الأربعاء 26 سبتمبر 2018 9:56 ص القاهرة القاهرة 26°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

عن الخطاب المعارض للسياسة الاقتصادية الحكومية

نشر فى : الإثنين 14 نوفمبر 2016 - 10:55 م | آخر تحديث : الإثنين 14 نوفمبر 2016 - 10:55 م

تغير المشهد الاقتصادى تغيرا كبيرا نتيجة القرارات الاقتصادية الأخيرة وإن كان فى اتجاهات مختلفة. من جهة فهى بالتأكيد تتيح فرصة أفضل لجذب الاستثمار الأجنبى، واسترداد السياحة، وزيادة التصدير، كما أنها تعيد التعامل الدولارى داخل القطاع المصرفى. ولكنها من جهة أخرى أدت إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية، وارتفاع أسعار الوقود ومعها تكلفة النقل والانتاج الزراعى والصناعى والخدمى، وزيادة أسعار المواد الغذائية، حتى بات كل منزل فى مصر مهموما باحتساب امكاناته وقدرته على التعامل مع هذا الوضع الجديد. نحن إذن أمام مشهد معقد، يتوقع المحللون أن يسفر عن تحسن تدريجى فى المؤشرات الكلية، ولكن آثاره التضخمية على غالبية الشعب المصرى قاسية للغاية خاصة مع التوقعات السائدة بمزيد من ارتفاع الأسعار، ومع غياب السياسات التعويضية الكافية.

ولكن ما أود الإشارة إليه اليوم هو موقف القوى السياسية المعارضة من هذه القرارات، وأقصد تحديدا الأحزاب والتيارات المنحازة لمصلحة الطبقات المتوسطة والفقيرة، والتى انتقدت هذه القرارات استنادا إلى انها أدت وسوف تؤدى إلى مزيد من إفقار الشعب المصرى. ومع تقديرى واحترامى لهذه القوى السياسية وانحيازها المبدئى لمصلحة الجماهير، إلا أننى أخشى أن تستند إلى أسباب خاطئة، وتطرح حلولا غير واقعية، بينما ينتظر الناس منها ما هو أفضل من ذلك. وسوف أتطرق هنا إلى ثلاثة موضوعات محددة لبيان ما أقصد.

الموضوع الأول هو ضرورة التفرقة بين الأسباب التى دفعت بالبلد إلى الأزمة الاقتصادية الراهنة وبين نتائجها. فليس تحرير سعر الصرف ولا زيادة أسعار الطاقة ولا فرض ضريبة القيمة المضافة هو ما أدى إلى إفقار الشعب المصرى، بل السياسات الاقتصادية التى دفعت إلى تفاقم الأزمة وبالتالى إلى هذه النتائج الحتمية. ويأتى على ذلك تعثر إدارة ملف الاستثمار فى أعقاب مؤتمر شرم الشيخ، والاعتماد على تنفيذ مشروعات قومية عملاقة بسرعة وتكلفة غير مبررين، ومنافسة الدولة للقطاع الخاص فى مجالات لا تحتاج تدخلها، وعدم مواجهة الفساد بشكل مؤسسى، وغياب سياسة اجتماعية شاملة تتجاوز ما تقدمه وزارة التضامن الاجتماعى من معاشات ودعم نقدى، وغلق قنوات المشاركة المجتمعية والبرلمانية فى صنع القرار الاقتصادى، واستمرار حالة الاحتقان السياسى. هذه هى أسباب الأزمة وعلينا أن نسعى لتصحيحها بدلا من مجرد الانشغال بنتائجها.

والموضوع الثانى هو الموقف من السياسة الضريبية. فى العالم مدارس واتجاهات اقتصادية تتراوح بين الدعوة لخفض الضرائب وخفض الانفاق الحكومى وانسحاب الدولة من المجال الاقتصادى، وبين المطالبة بزيادة الضرائب من أجل توفير الموارد المطلوبة لتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. ومع انحيازى للاتجاه الثانى إلا أنه لكل من الرأيين منطقه المتسق مع ذاته. وما انتقده هو أن تتبنى المعارضة موقفا متناقضا مع نفسه، فتطالب بزيادة الانفاق العام فى مجالات حيوية ومهمة مثل التعليم والصحة والصرف الصحى والنقل العام، وتعارض فى ذات الوقت كل ضريبة جديدة مهما كانت عادلة ومتزنة كما هو الحال مع الضريبة العقارية التى لا تزال هزيلة بالمعايير الدولية، وضريبة القيمة المضافة التى صدرت بمشاكل كثيرة يلزم تصحيحها ولكن تظل مطلوبة من حيث المبدأ، ومد المظلة الضريبية على الأنشطة غير الرسمية، وزيادة رسوم الشهر العقارى وغيرها من الضرائب والرسوم التى لا تعبر عن انحياز ضد الفقراء بل توفر الموارد الضرورية لحمايتهم. من يريد مزيدا من الإنفاق العام ومزيدا من الحماية الاجتماعية ومزيدا من التنمية البشرية فعليه أن يقبل بمزيد من الضرائب العادلة والشاملة.

وأما الموضوع الثالث فيتعلق بقضية الاستثمار. وهنا لا أشك فى أننا جميعا ضد الفساد والمحسوبية فى الاستثمار، وضد منح المزايا والإعفاءات للشركات الكبرى وحدها، وضد إهمال الصعيد والمحافظات الحدودية، وضد الاستثمار الذى يهدر الموارد الطبيعية أو يهدد صحة المواطنين، وضد استغلال العمال والتمييز بينهم. كل هذا ليس محل خلاف بل ينبغى أن يكون أساسا لسياسة استثمارية تنموية ومتوازنة. ولكن من يؤمن بأن للاستثمار الخاص دورا مهما فى زيادة الإنتاج والتشغيل عليه ألا ينجرف وراء أفكار غير واقعية مثل تدخل الدولة لتحديد مجالات الاستثمار، وتحديد هوامش الربح، ومنع تحويل الأرباح المحققة بشكل مشروع إلى الخارج. إن كنا متفقين على أهمية الاستثمار فلابد من منحه الظروف المناسبة للنمو والنشاط والتنافس، دون أن يعنى ذلك بالضرورة فسادا ولا انحرافا ولا انحيازا للأثرياء.

هذه بعض أمثلة للمراجعات المطلوبة من جانب قوى المعارضة المصرية إن شاءت أن تقدم طرحا بديلا وواقعيا للمسار الاقتصادى الراهن. وما سبق ليس انتقادا لها من موقع الخصومة، بل ما يدفعنى إليه هو الحرص على مصداقية أصوات المعارضة والنقد التى يحتاجها البلد كى يخرج من عثرته. وهذه المصداقية لن تتحقق فى المجال الاقتصادى إلا إذا تجاوزت المعارضة الحالة الاحتجاجية الراهنة وتصرفت باعتبارها قادرة على المنافسة على الحكم وعلى تحمل مسئوليته مهما كان الظرف السياسى الحالى لا يسمح بذلك، واعتمدت على معلومات وبيانات سليمة، وأقرت بندرة الموارد المتاحة، وأبدت استعدادا للمفاضلة بين بدائل صعبة فى إطار سياسة اقتصادية متكاملة ومتسقة مع نفسها.

مصر تحتاج بالتأكيد لأن تراجع الدولة سياستها الاقتصادية التى دفعت بنا إلى حافة الهاوية، ولكنها تحتاج أيضا وبنفس القدر إلى معارضة قوية ومنظمة وصاحبة مصداقية، وإلى مراجعة شاملة لموقفها من الأزمة الاقتصادية، وإعادة تقييم للحلول التى تطرحها، لأن غياب هذا الصوت البديل خسارة لنا جميعا.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.