الأحد 23 سبتمبر 2018 5:34 ص القاهرة القاهرة 24.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

لا.. ليست فوضى

نشر فى : الأربعاء 18 أبريل 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 18 أبريل 2018 - 9:35 م

منذ فترة غير قصيرة ونحن نتكلم عن أن العالم فى حالة فوضى. أنا شخصيا استخدمت كلمة الفوضى فى أكثر من مقال كتبته ومحاضرة ألقيتها. لم أنتبه ولا آخرون انتبهوا إلى أن الفوضى حالة مختلفة عن الحالة التى نستخدم كلمة فوضى فى وصفها. سلكنا الطريق السهلة بدلا من أن ننشغل ونشغل مساعدينا وزملاءنا فى مهمة وضع التوصيف المناسب للحالة الدولية الراهنة. تصورنا أن انفراط أو التهديد بانفراط دولتين أو ثلاث دول من مجموع ما يقترب من مائتى دولة، وأن الظهور المفاجئ لشخصية متقلبة وغير متزنة على رأس أكبر وأقوى دولة فى العالم وانعكاس هذا الظهور على سياستها الخارجية والسياسة الدولية بشكل عام، وأن أغلبية فى شعوب بريطانيا قررت الخروج من الاتحاد الأوروبى، وأن انحسار اهتمام الدول والشعوب العربية بجامعة الدول العربية ومنظماتها، هذه المتغيرات وغيرها كثيرا تصورناها علامات كافية على أن النظام الدولى والنظام الإقليمى العربى فى حالة فوضى.

***

أظن أننا أخطأنا أو ربما بالغنا فى تعظيم ظواهر معينة طارئة على حساب عناصر كثيرة لم تصل إليها رياح التغيير أو التفكيك. نسينا أو تجاهلنا حقيقة أن مجرد استمرار وثبات ظاهرة الدولة كوحدة الحساب والتحليل والأساس فى القانون الدولى والعلاقات بين الدول أقوى دليل على أن العالم لم ينزلق إلى الفوضى، بل أنه حين تكون أغلبية الدول قائمة وشرعيتها غير مشكوك فيها والقانون مطبق فيها يكون العالم لا يزال بعيدا عن الفوضى. من ناحية ثانية لا يستقيم افتراضا أو واقعا أن تكون مؤسسات النظام الدولى قائمة وتعمل وإن على مستوى من الأداء المنحدر ثم نعلن، ونتصرف ونحلل على أساس، أن النظام الدولى تردى إلى الفوضى الشاملة أو أن مصيرا مماثلا انتهى إليه النظام الإقليمى العربى أو قد ينتهى إليه النظام الأوروبى. من ناحية ثالثة، لا يكفى أن تتجاوز دول حدود احترامها لحقوق الإنسان أو أن تلجأ حكومة أو حتى عشر حكومات إلى استخدام أساليب متوحشة لتعذيب المواطنين أو إبادة آلاف منهم حرقا بالغازات الكيماوية أو أن تعتدى دولة أو عدد من الدول على دول فى الجوار أو فى خارج الجوار وتخترق مختلف فضاءاتها دون قرار مسبق من مجلس الأمن، لا يكفى عمل من هذه الأعمال أو كلها فى وقت واحد لنعلن حالة الفوضى فى النظام الدولى أو فى نظام إقليمى. إذ فى مقابل هذه الأعمال الخارجة عن القانون الدولى توجد حالات أوفر عددا من أعمال تحترم قواعد القانون الدولى. نحن بالفعل شهود على تجارة تتبادلها الدول بمعدلات وقيم أعلى من كل مراحل الاستقرار الدولى. الأمن مستتب فى البحار والمحيطات، حتى القرصنة حول مداخل البحر الأحمر تراجعت. نحن أيضا، بدرجة أو أخرى، شهود على أن اتفاقات دولية عتيقة وجديدة وعديدة ما زالت تحظى باحترام موقعيها. لم نشهد سباقات بين عناصر أو ميليشيات انتصرت وهيمنت فى كل أنحاء العالم وراحت تمزق المعاهدات الدولية وتمزق دساتير الدول وتدمر مؤسساتها. رأينا إرهابيين يقتلون المارة والمتنزهين فى شوارع لندن ونيس وباريس ومدن هنا وهناك، أعمالا مرفوضة ومتناثرة واستثنائية فى نظام دولى ما زال يعمل ويؤدى معظم وظائفه وإن بانضباط وكفاءة أقل مما كنا نعهده فى عقود سابقة.

***

من ناحية رابعة، لا نستطيع إنكار حقيقة أن مساحات السلم فى فضاء التفاعلات الخارجية ما زالت شاسعة وأن مساحات الحرب والقتل والتدمير وإن اتسعت لا تزال أصغر كثيرا من مساحات السلم. أنا هنا لا أقارن بين مراحل تاريخية كما فعل ستيفن بينكر الذى توصل ببحثه وقرائنه إلى أن الكوكب يعيش اليوم المرحلة الأقل عنفا فى تاريخه. إنما أقول إننا لا نعيش بالتأكيد مرحلة تسود فيها حروب الكل ضد الكل أو مرحلة تختفى فيها أغلب الجيوش النظامية لصالح ميليشيات مجنونة ويحكم زعماء مهووسون وهستيريون. ما زلنا، وأعنى الغالبية العظمى من شعوب العالم، نعيش فى حماية جيوش خاضعة لقوانين دولها. نعترف بتجاوزات بعضها وفساد بعض آخر، كما نعترف بتجاوزات حكام مزقوا دساتير دولهم أو استهانوا بها وأهانوها، هؤلاء يزداد عددهم فى كل أنحاء العالم، ومعظم تحليلاتنا تتنبأ بزيادات أكبر فى السنوات القليلة القادمة، ولكن تبقى كل الزيادات المحتملة ضمن حيز لا تقترب مواصفاته من مواصفات عالم مجنون هيمنت عليه وسادت الفوضى.
***
إذا كانت الدولة لا تزال وحدة الحساب فى النظام الدولى الراهن، وإذا كانت المواثيق والاتفاقات الدولية قاعدة العمل والالتزام فيه، وإذا كانت مؤسسات النظام تعمل حتى وإن بأداء ضعيف ومتهاوٍ، وإذا كانت منظومات القيم والأخلاق لا تزال أحد المراجع الأساسية للعمل السياسى والتعاون بين البشر، أقول إذا توفرت هذه الشروط وإن بدرجة أقل من المأمول فالعالم فى رأيى لم يزل بعيدا عن حال الفوضى التى نستسهل استخدامها ونذهب أحيانا إلى حد تصور أننا غاطسون فيها. البديل الذى أطرحه فى توصيف الحال التى يعيش فيها كوكبنا هو حال الارتباك. هذا الارتباك الذى يميز العديد من السلوكيات السياسية والاجتماعية الراهنة هو نتيجة حتمية لتشابكات المرحلة الانتقالية التى يمر فيها العالم، ونتيجة ضرورية لتفاعلات مرحلة العولمة الأخيرة التى هزت دنيانا إلى الأعماق. كلاهما: الانتقال من نظام دولى وأخلاقى ثنائى القطبية السياسية والأيديولوجية إلى شىء آخر يرفض أن يتبلور أو يعلن عن نفسه، والعولمة وما صاحبها من ثورة تكنولوجية وفى الاتصالات والمواصلات وحركة الشعوب، كلاهما معا أطلقا حال ارتباك هائل وتردد غير مألوف. إن كل ما عايشناه منذ نهاية عقد السبعينيات ونعايشه ونطلق عليه جزافا صفة الفوضى هو ليس أكثر من ارتباك اتسمت به كل المراحل الانتقالية وأبرزها، فى رأيى ورأى السيدة مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأسبق، المرحلة ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية حين انتشر جرثوم الفاشية والنازية وأنواع شتى من الحكم الاستبدادى. انتهت هذه المرحلة كما هو معروف بحرب عالمية. ثم هناك المرحلة الصعبة التى مرت فيها أمريكا اللاتينية خلال انتقالها من نظام إقليمى للاستبداد إلى نظام آخر لسيادة القانون. هناك أيضا مرحلة الانتقال العنيف فى النظام الإقليمى العربى من حال النظام المنغلق ثقافيا وقوميا إلى حال لم تتضح بعد معالمه، وإن أشارت مؤشرات إلى أن الارتباك السائد حاليا فى نظامنا الإقليمى العربى والتردد الغريب فى إصلاحه قد يفرزان فى النهاية انفتاحا أوسع على جبهات عداء وعنف شديدين وأنظمة حكم أشد قمعا واستبدادا، قد يفرزان أيضا فوضى شاملة فى التفاعلات الإقليمية.

طريقنا إلى الاستقرار يبدأ بالتخلص من الارتباك وبإقصاء التردد. كان أملى معقودا على الدورة الأخيرة للقمة العربية.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.