وقلبا. لا أحد منا سيأخذ نصيحة هذا الكاتب على محمل الجد بألا يعود إلى تلك الأمكنة، على الأقل برغبة رؤيتها وتفقد مرابع الذكرى فيها، والمشى برجلين حرتين فوق ترابه.

لكن البعد عن المكان الأليف بالنسبة إلينا ليس بالضرورة بعدا جغرافيا، بأن ننتقل من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، فقد يكون بعدا فى الزمن، بمعنى أن صورة المكان المقترنة بطفولتنا، أو صبانا وشبابنا، لم تعد تتطابق مع صورته الراهنة، وقد بتنا كهولا وربما شيوخا أيضا، فقد تبدلت هذه الصورة بشكل يكاد يكون تاما، فنظل مسكونين بالحنين إلى تلك الصورة لأنها الأقرب إلى قلوبنا، ولأنها اقترنت بأجمل سنوات أعمارنا، وبأعذب ذكرياتنا وأوقاتنا.

فى هذا الزمن سريع التغير الذى لشدة سرعته لا يتيح للمعالم أن تعيش طويلا، حيث ما أسرع ما تخلى مكانها لمعالم جديدة، قد تكون أجمل وأحدث بكثير من تلك التى كانت سابقا، لكنها تفتقد الألفة التى كانت لنا مع سابقاتها. وقلنا غير مرة إنه ما من مدينة عربية تقليدية أخلت مكانها لمدينة حديثة لا تشبهها كما هى المدينة فى الخليج. وهنا بالذات أكثر من أى مكان آخر، يبدو المكان مهددا بفقدان الذاكرة، خاصة أن رموز الجيل الذى يمكن أن يروى ذاكرة هذه المدن رحلوا ويرحلون، ما يضع على عاتقنا واجب تسجيل ذاكرة أماكن وبيوت وأزقة ومدارس كانت لنا حضنا ذات يوم.

قبل سنوات عرضت شهادة للأديبة الكويتية ليلى العثمان عن أثر «الكويت القديمة» فى كتاباتها، أذكر أن تلك الشهادة شدتنى رغم عدم معرفتى بالأماكن الكثيرة التى تتحدث عنها ليلى، ولكنى فى تلك الأماكن كنت أرى صورة المدينة الخليجية القديمة عامة التى اندثرت لمصلحة مدينة أخرى، إن مدننا اليوم عالمية ونتصرف فيها كما نتصرف فى أى مدينة عالمية أخرى نزورها، فلا نجد أنفسنا حين نبحث عنها فيها.
التعليقات