رغم كل ما تمر به البلاد من ظروف وصراعات سياسية يومية لا تهدأ ولا تصل إلى أى نتائج، ووضع اقتصادى متردٍّ، أصبحنا لا نفهم حقيقة مخاطره، إن كان خطرا من الأساس، تطل علينا بوادر أمل من حين إلى آخر، خاصة فيما يتعلق بالنشاط الأهم والمؤثر، والمظلوم منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وطبعا أقصد النشاط السياحى، والذى يعتبر نهوضه، بداية لنهوض النشاط الاقتصادى فى مصر بشكل عام.
وقبل أيام شهدت مدينة شرم الشيخ مؤتمرا لتنشيط السياحة، تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية وبالتعاون بين محافظة جنوب سيناء وهيئة تنشيط السياحة، وشارك فيه ايضا اتحاد مستثمرى مصر، وهى جهود طيبة ربما تحقق نتائج إيجابية فى تحريك هذا النشاط الذى كانت تشتهر به هذه المحافظة على مستوى العالم.
لكن أكثر ما لفت نظرى فى هذا المؤتمر، بداية، أن الدكتور عماد عبد الغفور مساعد رئيس الجمهورية، هو الذى افتتح المؤتمر، وهو الرجل المحسوب على التيار السلفى، الذى أعلن رفضه كثيرا للسياحة وأنشطتها، والأكثر أهمية من افتتاحه للمؤتمر، كلمته التى جاءت شديدة الذكاء فى اطار تشجيع الجميع على هذا النشاط، ثم إشارته بوضوح إلى أن مصر لا يأتى لزيارتها سوى ٧ ملايين سائح فى حين ان دولة مثل تركيا لا تمتلك ما نمتلكه يزورها ٤٥ مليون سائح، واشار الرجلو إلى ان المستهدف لمصر ٣٠ مليون سائح بحلول العام ٢٠٢٠.
الدكتور عماد تحدث طويلا عن كيفية تطوير النشاط السياحى، من دعم لسياحة المؤتمرات والسياحة العلاجية والسياحة الرياضية، إلى آخره، وأيضا تحدث طويلا عن السياحة الدينية، وأشار إلى الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) وأن سيناء بها الكثير من الأماكن المقدسة التى يمكن ان تجذب الملايين من أبناء هذه الديانات، دون أن يغفل الرجل التأكيد على أن الأساس هو السياحة الترفيهية. الموقف الذى عبر عنه مساعد رئيس الجمهورية موقف متطور ومختلف تماما، عن المواقف العنيفة التى كان ينتهجها تياره قبل عدة أشهر تجاه السياحة، خاصة أن كل ذلك كان فى شرم الشيخ مدينة السياحة الشاطئية، وأعتقد أنه من الواجب دعم مثل هذه الرؤى والجهود، لأن مصر لن تنهض سريعا إلا بالسياحة.
أما الذى أدهشنى طويلا فى هذا المؤتمر، فهو موقف محافظ جنوب سيناء، الذى من المفترض أنه الرجل الذى يقود قاطرة السياحة فى هذه البقعة من ارض مصر، فالرجل تحدث فى كل شىء الا السياحة، التنمية والزراعة والموانئ وحتى ساحات سيارات النقل الثقيل (ساحة البرادات)، ربما كان الرجل يريد الحديث عن إنجازاته، والذى أشار إلى أن الوقت لا يتسع لذكرها، وربما يكون الرجل قد حقق الكثير من الإنجازات بالفعل ولا أحد يلتفت إليه وسط اهتمام الاعلام بالتظاهرات والاحتجاجات فقط، لكن بصراحة أخشى أن يكون الرجل قد قرر أن يعمل فى إطار ما يتصور أنه سياسة الدولة الجديدة بأن السياحة حرام وعيب وقلة أدب، لذا قرر أن يبتعد عن الشر ويغنى له، على اعتبار أنه لا يوجد شىء مضمون فى هذا النظام، وسبحان الله.. رجل السلفية يتحمس للسياحة، ورجل الدولة المدنية يخشى الحديث عنها.