الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 4:35 م القاهرة القاهرة 32°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

أولويات السكة الحديد

نشر فى : الجمعة 18 يونيو 2010 - 5:36 م | آخر تحديث : الجمعة 18 يونيو 2010 - 5:38 م
تخيل نفسك شيخا عجوزا أو سيدة مسنة، أو شخصا مريضا أو أمّا تحمل أطفالا صغارا، وركبت القطار من أى مكان لتنزل محطة مدينة ومركز القوصية بمحافظة أسيوط.

لن تستطيع النزول إلى الرصيف إلا إذا كنت غنيا وحاجزا فى الدرجة الأولى أو أول ثلاث عربات من الدرجة الثانية المكيفة.

لكن لو كنت فقيرا وركبت الدرجة الثالثة المسماة زورا بالمميزة. وكان القطار مزدحما مثلما يحدث فى أوقات كثيرة.. ولو لم تكن رياضيا وحاصلا على بطولات فى القفز، فلا حل أمامك سوى المغامرة والقفز من القطار إلى الأرض مباشرة. أما لو كان القطار هادئا وهو أمر نادر الحدوث فإن الركاب يبدأون رحلة التحرك من مقاعدهم لمقدمة القطار قبل محطة ديروط كى يلحقوا الرصيف فى القوصية.

رأيت بنفسى عجائز وأمهات يحملن أطفالا وهم يخوضون مغامرات كى ينزلوا بسلام فى هذه المحطة.

لوقت طويل كنت أتصور أن عدم مبادرة هيئة السكة الحديد بمد وتطويل الرصيف كى يغطى كل عربات القطار ناتجا عن أزمة مالية.. لكن المفاجأة هى أن الهيئة لا تعانى من أى صعوبات مالية والدليل أنها بدأت منذ أيام إزالة الدهانات والمحارة من المحطة القديمة، تمهيدا لإعادة تجديدها وبناء غرف جديدة للإدارة رغم أن المحطة القديمة لم تكن سيئة. وحتى لو كانت سيئة.. فأين منطق الأولويات؟!.

إذا كان لدى الهيئة فائض مالى، فهل أجدد به دهانات المحطة أم أمد الرصيف القصير؟! وهل أشترى به جرارا جديدا ومطابقا للمواصفات أم أجدد غرف كبار المسئولين؟!

هذا السؤال البسيط لو أجبنا عنه بأمانة سيضع أيدينا على جوهر المأساة الموجودة فى السكة الحديد وربما فى كل المؤسسات والمرافق المصرية.

وحتى لا يبدو الكلام انفعاليا، فقد ساقنى حظى العاثر عصر الخميس الماضى لاستقلال القطار رقم 979 الذى يتحرك من أسيوط للقاهرة فى الثالثة عصرا.

التكييف ظل معطلا فى معظم عربات الدرجة الثانية المكيفة حتى مركز مغاغة بالمنيا.. الأطفال يصرخون من شدة الحر، لأن كل النوافذ مغلقة.. ووصل الأمر إلى نشوب «خناقة» بين الركاب ومشرف القطار لأنهم لا يستطيعون التحمل، ودفعوا أموالا كى يستمتعوا بالتكييف، ولم يحصلوا عليه.

سألت رئيس القطار عن الأمر فقال إن التكيف يعمل لكن «الفريون» قليل ولذلك لا تشعروا به، وسألته لماذا لا يوجد باب للعربة حتى نحافظ على «رائحة التكييف»؟!، فأجاب إنه «جاء هكذا من بلده».

فى القطارات هناك إهمال تعودنا عليه وأصبح من التراث المصرى الأصلى مثل دورات المياه التى لا تصلح للبشر، وبلطجة السريحة واستغلال باعة الشاى والمياه الغازية والأطعمة للركاب، لكن أن تصبح القاعدة هى التعطل الدائم للقطارات واضطراب مواعيدها ويتزايد الإهمال والاستهتار بحياة الركاب، فالأمر يحتاج إلى وقفة.

كنا نظن أن المشكلة فى وزير النقل، ثم اعتقدنا أنها مسئولية رئيس الهيئة، لكن يبدو أنه داء متأصل فى السكة الحديد نفسها وسؤال بسيط لكل المسئولين: ما هى الأولويات تجديد المحطات أم الحفاظ على أرواح وكرامة البشر.
عماد الدين حسين  كاتب صحفي