الإثنين 24 سبتمبر 2018 4:30 م القاهرة القاهرة 35°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

عن المصالحة العتيدة بين العرب وإيران.. محاولة جدية لاستنقاذ المسلمين جميعا

نشر فى : الثلاثاء 15 أغسطس 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 أغسطس 2017 - 9:35 م

وأخيرا فتح الباب للمصالحة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية فى إيران، وبوساطة عراقية.
ومع أن أسباب الخلاف الذى شجر بين الدولتين اللتين ترفع الشعار الإسلامى ظلت غامضة إلى حد كبير، لا سيما بعد مأساة الحجاج الذين أودى بهم التدافع وهم يؤدون مناسك الحج فى سبتمبر «أيلول» العام 2015، إلا أن ذلك الخلاف قد اتخذ أبعادا درامية تتجاوز السياسة إلى مخاطر الفتنة بين المسلمين، سنة وشيعة.. وهى لو تفجرت لكانت مأساة كونية جديدة ستلحق أضرارها بكل مسلم فى مشارق الأرض ومغاربها.
ويفترض أن تدعم جهود الوساطة هذه مختلف الدول العربية، خصوصا وأنها تخدم العرب والمسلمين جميعا، فضلا عما فيها من فوائد للطرفين المعنيين: السعودية وإيران.
ذلك أن مشروع الفتنة بين السنة والشيعة قائم منذ الزمن الاستعمارى الطويل، الذى اعتمد سياسة «فرق تسد» على مختلف المستويات، لقسمة الشعب الواحد إلى فرق متنابذة وقوى متخاصمة.. خصوصا وقد نجح فى إعادة نشر الفتنة بين العرب، سواء بتقسيمهم إلى حضر وبدو، أو بضرب وحدتهم الوطنية التى كانت حصن قوتهم فى مواجهته، عن طريق تقريب البعض وخصه بغنائم الحكم، واستبعاد البعض الآخر، ولو كان أكثرية وحرمانه من نعيم السلطة بذريعة أنه أقلية.. حتى لو كان الأكثرية كما فى نموذج العراق.
ومعروفة هى «المعارك« التى خيضت تحت الشعار المذهبى والتى أدت إلى تهديم كيانات الدول التى أقيمت على قواعد مهزوزة لا تراعى وحدة الشعب بل تعمل على تقسيمه إلى طوائف ومذاهب مصطرعة على السلطة التى كانت دائما فى أيدى المستعمر، ثم أوكلها إلى عملائه المعروفين لكى يثبت دعائم الفتنة، فتأكل نيرانها الاستقلال والدولة الوليدة بطوائفها جميعا.
وإذا كانت مصر ودول المغرب العربى عامة لم تعرف مثل هذا الصراع الطائفى، فذلك لأن فيها جميعا يسود مذهب غالب سنى فى أعرافه شيعى فى تقاليده، لا سيما تلك التى تخص كرامة أهل البيت فتجعلها رابطة مقدسة بين الشوافع والمالكيين من جهة والشيعة من جهة أخرى، والذين كانوا يعتبرون فى بلاد الشام من «الروافض»، بكل الآثار المدمرة على وحدة المسلمين، ومن ثم على وحدة الشعوب فى المشرق العربى، خصوصا فى سوريا والعراق وأقطار الجزيرة العربية وخليجها المطل على إيران بضفته الشمالية.
***
من هنا تكتسب هذه المصالحة «بين المملكة العربية السعودية (بمذهبها الوهابى المغلق) وإيران الثورة الاسلامية بشيعيتها المتطرفة التى تجعل من رأس الدولة فيها «الولى الفقيه» تشديدا على المذهب الشيعى بأكثر مما كان يعتمد الشيعة العرب.
ذلك أن الخلاف بين السعودية وإيران كان لا بد أن يسعر نيران التعصب المذهبى فيخرجه من الإطار السياسى إلى حافة الفتنة بين المسلمين، معيدا إلى الاذهان صفحات سوداء من التاريخ الاسلامى والصراع على أحقية الخلافة ولمن تكون وصحة إسلام هذا الطرف أو ذاك، ولو تم ذلك بتكفير كل طرف للطرف الآخر.
المهم أن «المصالحة» بين هاتين الدولتين، بموقعيهما الحاكم مذهبيا وسياسيا، ثم بمصالحهما المشتركة كدولتين نفطيتين تشكلان مع العراق مركز الثقل فى الإنتاج النفطى، دوليا (خارج الولايات المتحدة).
كذلك فإن الدولتين تشكلان، من موقعيهما المذهبيين، أرض لقاء عريض بين الشيعة والسنة بوسعه أن يخفف من غلواء التعصب، وأن يعيد ــ بالتالي ــ تحديد التقاطع فى المصالح بين هاتين الدولتين، ومعهما دول الخليج العربى عموما.
ومن شأن، هذه المصالحة، إن هى قيض لها أن تتم فى جو صحى، أن توقف حرب الإبادة التى يتعرض لها شعب اليمن حيث تقتل الكوليرا من لم تقتله حرب الأشقاء التى تورط فيها السعوديون ومعهم الإماراتيون من دون سبب واضح يمكن أن يقبله العقل أو يقره الدين أو تسلم به وحدة الانتماء إلى العروبة.
كذلك فإن من شأن هذه المصالحة، إن هى تمت فى جو صحى، أن تقرب نهاية الحرب فى سوريا وعليها، التى كانت واحدة من أكثر الجبهات اشتعالا بنار الخصومة السعودية – الايرانية، وهى الحرب التى كادت تذهب بسوريا، كدولة عربية ذات دور تاريخى غير منكور فى الصراع العربى الاسرائيلى، بوصفها «قلب العروبة النابض» كما تعرف نفسها وكما يعرفها أهلها العرب.
***
إن هذه المصالحة، إن هى تمت على قواعد سليمة تأخذ بالاعتبار مصالح الطرفين العربى والايرانى، ستكون حدثا تاريخيا له ما بعده على مستوى منطقتنا بدولها جميعا، كما سيمتد تأثيرها على المستوى الدولى شرقا وغربا.
إن المنطقة جميعا تعيش حروبا ظالمة لأهلها، وتجتاحها عصابات القتل وتشريد أهلها، كما فعلت عصابات ما يسمى زورا دولة الخلافة الاسلامية فى العراق والشام «المعروفة باسم الدلع «داعش».
ثم إن «القاعدة» قد أفرخت فصائل مقاتلة عدة فى بلاد الشام، تمارس القتل خائضة غمار التنافس الدموى مع داعش.
ولقد وصل خطر هذه العصابات رافعة الشعار الإسلامى زورا إلى الأقطار العربية جميعا: مصر التى تشهد يوميا عمليات قتل منظم يستهدف الوحدة الوطنية التى كانت دائما أخطر أسباب قوة مصر، كما يستهدف قوات الجيش والشرطة فى مختلف أنحاء أرض النيل.
كذلك فإن هذه العصابات قد سعرت الصراع فى سوريا، واجتهدت فى أن تعطيه بعدا مذهبيا، لضرب الوحدة الوطنية فيها، وهى هى مركز القوة ومصدرها فى هذه الدولة التى كانت رائدة فى النضال من أجل الوحدة العربية، وقد حققتها تحت لواء الرئيس جمال عبدالناصر ليكون أخطر انجاز قومى فى العصر الحديث.
ولقد نال لبنان نصيبه من الضحايا فى التفجيرات التى نفذتها عصابات «داعش» و«النصرة» فيه، والتى استهدفت المدنيين فى مراكز التجمع، باحات المساجد والمقاهى والمحلات التجارية، بذريعة مكافحة «حزب الله» الذى لا ينكر المكابرون دوره فى تحرير لبنان وطرد الاحتلال الاسرائيلى من أرضه حتى آخر حبة تراب فى العام 2000.. ثم توليه صد الحرب الاسرائيلية وإلحاق الهزيمة «بالجيش الذى لا يقهر» فى مثل هذه الأيام من العام 2006.
*****
لقد آن الأوان لإطفاء حريق الفتنة التى تهدد المنطقة جميعا، بالعرب فيها والإيرانيين، وتمكن للعدو الإسرائيلى فى فلسطين الذى لا يجد شعبها المقاوم – برجاله ونسائه وصباياه وفتيته الأغرار وشيوخه ــ ما يعينه على مواجهة عدو الأمة جميعا، بالمسلمين فيها ــ سنة وشيعة ــ والنصارى وطوائف الأقليات، خصوصا فى بلاد الشام، بالعراق منها وسوريا انتهاء بلبنان.
ولا شك أن مصر، بثقلها البشرى ووزنها السياسى، وتعرضها اليومى لخطر الإرهاب رافع الشعار المزور للإسلام السياسى، تستطيع أن تلعب دورا اساسيا فى هذه المصالحة التاريخية بين الشيعة والسنة، وهى المعروفة بتراثها الشيعى الذى لم يتأثر بتحول الحكم من الفاطميين إلى المماليك، وهى لا تزال تحتل مكانها المرموق فى وجدان العرب، مسلمين ــ سنة وشيعة ــ ومسيحين من مختلف الطوائف.
إن إنهاء هذه الحرب العبثية بين العرب والإيرانيين هو فى مصلحة المسلمين عموما، وفى مصلحة قضية فلسطين بشكل خاص.
لقد أغرقتنا أنظمتنا فى بحار من دمائنا.. فعساها تخفف علينا وتتفادى حروبا عبثية أخرى، وهذه المرة مع جار قوى ومهم، سيبقى جارنا أبد التاريخ، وكلما ازددنا تطرفا فى حربه ازداد تطرفا، وتكون النتيجة إلحاق أضرار فادحة بالعرب والإيرانيين وقبلهم جميعا بالدين الحنيف: الإسلام.
وعسى يكون كلامنا خفيفا على تجار الفتنة والمستفيدين منها!

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات