الأربعاء 26 سبتمبر 2018 1:52 م القاهرة القاهرة 32.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الشرعية والطوارئ

نشر فى : الأحد 16 أبريل 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : الأحد 16 أبريل 2017 - 10:05 م

أخطر ما جرى فى أعقاب العمليتين الانتحاريتين بكنيستى طنطا والإسكندرية ذلك الصخب تحت قبة البرلمان، الذى يستخف بالدستور ويعرض به ويدعو إلى إلغائه.
كان ذلك سحبا على المفتوح من خزان الشرعية، فهو يفيض وينضب بقدر ما تسنده أو تخذله السياسات.
بالكلام المتفلت بدت قضية الشرعية بين قوسين كبيرين.
وهذا آخر ما تحتاج إليه مصر فى حربها الضارية مع الإرهاب.
الشرعية كخيوط الصلب قد لا تلحظ بالعين العابرة، لكنها تستعصى على الكسر مادام البنيان العام متماسكا.
هناك عنوان واحد للشرعية هو الدستور، ولا يوجد ما يسمى بـ«شرعية الطوارئ» على ما تردد من فوق منصة مجلس النواب.
التعبير بنصه يناقض أى مفهوم حديث، يوافق الإرادة العامة ويحترمه العالم، فلا شرعية تتأسس على العضلات وحدها.
كما يسحب عن «الطوارئ» أى أسباب اضطرارية استدعتها كأنها مطلوبة لذاتها، أو لأسباب أخرى.
بالتعريف فإن «الطوارئ» إجراءات استثنائية مؤقتة لمواجهة أخطار محدقة تصعب مواجهتها وفق القوانين العادية.
مهمة الدساتير فى مثل تلك الأوضاع الاضطرارية أن تنظم وتضبط ما هو طارئ ومؤقت على قواعد وأصول تمنع تغولها على حقوق المواطنين.
إذا لم يكن هناك أساس دستورى فإن «الطوارئ» تفقد شرعيتها.
فرض «الطوارئ» ليس خروجا عن مقتضيات الشرعية إذا ما توافرت الأسباب التى تدعو لإعلانها، لكنها لا تؤسس لأى شرعية إذا خرجت عن الدستور وضربت فى جذره.
لقد فرضت فرنسا «الطوارئ» بعد تفجيرات روعت شوارعها ومواطنيها، وكان ذلك عملا مؤقتا ومنضبطا على الإجراءات الدستورية.
لم نسمع رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، ولا كان يجرؤ، يقول إن هناك شرعية جديدة تعلو الدستور هى «شرعية الطوارئ».
مثل هذا الكلام رسالة سلبية للعالم بأن الأمور أفلتت فى مصر، وهذا غير صحيح بإطلاق، إلى حد أنه لم تعد هناك شرعية لغير قبضات «الطوارئ» والتضييق على القدر المتاح من الحريات الصحفية والإعلامية وحقوق المواطنين، فضلا عن التحرش بالهيئات القضائية والمجتمع المدنى بقوانين تسىء لأى معنى حديث ودستورى.
لذلك تأثيراته المدمرة على فرص التعافى الاقتصادى، فبيئة الاستثمار تتطلب العودة بأسرع وقت للأحوال الطبيعية لا المباهاة بشرعية متخيلة تنسب نفسها إلى فعل اضطرارى.
كما أن هذا الكلام، الذى تردد صداه على شاشات فضائيات، يفضى إلى خفض منسوب التضامن الدولى مع آلام المصريين فى أسبوع الآلام، الذى تبدى قويا بوقع الصدمة ومشاهد الدماء المتناثرة فى اثنتين من الكنائس المصرية الكبيرة.
للصور أثرها فى مشاعر التضامن، غير أنها قد تبهت سريعا بتصريحات متفلتة وتصرفات لا تليق بالمصاب الجلل، كألا يقوم المجلس النيابى بواجبه فى الإحاطة بحيثيات «الطوارئ»، لماذا كانت ضرورية؟.. أين أوجه القصور؟ وكيف يمكن تداركها؟.. ثم ما خطة الحكومة للعودة إلى الأوضاع الطبيعية فى أسرع وقت؟
لم يحدث شىء من ذلك فى الجلسة العامة التى أقرت «الطوارئ» دون أى نقاش جدى يحاول الإلمام بالصورة العامة.
ثم كان وقوف النواب تصفيقا بعد التصويت بالموافقة تعبيرا عن حالة عدم إدراك لخطورة اللحظة الحرجة وما تستدعيه من جدية فى الأداء العام.
‫«‬الطوارئ» ليست حلا وإن توافرت أسبابها، لكنها قد تساعد على تخفيض كلفة الدم وقدر المعاناة.‬‬‬
لا أحد يبتهج بـ«الطوارئ» إلا إذا كان صدره ضاق بأى أوضاع شبه طبيعية.
والأمن وحده ليس حلا وحاجته ماسة إلى غطاء شعبى وأخلاقى يمارس تحته مهامه الصعبة، وهو ما لا يوفره غير «الشرعية الدستورية».
فى بلد كمصر عانى لعقود طويلة من حكم «الطوارئ» يستحيل نسبة أى شرعية للاستثناء دون ضوابط دستورية يجرى احترامها.
شرعية ما هو استثنائى تستند على اعتبارين: الأول من طبيعته الاضطرارية واقتناع عموم المواطنين بأنه لا سبيل عاجل غيره لدرء المخاطر الماثلة.. والثانى من استناده على قواعد دستورية تضبط إجراءاته وحدوده.
الاستخفاف بالدستور طعن فى شرعية إعلان «الطوارئ».
هذه حقيقة لا يصح إغفالها بالحماس الزائد، أو الكراهية المقيمة لثورة «يناير» ــ جذر الشرعية فى هذا البلد.
على الرغم من اختطاف «يناير» من الجماعة، ثم «يونيو» من الماضى، فإنه لا يمكن القفز فوق طلبهما فى التحول إلى دولة مدنية ديموقراطية حديثة الذى جسده دستور (٢٠١٤).
يكاد يكون الإنجاز الوحيد لـ«يناير ــ يونيو» هو الدستور، والتحرش به يعنى بالضبط الضرب فى جذر الشرعية وأى أمل فى تغيير البيئة العامة.
باليقين فإن ذلك يصب فى طاحونة الإرهاب.
للأمن مهامه فى تعقب الخلايا المختفية وإسكات مصادر النيران، التى قد تداهمنا عملياتها فى أى لحظة، وللسياسة أدوارها فى الحفاظ على التماسك الوطنى الضرورى فى مثل هذا النوع من الحروب.
بقدر تراجع السياسة تزداد صعوبة مهام الأمن.
هذه حقيقة أخرى لا سبيل إلى إنكارها.
فى غياب التفكير السياسى تبدت شروخ الصورة العامة، كالإفراط فى حوارات إعلامية مع أسر المشتبه بهم فى الضلوع بعمليات إرهابية.
من حيث المبدأ العام لا يحق لأحد إصدار أحكام بالإعدام الأدبى على أقارب أى مشتبه به.
غير أن هناك من ارتفع صوته داعيا للتنكيل بهم دون مراعاة لأية قيمة أو قانون ــ حتى قانون «الطوارئ!».
كانت تلك نزعة معلنة وجدت من يحرض عليها.
فى نفس اللحظة تبدت نزعة مناقضة تحبذ الحوارات الإعلامية مع ذوى المشتبه بهم سعيا ــ على الأغلب ــ لإدانة ما، لكن لأسباب إنسانية مفهومة لم تحدث، وتبدت ردات فعل سلبية على الطريقة التى جرت بها الحوارات داخل أسر الشهداء والضحايا من ضباط شرطة أو أقباط فى الحدثين الانتحاريين المروعين.
بطبيعة العمل الإعلامى فإنه يحاول أن يستوفى كامل المشهد وينفرد بالمعلومات بقدر ما يستطيع، غير أن إبداء التعاطف الزائد مع أسر المتهمين بالإرهاب قضية أخرى مسيئة لكل معنى فى محاربته.
أيا كانت زوايا النظر فإنه لا يمكن إنكار عشوائية الأداء العام فى أهم واجباته، أن يكون المجتمع حاضرا ومقتنعا وواثقا من فاعلية الإجراءات الاستثنائية فى مواجهة الإرهاب، وأنها مؤقتة لوقت محدد، وكانت قمة العشوائية «نظرية شرعية الطوارئ»، فلا شرعية لها قوة النفاذ السياسى والأخلاقى سوى الشرعية الدستورية.