الجمعة 24 نوفمبر 2017 6:51 م القاهرة القاهرة 19.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد تصريحات وزير المالية.. هل ترى أن زيادة أسعار السجائر تؤدي لخفض معدلات التدخين؟

هذه الصورة

نشر فى : الأحد 20 مارس 2016 - 12:00 ص | آخر تحديث : الأحد 20 مارس 2016 - 9:28 ص

في السابع عشر من مارس ٢٠٠٦، أي في مثل هذه الأيام قبل عشرة أعوام كاملة، التقط مصور وكالة الأنباء الفرنسية هذه الصورة لوقفة القضاة الشهيرة بحثا عن «استقلالهم». وهو الأمر الذي لو كان قد تم«لهم ولنا»؛ حقيقيا وواقعيا، لاطمأن الناس إلى قاضيهم، وإلى حقيقة أن «العدل ــ لا غيره ــ أساس الحكم» ومن ثم الشرط الأساس لاستقرار المجتمع. ولما كنا قد وصلنا إلى كثير مما وصلنا إليه الآن.

وقفة القضاة ـ ١٧ مارس ٢٠٠٦ (AFP) وقفة القضاة ـ ١٧ مارس ٢٠٠٦ (AFP)

ربما كان علينا اليوم أن نتأمل تفاصيل الصورة، ونتدبر ما صرنا إليه لنفهم لماذا جرى ما جرى لرجالها من تشويه وتنكيل

عندما قرر رئيس الجمهورية اختيار السيد أحمد علي ابراهيم الزند وزيرا للعدل في العشرين من مايو العام الماضي (قرار رئيس الجمهورية رقم ٢١٧ لسنة ٢٠١٥) صدم القرار الكثيرين، إلى درجة أن جريدة حكومية كبرى خرجت لتزعم على صدر صفحتها الأولى أن القرار «الجمهوري» كان لرئيس الوزراء وليس لرئيس الجمهورية الذي تقتصر اختياراته على الوزارات السيادية (بالمناسبة المادة ١٤٦ من الدستور تعتبر «العدل» من الوزارات السيادية) ثم كان، على أية حال أن تأكد «اختيار» الرجل بعد ذلك بأشهر عندما صدر القرار الجمهورى رقم ٣٧٩ في سبتمبر من العام الماضي بتشكيل وزاري جديد «ثبته» في مكانه.

أتفق مع الذين كتبوا طوال هذا الأسبوع أن إقالة الرجل / الوزير كما «اختياره» هو حق أصيل ومطلق لرئيس الجمهورية بحكم الدستور، ولا حق لنادي القضاة أو لغيره في التدخل. وأتفهم شعورا بالراحة لقرار الإقالة لدى كل الذين كان قد صدمهم، في حينه قرار الاختيار.. ثم تأكيد الاختيار. ولكني أرى أن ما طرأ على منظومة العدالة (متعددة الأطراف) خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وأدى في النهاية إلى شيوع الشعور بغيابها، قد يقتضي ما هو أكثر من ذلك بكثير.

***

بل ولعلي لا أكون مبالغا لو قلت أن «القضاء» كمؤسسة، بل و القضاة أنفسهم كانوا أكثر من دفع الثمن.

في الملف الذي تضخمت أوراقه، ما بين قوانين متعجلة، ومهنية غائبة، وتدخلات أمنية، ومشاعر ثأر وتصفية حسابات (سياسية أو شخصية) بدا أنها تسربت إلى حيث ينبغي أن يبقى «منزها عن كل هوى» كثير مما نعرف، وكثير مما لا نعرف، وكثير مما لا يصح، أو ربما لا يليق الحديث عنه، ولكننا نلمس آثاره واضحة جلية في شارع مضطرب لا يطمئن إلى العدالة فيهتف عاليا في دار الحكمة كما فى ستاد مختار التتش. أو في مجتمع دولي لا يطمئن بدوره إلى ما نعلنه بشأن الطائرة الروسية أو الباحث الإيطالى. ثم يكون أن ندفع «جميعا» ثمن هذا كله.

ما طرأ على منظومة العدالة، ويعرفه سدنتها أكثر مما يحصى أو يعد. منه ما أشارت إليه محكمة النقض في حيثيات إلغاء أحكام عدة صدرت من دوائر كان قد تم تخصيصها، دون غيرها لنظر قضايا معينة. ليس آخرها ما قرره شيوخ النقض قبل أيام من أن قاضي أحداث كرداسة والذى أصدر حكمه بإعدام ١٤٩ «أدان المتهمين جملة عن جرائم لم يرتكبوها» كما قال مانشيت الخبر المنشور في هذه الجريدة («الشروق»: ١٦ مارس ٢٠١٦) أو بالأحرى: «عرض واقعة الدعوى وأدلتها فى إجمال وإبهام، لا تتوافر به أركان الجرائم التي أدانهم بها»، كما جاء بالحيثيات.

ناهيك عن ما علق بقضية التمويل الأجنبى، وبغيرها من تفاصيل، يحفل الملف بإجراءات (لا مجال هنا لسردها)، تحولت معها قرارات المنع من السفر، أو «الحبس الاحتياطي»، واقعيا إلى عقوبة سالبة للحرية بلا محاكمة أو حتى قرار اتهام. إلى درجة أن سمعت من الأستاذ ناصر أمين المحامي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قوله عن حق: «أننا صرنا نترحم على زمن قانون الطوارئ»، حيث كان الالتزام بصحيح القانون وإجراءاته قائما، بغض النظر عن فحوى القانون ذاته.

في الملف أيضا توسعٌ غير مسبوق في قرارات «حظر النشر» يؤدي عمليا إلى تقييد حق الرأي العام (بل وممثليه البرلمانيين) في المعرفة والمحاسبة. بعد أن طالت تلك القرارات موضوعات «عامة» مثل تلك المرتبطة بلغط دار حول تقارير الفساد الصادرة عن الجهاز المركزى للمحاسبات، أو تلك المرتبطة بمفاعل الضبعة، ذي الجوانب التقنية والبيئية والمالية.

***

لا أريد أن أسترسل كثيرا في تقليب أوراق ملف، يعرف من أعرف من «سدنة العدالة» الأجلاء، على اختلاف مشاربهم ما فيه. أو بالأحرى خطورة ما فيه، كما لا أحب أن أتصور أن هناك من ضلله «غسيل مخ» إعلامي ممنهج تسرب أثره إلى ضمير أو يقين نحرص، كما يحرص أصحابه على أن يظل بعيدا عن أى تأثير. أو أن هناك من «سرقته السكينة» كما يقول المثل الشعبي، فلم ينتبه إلى أنه، ربما دون أن يشعر «يهدم الدولة»، بإضاعة الثقة تدريجيا في مؤسسة العدالة، التى نتصور أنها بالتعريف «عمياء» لا تعرف شخصنة ولا مكايدة ولا تصفية حسابات.

***

الجمعية العمومية لأطباء مصر - فبراير ٢٠١٦ (تصوير: محمود بكار) 

الجمعية العمومية لأطباء مصر - فبراير ٢٠١٦ (تصوير: محمود بكار)

نبهنا مائة مرة إلى: أن «العدالة إحساس» .. إذا غاب غاب معه أمن المجتمع واستقراره

عندما حذرنا مائة مرة على مدى الأعوام الثلاثة، من فقدان الثقة بمؤسسة العدالة، على أمن المجتمع، مذكرين بما تعلمناه من القضاة الأجلاء من أن «العدالة إحساس»، وليست مجرد نصوص وقوانين وأحكام، لم يعر المغترون بقوتهم «ونفوذهم» وسلاحهم ما قلناه شيئا من الاهتمام، ثم كان أن دق ستة عشر ألفا احتشدوا في ستاد مختار التتش قبل نحو الشهرين ناقوس الخطر. وبعدها بأسبوعين لا أكثر كان الأطباء يحتشدون فى نقابتهم «دار الحكمة» محتجين لأسباب لا تختلف كثيرا: «البحث عن عدالة بدت غائبة». وهو الأمر الذي تكرر (للسبب ذاته) بعد أسبوع واحد في مظاهرات غاضبة حاصرت مديرية أمن القاهرة بعد كان أحد أمناء الشرطة قد أقدم على قتل سائق بسيط بسلاحه الميري بعد أن اختلف معه على الأجرة. (حادثة الدرب الأحمر)

أذَّكر مرة أخرى بأن «العدالة إحساس». وفى الوقائع الثلاث كان الناس يفتقدون «الإحساس» بالعدالة، فخرجوا إلى الشوارع أو الاستاد أو احتشدوا في نقابتهم غاضبين.

الثابت، والذي لا ينبغى أن تغيب دلالته عن كل من يريد استقرارا لهذا البلد أن أحكاما عدة كانت قد صدرت من دوائر مختلفة بشأن ما جرى من مذبحة فى ستاد بورسعيد قبل أربعة أعوام (فبراير ٢٠١٢) لم تفلح فى أن تسدل الستار على القضية.

قد لا يكون هناك ثمة عوار فيما صدر من أحكام فى الموضوع. ولكن المشكلة أن إجراءات أخرى في قضايا ومسائل أخرى (أكثر من أن تحصى أو تعد) كان قد شابها ما أفقد الناس الثقة في أن ميزان العدالة مستقر، وأنها مازالت عمياء. وذلك، لو تدرون «كارثة» ما بعدها كارثة.  

***

لا تكتفوا بقراءة الحيثيات التي استندت إليها الدوائر المختلفة التي أحيلت إليها واقعة «مذبحة بورسعيد»، اقرأوا ما جرى في الدرب الأحمر (١٨ فبراير ٢٠١٦) جيدا، وتذكروا ما كان قد جرى فى أسوان (أبريل ٢٠١٤).

في الحالتين، كما فى غيرهما لم ينتظر الناس (وليس فقط ذوو الضحية) أن تأخذ «العدالة» مجراها. بل وصل الأمر في فبراير ٢٠١٦ إلى أن تُردد تظاهرات بسطاء الدرب الأحمر الحاشدة «غير المسيسة» الهتافات ذاتها «ضد الظلم.. وطلبا للعدل» التي كنا نسمعها من شباب وجماهير ٢٠١١. وبالمناسبة بعض من هؤلاء البسطاء كانت أجهزة الدولة ذاتها تستغل حاجتهم «للقمة العيش» والاقتراب من السلطة لمقاومة تظاهرات الشباب السلمية بكل القسوة والعنف (ظاهرة المواطنين الشرفاء). أليس لهذا دلالته؟

يومها كررنا ما كنا قد قرأناه في أدبيات القضاء، وعلمنا شيوخهم، ونبهنا إليه مرارا من أن «العدالة» ليست مجرد نصوص وأحكام، بل «إحساس» يتحقق بأن يشعر الناس أن هناك من يمكنهم أن «يطمئنوا» إلى حيدته وعدله فيحتكمون إليه فى نزاعاتهم وخصوماتهم. وأنه، إذا اهتزت، لسبب أو لآخر ثقة الناس بهذه المنصة، وذاك الميزان يفقد المجتمع أهم عناصر تماسكه «واستقراره». ويلجأ هذا المواطن أو ذاك لأن يأخذ حقه «أو ما يتصور أنه حقه» بيديه. بديلا عن القانون وسلطة الدولة. وساعتها يصبح مفهوم «الدولة» تعريفا في خطر.

***

لن أتحدث هنا عن كيف تجري تربية أجيال من المتطرفين في سجون ما بعد الثالث من يوليو ٢٠١٣، فتلك قصة أخرى تحتاج تفاصيلها إلى مقال منفصل. كما لن أتحدث هنا عن تقارير صحفية «وبحثية» عدة تتحدث عن كيف يؤدي غياب «العدل» إلى تفاقم ظاهرة العنف والتطرف في مجتمعاتنا العربية بعامة. عندما يستبد بالبعض اليأس في أن يجد «العدل» على الأرض فيبحث عنه في السماء، مستقلا سيارة مفخخة، أو مرتديا حزاما ناسفا، أو منتميا لتلك الجماعة أو ذاك. متبنيا ما حشوا به رأسه من مقولات «القصاص» لهذا المظلوم أو ذاك. ولكنني أستأذنكم في أن أذَكر بما كنت قد كتبته في هذه الصفحة (١٧ مايو ٢٠١٥) عشية استشهاد ثلاثة من وكلاء النيابة غيلة في سيناء (أحدهم ينتمي إلى عائلة صديق عزيز).

كما أستأذنكم، ونحن بصدد مراجعة ما جرى في الدرب الأحمر، ونقابة الأطباء، وستاد مختار التتش أن تعودوا إلى ما كنت قد سمعته وقرأته وسبق أن أشرت إليه من كلام للقاضى «المنصف» طارق البشري، قبل عقد من الزمان («وجهات نظر»: مارس ٢٠٠٣، ويونيو ٢٠٠٥) أيام ذروة جهود القضاة في البحث عن استقلالهم (انظر «الصورة»). ينبهنا البشري إلى حقيقة أنك «عندما تجلس على منصة قضاء، ويقف أمامك الخصوم بمنازعاتهم يتجادلون ويتخاصمون، وكل يرد على الآخر حجته، تعرف أنهم لم يتفقوا على شىء قط إلا أنهم يطمئنون إليك،.. وأنهم لولا ثقتهم في حيدتك واستقامتك، ولولا ثقتهم في قدرتك على أن تحكم مستقلا بما تقتنع بأنه الحق والصواب، لما أتوا إليك».

***

ما طرأ على منظومة العدالة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وأدى في النهاية إلى شيوع الشعور بغيابها، قد يقتضي ما هو أكثر من ذلك بكثير

أعود إلى قرارى التعيين، ثم الإقالة، وإلى حديث الرئيس المتكرر عن أن «هناك مظلومين داخل السجون» (!) ثم أعود إلى «الصورة» التي عمرها سنوات عشر.. ومن ثم إلى السؤال الذي طرحته فى البداية: هل تكفي «الإقالة»؟ أخشى أن أقول إن هناك ما قد يقتضي ما هو أكثر من ذلك بكثير. وأخشى أن أكون بحاجة إلى التأكيد على ما كررته مرارا على مدى الأعوام الخمس الماضية: لا انتقال سلميا «وآمنا» إلى مجتمع ديموقراطي معاصر، دون الانتباه إلى حقيقة ما يتطلبه هذا الانتقال من مقتضيات العدالة الانتقالية الخمس Transitional Justice التى تعرفها كتب السياسة وكل تجارب التحول الديموقراطى. وكنا قد قرأنا فى الكتب، وخبرات السابقين، وبعد كل ذلك «تجربتنا ذاتها» أن للقضاء / المؤسسة نصيبا مهما في هذا الملف، عنوانه، بغض النظر عن التفاصيل وهي كثيرة وحاكمة: «الاستقلال».. ثم الاستقلال. ذلك الذي لا يسمح، قانونا «ومناخا»، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة «بسيف المعز أو بذهبه».

أرجوكم أن تعودوا إلى نص كتاب استقالة المستشار يحيي الرفاعي من نقابة المحامين (ديسمبر ٢٠٠٢) وأن تستمعوا إلى كلمة المستشار محمد وجدي عبد الصمد رئيس نادي القضاة أمام أنور السادات رئيس الجمهورية (رحم الله الإثنين) أمام جمع من رجال الدولة، مسجلا إعتراض القضاة على محاولة السلطة التنفيذية (وأداتها التشريعية) الافتئات على مفهوم العدالة «العمياء» بإصدار قوانين تستهدف أشخاصا بعينهم. يومها قال القاضي للرئيس «إذا كان في ما حدث في اجتماعنا ما أغضبك .. فلا تغضب إلا من نفسك» مذكرا إياه ببدهية أن «أخطاء الديمقراطية على كثرتها لا تعدل خطأ واحدا من أخطاء الديكتاتورية». … وأنه «ما لم يقم على شؤون العدالة قضاة فوق الخوف وفوق كل ملامة ، فإن الأمر ينتهي أن تسود قوة السلاح وشريعة الغاب فتتأخر الأمم بعد تقدم وتفتقر بعد غنى وتضعف من بعد قوة ومن ثمة كان الحرص على استقلال القضاء كسلطة وتوقير القضاة كأفراد وإحاطتهم بكل الضمانات وتأكيد مبدأ الشرعية وسيادة القانون».

«لا قضاء إلا إذا كان مستقلا» بدهيةٌ لا تحتاج إلى إثبات. ويعرف القضاة «الحريصون على استقلالهم» ونعرف معهم أن «استقلال القضاء» ليس ريشة على رءوسهم، أو مزية لهم، أو لكونهم «أسيادا للجميع» كما أساءت لهم ولنا تصريحات سمعناها، بل هو ضمان للعدل الذي هو ضمان للأمن ولاستقرار المجتمع.

***

وبعد..

ففي مثل هذه الأيام قبل عشرة أعوام كاملة (١٧ مارس ٢٠٠٦)، التقط مصور وكالة الأنباء الفرنسية هذه الصورة لوقفة القضاة الاحتجاجية الشهيرة، التي ارتعد لها نظام مبارك. والتي كانت للتاريخ إحدى المحطات الفارقة على الطريق الى ٢٥ يناير.. ربما كان علينا اليوم أن نتأمل تفاصيل الصورة، ونتدبر ما صرنا إليه، لنفهم لماذا جرى ما جرى لرجالها من تشويه وتنكيل، ليس بداية بزكريا عبدالعزيز.. وليس نهاية بهشام جنينة.

حمى الله قضاء مصر «عادلا»، وحفظ «لنا» استقلاله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات