السبت 25 مارس 2017 8:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

شباب

نشر فى : الأربعاء 15 فبراير 2012 - 9:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 15 فبراير 2012 - 9:25 ص

يوم الجمعة مشينا فى مسيرة مصر الجديدة. التقينا بها قبل ميدان تريومف بقليل فمشينا: تريومف، سفير، سانتا فاتيما، روكسى. ثم توقفنا فترة فى أول شارع الخليفة المأمون بينما أحصى من فى المقدمة عدد حواجز الجيش التى تعترض طريقنا، وتدبروا الأمر فاستدارت المسيرة واتجهت إلى شارع جسر السويس، فجاءت وقفتنا فى النهاية ليست أمام وزارة الدفاع فى شارع الخليفة المأمون بل وراءها من ناحية كوبرى القبة. وضمت على مسيرتنا مسيرات مدينة نصر ورمسيس فقُدِّرَت الأعداد بنحو الخمسين ألفا. ولو أتانا زائر المريخ الافتراضى لظن أننا فى رحلة جامعية كبيرة؛ معنا الهتافات والسندويتشات والموسيقى والطبول والروح العالية التى أنعم الله بها على المصريين ــ ومن ثم على الثورة ــ والتى تُحَوِّل كل لَمَّة إلى تجسيد مبهر لزخم الحياة وطاقتها. أما إن كان المريخى يعرف العربية فكان حتما سيدرك الرسالة الواضحة: «عسكر عسكر عسكر ليه؟ ورثتونا واللا إيه؟»، و«كلمة واحدة وغيرها مافيش، السياسة مش للجيش»، و«الجيش ده تبعنا، والمجلس مش بتاعنا»، و«مجلس خزى ومجلس عار، اللى بيقتل فى الثوار»، ثم ــ وهو الجديد هذا الأسبوع ــ «وانت يا جيشنا لازم تختار، بين المجلس والثوار». 

 

وكالعادة، عدت من المسيرة ــ كما من أى خروجة أستمع فيها إلى إخوانى فى الوطن ــ بقصص. رجل وقور، خمسينى ربما، جلست إلى جواره على الرصيف. يعيش فى عاصمة أوروبية ويقوم بتصميم وتسويق الرحلات والبرامج السياحية، وبالذات ــ طبعا ــ إلى مصر. حين قامت الثورة لمس تعاطف وإعجاب كل من يلقاهم من الأوروبيين، ورأى الفرصة لإرسال أعداد كبيرة من السائحين إلى مصر الثورة. وهنا تبدأ قصته مع مصر للطيران فى باريس وفى جنيف. يعرض عليهم إرسال رحلات مكرسة («تشارتر») إلى الغردقة، لا يستطيعون توفير الطائرات. يطلب إعادة تشغيل رحلة مصر للطيران الأسبوعية «جينيف/ شرم» أو «جنيف/الغردقة» ــ مع تعهد كتابى موَثَّق منه بشراء خمسين كرسى فى الأسبوع، لا يستطيعون. يقترح عليهم أن يلتزم بشراء ٣٠ كرسى فى الأسبوع «جنيف/القاهرة» ثم رحلة داخلية ــ على أن يكون هذا بسعر تنافسى، ويتم الاتفاق على ٤٥٠ دولار للكرسى. يمر الوقت ويمر الوقت ويرسل الرجل خطابات ويطاردهم بالهواتف وأخيرا حين يرسلون له العقد يفاجأ بسعر الكرسى المنصوص عليه وقد تغير ليصبح ٦٣٠ دولارا. يكتب إليهم مراجعا، يحاول الوصول إلى المسئولين، يصل به الأمر أن يذكرهم بأن مصر للطيران شركة مملوكة للدولة، أى أن عليها واجب وطنى اليوم نحو الاقتصاد المصرى، أن يذكرهم بأهمية قطاع السياحة لاقتصادنا، يجاهرهم بالشكوك التى تساور الكثيرين فى الداخل والخارج حول نوايا وتوجهات من يديرون مؤسساتنا الكبيرة، وهل هم موالون لمصر أم لنظام بعينه؟ لا مجيب. فقام الرجل وجاء إلى القاهرة لينزل بجسده إلى الثورة، الأمل الأخير فى التغيير. هذه قصة، واحدة، من القصص التى خرجت بها يوم الجمعة. أرسل لى هذا السيد مستنداته ووسائل الاتصال به، وهى موجودة وتحت أمر من يحب أن يقوم بتحقيق صحفى أو قانونى فى الموضوع.

 

وعلى رصيف آخر ــ أو فى الحقيقة سلم أمام صيدلية ــ سيدة. يروح ويجىء عليها شابان وبنتان من الشباب الجميل، أولادها. لها جمعية أهلية صغيرة (غير مموَّلة من الخارج بالمناسبة) تعمل فى خدمة الأيتام والأطفال ذوى الاحتياجات. تحكى لى عن معهد الأورام وكيف يُقسِم العاملون به أن الحنفيات كانت تُترَك بالأمر مفتوحة تسيل ليلا نهارا حتى تسرى المياة والرطوبة فى المبنى استعدادا لتهجير هيئته ومرضاه ليستحوذ عليه أهل السلطة. تحكى كيف انتهى الأمر بالأطفال المرضى، أن يتعاطوا جرعة الكيماوى فى طرقات المكان، فى حجر أمهات تفترشن الأرض المبللة. تحكى عن مستشفى آخر هدمت أجزاء منه استعدادا لعمل تجديدات ثم تُرِك الردم حوله شهورا طويلة حتى صار مرتعا للجرذان والثعابين. فجاءت جمعيتها بشباب من الحى، متطوع، يريد أن ينظف المكان، ومستعد للتخلص من الردم والزبالة أو تسليمها إلى أى متعهد تحدده إدارة المستشفى. وقوبلت هذه المبادرة بالرفض اللبق وأمنت الجرذان والثعابين وكثُرَت. تحكى أن زوجها كان مترددا فى النزول إلى الثورة، يخاف على الأولاد، وأنها قالت له إن بلدنا ينخرها السوس ولم تعد توفر فرص الحياة لأبنائها، وأن العالم ضاق، فالمصرى صار لا يُحترم فى بلاد النفط، وأما الغرب فيخاف المسلمين فضلا عن انه له مشاكله الحقيقية فى الاقتصاد والعمالة. فما هو الاختيار المتاح؟ وإن وجد الأبناء طريقا فماذا عن الأحفاد؟ قالت له «احتسبت أولادى واحتسَبونى، فتعال معنا»، عندى أيضا مستنداتها ووسائل الاتصال بها تحت أمر من يحب أن يقوم بتحقيق صحفى أو قانونى فى الشئون التى تحكى فيها.

 

فى المترو، فى طريق المرواح، سيدة أخرى، فى مرحلة وحالة مختلفة. أخذنا المترو من كوبرى القبة إلى التحرير. الشباب فى المترو يهتف بسقوط حكم العسكر، فتصرخ فيهم السيدة «كفاية بقى! كفاية! مش طايقين بقى خلاص! مش طايقين!» وهكذا. ومن سوء حظها أن جاءت جلستها قبالة وقفة أختى، ليلى سويف، التى انتظرت دقائق ثم ــ حين استمرت السيدة فى الصراخ ــ سألتها بهدوء خادع: «حضرتك كفاية ليه؟ ليه يعنى مش طايقاهم؟» واستمرت فى إلقاء السؤال إلى أن صرخت السيدة إنها تخاف على الشباب «كل شوية بيتقتلوا»، وهنا رمت ليلى أمامها بالكارت الرابح والمُتَحَدّى: «يبقى حضرتك تزعقى كده فى اللى بيقتلهم مش فيهم»، فلم يسع السيدة سوى أن ترتمى فى أحضان الشابة التى تصاحبها ــ ابنتها فى الغالب، وتغمض عينيها. وربما تنتقل إلى مرحلة جديدة.

 

كنا قد ركبنا المترو من محطة كوبرى القبة فى حوالى الثامنة، وكان الشباب، وإن كان على اتفاق بوجوب فَّض الوقفة، لازال يهتف ويطبل ويرفع الأعلام واللافتات عند البوابة الخلفية لمجمع القوات المسلحة. ورأينا، فى طريقنا إلى المحطة، أعدادا من شباب آخر، منضبطى المَشية، حليقى الرأس والوجه، يسحبون حقائب سوداء صغيرة ذات عجل، ويرتدون البدلة الرمادية ذات الزرقة، ويتأبطون الكاب: طلاب الكلية الحربية يعودون إلى كليتهم فى نهاية يوم الجمعة. كان الكل يطمئنهم، يحثهم على المرور من المظاهرة إلى بوابتهم. قليلون فضلوا العودة والالتفاف حول المجمع، لكن معظمهم كان يكمل. أتتبعهم يمرون بين جموع الثوار الهاتفة ويدخلون من البوابات. شبابنا. ماذا يتعلمون داخل تلك الأسوار؟ من الذى يشرح لهم وظيفة وواجبات القوات المسلحة؟ من الذى يعلمهم من هو العدو ومن هو الصديق؟ من الذى يبين لهم علاقة الجيش بالشعب؟ من الذى يصيغ علاقتهم بالأفراد المجندين؟ ومن الذى يحكى لهم تاريخهم؛ تاريخ مؤسستهم، وتاريخ بلادهم؟

 

أتمنى لهم الخير وأتمنى لهم السلامة وأتمنى لهم ألا يورطهم شيوخهم فيما لا يليق بهم. أتمنى أن يجدوا أنفسهم وبوصلتهم، كما وجد الشباب المدنى طريقه وبوصلته. أتمنى أن يقضوا شبابهم وعمرهم فى وطن خيِّر شاحِذ رحيم، يطالبهم بما له عندهم ويغدق عليهم بما لهم عنده، يقدر شبابه كله حق قدره، وطن يُشَكِّل روحه ويصنع مستقبله هؤلاء الشباب ــ كلهم. آن أوان رحيل العواجيز. فليرحلوا! فليرحلوا!

التعليقات