الأربعاء 12 ديسمبر 2018 6:11 ص القاهرة القاهرة 16.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

حتى يغيروا ما بأنفسهم: 8- حقيقة الشورى

نشر فى : الخميس 22 فبراير 2018 - 10:45 م | آخر تحديث : الخميس 22 فبراير 2018 - 10:45 م

ليست الشورى بضاعة سياسية فحسب، وليست الشورى زينة وترفا، ولا هى عملا إضافيا يمكن الاستغناء عنه.. كما أن الشورى – وهو الأهم ــ ليست وسيلة لمعرفة الأقلية من الأغلبية. فما هى حقيقة الشورى؟

ــ1ــ

الشورى آلية ووسيلة من وسائل الإحاطة والإدراك فى شتى مجالات الحياة العلمية والفنية، بل وفى شتى مراحل العمر.. فالشورى – كما يفهم المسلم ــ فريضة شرعية بل هى فرض عين على كل عاقل بالغ. وهى فريضة تلزم الشخص الذى يجهل أمرا يحتاجه أن يبحث المتخصص فى ذلك الأمر ويعرض مسألته. كما أن الشورى فريضة تلزم كل متخصص فى علم أو شأن من الشئون أن يستمع إلى طلبات المحتاجين إلى تخصصه، ويدرس موضوعهم ويقدم لهم أفضل ما يعلم. بل إن الشورى تلزم المتخصص أن يستعين بغيره من أهل الخبرة والتخصص ولا ينفرد بالرأى إذا لم يبلغ حد اليقين. ولا مانع أن يعقد لقاء أو مؤتمرا للمتخصصين يتداولون فيه الرأى بحثا عن الأفضل والأكمل والأنفع.

ــ2ــ

الشورى سلوك فطرى دائم عند العقلاء، فالعاقل هو الذى يوقن بشدة أن عقله – مهما كان ــ جزء محدود من عقول الناس، والأفضل والأضمن أن يضم ويجمع العاقل عقولا أخرى يزداد بها وعيا وإحاطة، فالاستعانة بالعقول الأخرى تضيف إلى عقلك وتزيد فى قوتك، وتساعدك على تحقيق هدفك من أقصر طريق وأفضل وسيلة وأقل تكلفة وأكثر طمأنينة. أرأيت لماذا يتعاون 11 لاعبا غير الاحتياطى والجهاز الفنى.. يتعاون كل هؤلاء ويستعين بعضهم ببعض.. هل يساعد بعضنا البعض فى اللعب واللهو، ولا يساعد بعضنا البعض فى الجد والنشاط؟! فالعاقل هو من يتأكد أن البحث عن المتخصص أو ذى الخبرة فريضة وأن اتباع الخبرة والتخصص نجاح وفلاح.

ــ3ــ

بل إن أهل التخصص والخبرة فى كل مجال هم فى أشد الحاجة لمناقشة بعضهم واستماع بعضهم لبعض بصفة دورية، وأيضا فى نقاشات خاصة بموضوع معين، فتلك المناقشات تبين وتحثث وتنقح الأفكار، ولذلك نجد الأطباء فى بعض الحالات يعقدون مؤتمرا (كنسلتو) ليتوافقوا على تشخيص الحالة وعلى اقتراح خطة العلاج إلخ.

ــ4ــ

الشورى ليست مبدأ سياسيا، بل هى آلية فكرية لا تبحث عن الأغلبية والأقلية مثل الديمقراطية، فالشورى أبعد مدى وأكثر فائدة.. ففى الديمقراطية يتم التصويت، وإذا حصل أحد الآراء على 51 % من مجموع الأصوات أصبح هذا الرأى هو الفائز. ومعنى ذلك أن 49 % من الأصوات لا وزن لها !!! وهذه الحالة غير منطقية وغير مأمونة على حركة المجتمع. لكن الشورى تبدأ باستعراض جميع الآراء ومناقشة إيجابيات وسلبيات كل رأى ثم يبدأ التصويت للجولة الأولى، فإذا كانت 51 % لأحد الآراء، 30% للرأى الثانى، 19% للرأى الثالث، تبدأ الجلسة الثانية فى مناقشة هذه الآراء الثلاثة مرة أخرى بعد أن يبين كل فريق إيجابيات وسلبيات الآراء الأخرى، فيكون العرض فى الجلسة الثانية فرصة لتطوير الآراء وتعديلها بحثا عن الوصول إلى تقارب فعلى أكثر مما سبق، فتكون المشروعات المعروضة قد تم تعديلها لتتقارب الإيجابيات (من خلال التنازل عن بعض الأفكار والإعجاب ببعض أفكار الفرق الأخرى) ثم تعقد جولة التصويت الثانية فربما تكون 60%، 25%، 15%، فتكون جلسة ثالثة يتقارب فيها الجميع بالتعديل والإضافة والحذف، فإذا انطلقت جولة التصويت الثالثة فربما نجد التصويت 75%، 20%، 5%. هكذا تكون جلسات الشورى بحثا عن التقارب وليس بحثا عن الفوز حيث إن التقارب فى العمل العام أدعى لإحساس المواطنين بانتمائهم للمجتمع وولائهم للسياسات السارية إذ إنهم شاركوا فعليا فى الوصول إلى الاتفاق على السياسات.

ــ5ــ

لذلك لابد وأن تعود الشورى إلى مكانتها فى القلوب والعقول، وأن تعود إلى مكانها فى البيت والمدرسة والمؤسسات الخاصة والعامة حتى يكون للأمة كلها أو لشعب كل دولة مجلس شورى يتم تشكيله بانتخابات خاصة غير مباشرة تبدأ من النقابات والأندية الوظيفية حتى تتمتع البلاد بخلاصة الأفكار والسياسات المرجوة لاستقرار البلاد وتقدمها.

يتبع

جمال قطب   رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف
التعليقات