الإثنين 19 نوفمبر 2018 6:39 م القاهرة القاهرة 22°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الأزمة والبلدوزر

نشر فى : السبت 13 يونيو 2015 - 8:55 ص | آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2015 - 8:55 ص

تحتاج مصر أن تضع كمامة ثلج فوق رأسها المشتعل وتواجه الحقيقة دون تهرب من استحقاقاتها.

فكل شىء مهدم تقريبا ويحتاج إلى بناء جديد بعد إزالة أثقال الماضى التى تعطل كل حركة وتنفى أى أمل.

الحوار العام مدخل إجبارى للاضطلاع بمسئولية البناء والقدرة فى الوقت نفسه على دحر الإرهاب.

تغييبه يعنى بالضبط حجب كل فرصة ممكنة للاصطفاف الوطنى.

الاصطفاف لا يعنى على أى نحو أن يقف جميع المواطنين فى طابور يقولون الكلام نفسه.

حيوية أى اصطفاف فى تنوعه وقوته فى قدرته على بناء التوافقات العامة.

بمعنى أوضح التوافق غير الإملاء.

الأول مشروع نهوض والثانى منزلق خوف.

أول شروط الحوار الضرورى أن تكون البيئة العامة مهيئة لتقبل الاختلاف فى الرأى دون طعن فى أصحابه أو نيل من كرامتهم الإنسانية.

بقدر اتساع المجال العام تتأكد قوة النظم السياسية وتتسع طاقتها على تعبئة أفضل ما فى مجتمعها.

المسألة من أولها إلى آخرها أن تكون هناك قواعد دستورية وقانونية تحترم.

أخطر وجوه أزمة الحوار العام أن الدستور نفسه جرت تنحيته بقسوة، لا قيمه محل اعتبار ولا التزاماته تنفذ.

هذا شرخ فادح فى الشرعية لا يصح التهوين من خطورته.

فى تنحية الدستور تغييب لأية قواعد تحكم الأداء العام.

باليقين هناك جهود مضنية تبذل، غير أنها تفتقد أية خطة واضحة تحدد طبيعة أى أزمة وأفق حلها.

فى أى مصارحة بالحقيقة لا توجد منظومة صحية على أى قدر من الاحترام لأبسط حقوق مواطنيها ولا منظومة تعليمية على أى صلة بالعصر واحتياجاته ولا منظومة عدالة وأمن تليق ببلد قام بثورتين.

بنية الدولة كلها متآكلة وتحتاج إلى خطة عمل تعيد بناءها.

خطة العمل طويلة النفس شىء ومداهمات كبار المسئولين لمواضع الإهمال الجسيم شىء آخر تماما.

الأولى تدخل جراحى حاسم والثانية علاج موضعى لمرض ينخر ويتفشى يبحث أحيانا عن «أكباش فداء».

فى بداية حكم الرئيس «عبدالفتاح السيسى» طلب من وزرائه الحضور إلى مقار عملهم فى السابعة صباحا.

كانت فكرته أن حجم العمل المطلوب يتطلب درجة الالتزام المعهودة فى الجيوش المقاتلة.

لم تكن التجربة إيجابية ولا كان الوزراء مقاتلين.

بدت الحركة المفرطة بلا دليل عمل أقرب إلى المجهود العضلى بلا نظر إلى عوائده.

بمضى الوقت تحولت الحركة إلى روتين لإثبات الوجود دون مواجهة جدية لأغلب الملفات المتراكمة.

وبمضى الوقت تحولت فكرة «الوزير البلدوزر» إلى عبء إضافى على الأداء العام.

دور المسئول التنفيذى أن يخطط قبل أن يفتش وأن يضع يده على مواطن الخلل الرئيسية قبل أن تستغرقه جولاته.

العمل التنفيذى هو بالأساس عمل سياسى.

هذه ليست مشكلة رئيس الحكومة المهندس «إبراهيم محلب» فقد اختير لمنصبه الرفيع باعتباره رجلا تنفيذيا ميدانيا من خبرته الطويلة فى المقاولات العامة.

باستثناء وزير أو اثنين غاب الوزراء السياسيون تماما من المشهد، وهذا أفقر العمل الحكومى بفداحة.

وفق الدستور فإن الحكومة هى «الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة» وأول اختصاصاتها «الاشتراك مع رئيس الجمهورية فى وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها».

لا شىء من ذلك قد حدث.

بصورة أو أخرى عادت الحكومة إلى موقعها القديم كـ«سكرتارية للرئيس» دون أن تكون هناك خطة عامة تضمن الحد الأدنى من التضامن الوزارى.

هذا من أسوأ التطورات السلبية التى تستدعى تصحيحا عاجلا وإلا فإننا سوف نقرأ التاريخ نفسه فى نسخة جديدة.

القضية الرئيسية إنفاذ الدستور ونقطة البدء تعديل القوانين المنظمة للانتخابات النيابية حتى يكون هناك برلمان يمثل حركة المجتمع الحقيقية ويضطلع بصلاحياته فى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وتشكيل الحكومة وعزلها.

فى تغييب البرلمان مصادرة لفكرة توازن السلطات وفق الدستور.

لا يمكن أن تتأسس دولة حديثة على رجل واحد.

هو يطلب الشراكة فى تحمل المسئولية لكن أية شراكة تتطلب وحدة فى التصورات على حدها الأدنى ووحدة أخرى فى إرادة العمل.

بصورة رمزية أعرب الرئيس عن عدم رضائه على الأداء الحكومى وأنه لم يرتفع إلى مستوى ما هو مطلوب منه.

أمام حشد عام تساءل الرئيس: «أين هو البلدوزر؟».

الإشارة كانت إلى رئيس الحكومة الذى كان قد وعده قبل الانتخابات الرئاسية بأنه سوف يمضى أمامه كـ«البلدوزر» يفسح الطريق ويزيل العقبات.

الرواية الرئاسية تستحق التوقف عندها من زاويتين.

الأولى، أنه لم يكن من حق المهندس «محلب» رئيس الحكومة المكلف من الرئيس الانتقالى المستشار «عدلى منصور» أن يتعهد بمثل هذا الكلام لمرشح محتمل، أيا كانت فرصه فى تولى المنصب الرئاسى بأغلبية ساحقة.

إنها مسألة قواعد دستورية وقانونية خرقها يطعن بأن الحكومة لم تكن على الحياد فى الانتخابات الرئاسية.

والثانية، أنه لم يكن مناسبا، بغض النظر عن الرأى فى مستويات الأداء الحكومى، أن تجرى المساءلة الرئاسية على نحو علنى، فالقواعد تقتضى أن تجرى مثل هذه المساءلات فى الغرف المغلقة وإلا فإن الوظيفة العامة تفقد هيبتها.

بحكم أية قواعد بأى مكان بالعالم فإن السلطة التنفيذية تضامنية والحساب له أصوله، فإذا كان الرئيس لا يرضى عن مستوى الأداء فإن من حقه تغيير الحكومة.

المساءلة بهذه الطريقة تعمق من ظاهرة العزوف عن تقلد الوظائف العامة.

الرئيس نفسه اشتكى من هذه الظاهرة.

حسن النية متوافر لتحسين الأداء لكنه لا يبرر ألا تكون هناك قواعد فى عمل السلطة التنفيذية حتى تستقيم الأمور.

فى الفجوة بين إرادة البناء وضباب السياسات يجد أى «بلدوزر» نفسه فى مأزق.

يقف على أطلال الماضى لكنه لا يرفعه ويطل على المستقبل لكنه لا يدخله.

لا يعرف موضعه على خريطة العمل، فهو يتحرك طوال الوقت دون أن يتوقف لينظر حوله ويرى فعله فى سياق.

أمام أزمة مستعصية تعترض هذا البلد فإنه يحتاج إلى فتح شرايين الحوار العام حتى لا تستنزف حركة البناء طاقتها ويخسر العمل المضنى إلهامه.