الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 1:46 ص القاهرة القاهرة 22°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

أبعد من أسوان

نشر فى : الأحد 13 أبريل 2014 - 8:45 ص | آخر تحديث : الأحد 13 أبريل 2014 - 9:17 ص

عندما هاتفنى القاضى الصديق صباح الأحد الماضى ليعرب لى عن قلقه من صورة «بشعة» نشرتها الصحف لعدد من الجثث المسجاة على عربة «كارو»، معتقدا أنها «صور أرشيفية» للحرب «الأهلية» فى الصومال، طالبا منى أن أتصل بمن أعرف من رؤساء التحرير لمعالجة «ما اعتبره خطأ جسيما»، أمهلته حتى أتيقن. وسرعان ما اكتشفت للأسف أن الصورَ/ المأساةَ حقيقية، وأن المصورَ هو أحد مصورى/ صحفيى هذا الزمان، الذى يحمل فيه كل منا فى جيبه هاتفًا محمولا يمكنه أن يلتقط الصورَ أو مشاهد الفيديو وينشرها فورا على مواقع التواصل الاجتماعى «الوسيلة الإعلامية الجديدة».

الصورة كانت للأسف من أسوان التى عهدناها «هادئة»، ولم تكن من الصومال حيث لم تكن هناك «دولة» يوما ما.

•••

كالعادة يريحُ البعضُ نفسَه بإلقاء تبعةِ ما جرى «ككل ما جرى» على عاتق «المؤامرة» التى يَحْمِلُ وزرها فى «كل خطابنا» الإعلامى، بل وبعض الرسمى هذه «الجماعة» أو تلك «الدولة». مما يذكرنا بأحاديث لم تتوقف لهذا الزعيم أو ذاك عن مؤامرات غربية أو «كونية»، لم تكن «واقعيا» لتنقذه أو تنقذ وطنه أبدا من مصير منطقى تؤدى إليه المقدمات «الواقعية». فلا خطاب صدام أو القذافى عن «المؤامرة» أنقذ أيهما من نهاية «الحفرة»، ولا خطاب البشير «أو جماعته» أنقذ السودانَ من تقسيم جاء نتيجة استفتاءٍ صوت فيه أكثر من ٩٩٪ من الجنوبيين للانفصال.

فى ملف ما جرى فى أسوان أوراقٌ كثيرة، بعضُها قديمٌ متوارث، وبعضُها متراكم، وبعضُها يرتبطُ بشعورٍ يتزايد بالعدمية، وانسدادِ الأفق.. وغياب دولة القانون. خاصة بين جيل جديدٍ يفكرُ «بطريقته .. لا بطريقتك».

فى الملف أوراقٌ روتينية «لا جديدَ فيها» مثلها مثل تلك التى يعلوها الغبار فى أرشيف المصالح الحكومية. ولكن فيه أيضا، وسط نشاز «الأسطوانات المشروخة»؛ عن المؤامرة.. والتنمية.. والقبيلة، ما لم ننتبه إليه، أو على الأقل ما لم نعطه حقَه من الاهتمام والدراسة والعناية. وسأحاول أن ألفت بعض الانتباه هنا إلى قضايا ثلاث أحسبها مع غيرها كانت فى خلفية المشهد الصادم، والصورة الدامية.

•••

١ــ المواطنة .. والهوية

يتحدث الجميعُ، فى المناسبات خصوصا عن «المواطنة». ورغم أن المصطلح، عبر الزمن كان قد جرى «خصخصته» واستخدامه من جانب كل اللاعبين والمغامرين، إلا أنه يظل فى تعريفه البسيط لا يعنى أكثر مما ينص عليه دستورنا الجديد «والقديم»، ككل الدساتير التى عرفنا من أن: «المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر». ـ المادة ٥٣، وهى المادة التى اعتقد المصريون بعد ما اعتبروه «ثورةً» فى يناير أنهم يستعيدون «بتطبيقها» ما جاءت لهم به ثورةُ يوليو من مساواةِ «كلُنا سيدٌ فى ظل الجمهورية»، إلا أن رياح السنوات الثلاث لم تأت بما تشتهى السفن، وأحلام «شباب» انخرط فى تنظيف «ميدان» الحادى عشر من فبراير ٢٠١١ سرعان ما تبخرت بعد أن اتضح أن أيا من الذين تولوا الأمر بعد «ثورة»، لم يكن جادا أو صادقا فى فهمه أن الثورة بالتعريف تعنى تغييرا جذريا لنظام ثار الناس عليه، وليس مجرد تغيير لساكن قصر تحكمه العقلية «التوليتارية» ذاتها. وأن حركة بهذا الحجم، إذا تم اختزالها فى إنهاء مخطط التوريث، أو توريث «جماعة حاكمة» لجماعة حاكمة أخرى، سيُبقى النار حتما تحت الرماد.

«كلنا سيدٌ فى ظل الجمهورية» الذى كنا نقرؤه على أغلفة الدفاتر المدرسية فى الستينيات «وما أدراك ما الستينيات»، أو «المواطنون ... سواء» الذى خطه بقلمه كل من كتب دستورا فى مصر، كان قد تحول بالتدريج إلى شعار لا مضمونَ له مع التغيرات المجتمعية (سياسية واقتصادية) التى أخذت مكانها فى المجتمع المصرى تدريجيًا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، مؤسِسَة لنظام مجتمعى «تمييزى»، ترعاه الدولة يقوم على السيطرة الكاملة، سياسيًا واقتصاديًا «للأوليجاركيا» التقليدية، التى كانت من الحمق بحيث لم تتردد أيضا فى كل استثمار ممكن «للهويات والانتماءات» الفرعية أو البديلة؛ قبليةٍ أو دينيةٍ أوعشائرية، لحسابات سلطة أو صندوق أو نفوذ. (فعلها الأمن، والحزب الوطنى والإخوان المسلمون، كلٌ بطريقته) مما تبخر معه تدريجيا الإحساس بالمساواة، الذى هو أساس الإحساس بالمواطنة. وكان ذلك، لمن نسى أو لا يريد أن يعترف، أحد الأسباب الرئيسة التى دفعت الناس إلى الشوارع فى تلك الأيام من يناير ٢٠١١، مطالبين «بإسقاط النظام» وكذا «بالعدالة الاجتماعية». مدركين الرابطة العضوية بين هذا وذاك. والحاصلُ فى نهاية المطاف أن «نظامًا» لم يسقط، وأن «عدالةً» لم تأت.

شكا المستيقظون بعد «حلم ثورة» من افتراض احتكار البعض للحقيقة المطلقة، ومن ثقافةٍ تراكمية بدت «تمييزية» للآخرين. فثار «الجمع» ثانية على «جماعةٍ» يعاقبونها على أنها احتفظت بالنظام مكتفية «بتغيير القبعات». ليتغير المسرحُ مرة ثانية ولكن تبقى (حتى اللحظة على الأقل) ثقافةُ الكواليس «التمييزية» حاكمة. بدا وكأن الصورَ والمشاهدَ والشخوص هى وحدها تتغير، أما «الملقن»، صاحب الثقافة والنص، فالبادى أنه لم يحتفظ فقط بالنص القديم، بل أخرج من حقيبته «الأكثر رداءة».

•••

٢ــ القانون..

تعلمت ممن أعرف من القضاة أن «العدالة» ليست مجرد نصوص وأحكام، بل «إحساس» يتحقق بأن يشعر الناسُ أن هناك من يمكنهم أن «يطمئنوا» الى حيدته وعدله فيحتكمون اليه فى نزاعاتهم وخصوماتهم. وأنه، إذا اهتزت، لسبب أو لآخر ثقة الناس بهذه المنصة، وذاك الميزان يفقد المجتمع أهم عناصر تماسكه «واستقراره». ويلجأ هذا المواطن أو ذاك لأن يأخذ حقه «أو ما يتصور أنه حقه» بيديه. بديلا عن القانون وسلطة الدولة. أخشى أن ظلال شىء من ذلك كانت موجودة فيما جرى فى أسوان.

إذ يبقى على الهامش، وفى خلفية المشهد «الدامى» أن فى الأسبوع ذاته الذى شهد ما جرى فى أسوان من التجاء الأطراف المتنازعة للعنف والسلاح، بديلا عن القانون وسلطة الدولة، كانت أصداء القرار بإعدام ٥٢٨ «مواطنا» مرة واحدة لم تخفت بعد. كما كانت نتائج القرار «الذى ــ إجرائيا ــ ليس فى محل التنفيذ» أخطر من القرار ذاته. فبالإضافة إلى ما أضافه «القرار» إلى ملف «فقدان الثقة» الذى بدا وقد ازدحم فى الأشهر الأخيرة، لم يكن التهليل والتصفيق له من البعض، على الناحية الأخرى إلا دلالة على أن «دماء الآخر» صارت رخيصة.. ولهذا بالضرورة نتائجه.. ومخاطره.

•••

٣ــ جيل جديد وعصر جديد

فى ملف ما جرى فى أسوان يظهر البعد «الجيلى» الذى كان وراء ما جرى فى يناير ٢٠١١، ومازال هناك من لا يريد أن يفهمه أو يعترف به. فأنماط السلطة «القديمة» لم تعد قائمة فى عصر ما بعد الحداثة، حتى فى ضواحى أسوان المهمشة. ولهذا لم يكن غريبا أنه فى الوقت ذاته التى احتفى فيه الإعلام «التقليدى» باجتماع رموز السلطة «الرسمية» بشيوخ القبائل «وكبارها»، كان الشباب «فى الشارع» يستأنفون صراعهم ليسقط ضحايا جدد.

ثم أن هذا عصرٌ «شبكىٌ» جديد. تتوارى فيه الصورةُ التقليدية للمجموعة الشمسية «المركزية» لتفسحَ مجالا لصورةِ شبكيةٍ Multi Nodes لم تعد فقط أساسًا للبناء التركيبى لشبكة الإنترنت العولميةِ العنكبوتية، بل امتدت «حاكمة» للكثير من مظاهر الحياة، بل وطريقة التفكير ذاتها. ولعل نهاية عصر العلاقة «المركزية» التقليدية إعلاميا بين المرسل والمتلقى فى زمن تويتر ويوتيوب يوضح أحد أنماط هذا التغيير. والذى إن لم ندرك أبعاده جيدا، سنفشل حتمَا فى فهم كثير مما يجرى حولنا، بما فيه الجيل الجديد من الثورات؛ ملونة كانت أو «ربيعية». كما سنفشل أيضًا فى فهم بعضٍ مما جرى فى أسوان.

•••

يبقى أن لا مشكلة فى أن يغنى محمد منير بلغته «النوبية»، كما لا مشكلة فى أن تستعيد «النوستالجيا» اليسارية أغنية محمد حمام «النوبى» للسويس الباسلة، كما لا مشكلة فى جهد «دولى» للحفاظ على ثقافة أو لغة النوبيين من الاندثار. فهكذا تفعل اليونسكو مع أكثر من ألفى لغة مهددة بالانقراض. باختصار لا مشكلة فى التنوع، «فالتنوع ثراء». والمشكلة لا تبدأ إلا عندما تفشل الدولة فى إدارة التنوع. قارنوا بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية، وبين سوريا بشار، أو عراق صدام وما بعده.

لم تكن هناك مشكلة فى أن يذيع صوت العرب فى الستينيات؛ الواثقةِ من نفسها مسلسلَ «الشمندورة» للكاتب اليسارى النوبى محمد خليل قاسم (كتبها فى معتقل الواحات). ولكن المشكلة أن يصح ما نشر من امتناع التلفزيون المصرى (٢٠١٤) عن انتاج المسلسل. كما أن المشكلة فى أن هناك من لم يقرأ بعد الفقرة الثانية من المادة ٢٣٦ من دستورنا الجديد.

•••

وبعد ..

قد يكون العامل «الإثنى» هو الأكثر حضورا فيما جرى فى أسوان البعيدة، وقد يستريحُ البعض إلى العادة "الأمنية" فى البحث عن «من نعلق فى رقبته الجرس»، ثم نتسرع «باستعراضه» هكذا على شاشات التلفزيون، دون احترام للقانون أو للدستور الذى «رقصنا» احتفالا بالموافقة عليه (المادتان ٥٥ و ٩٦) ولكن لا العامل الأول، ولا «الصورة» الثانية، ينبغى لهما أن يصرفا أنظارنا عن بعض حقائق تستحق أن نوليها بعض الاعتبار:

١ـ أن هذا العامل «الإثنى / القبلى» كان موجودا طيلة الوقت، ولكننا لم نر من قبل هذا القدر من الدماء، أو هذه الدرجة من العنف.

٣ـ أن أخطارا كنا نظن دائما أنها تخص الآخرين، بدا أنها اقتربت أكثر مما نظن. وأن عصرًا جديدًا، وأسئلةً جديدة، ومعادلات جديدة للقوى فى عالمنا المعاصر تستوجبُ منا أن نعيدَ النظر فى مفاهيمنا القديمة للأمن القومى.

٤ــ أن الالتجاءَ إلى العنف؛ فرديا كان أو جماعيا لحل النزاعات بديلا عن جهات إنفاذ القانون، هو بالتعريف «غياب للدولة».

ثم .. قد يكون هناك من يظن أن أسوان بعيدة، وقد يكون ذلك صحيحا نسبيا بمقاييس الجغرافيا (٦٨٥ كم من القاهرة)، ولكنى أخشى «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدا، وَنَرَاهُ قَرِيبا» نسأل الله الهداية، والحكمة.. والرحمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات