التحريـر.. أكثـر مياديـن العالـم حـزنـا - دان ميرفى - بوابة الشروق
السبت 20 يونيو 2026 11:35 م القاهرة

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

التحريـر.. أكثـر مياديـن العالـم حـزنـا

نشر فى : الأربعاء 23 يناير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 23 يناير 2013 - 8:22 ص

يبدو ميدان التحرير عند الغسق مكانا مهجورا ومنفرا. وعندما تهب الرياح، تطير القمامة لتعبر الوجوه الباسمة المرسومة على جدران شارع محمد محمود للفتيان الذين قتلوا خلال المصادمات مع الحكومة ؛ إلى السلالم القذرة لمحطة المترو، حيث تفوح منها رائحة البولينا والمخلفات؛ وتمر بالمجموعة الصغيرة من الشباب، الذين يحرسون حواجز أعدوها بأنفسهم، يستخدمونها لإبعاد حركة المرور عن الميدان. وتشبه القدرة على عبور ميدان التحرير، الذى كان ينظم عادة المرور فى وسط المدينة المزدحمة اليوم، شق مياه البحر الأحمر فى القاهرة.

 

•••

 

يروى ميرفى مشهدا حيث يجلس مجموعة من الفتيان القرفصاء، وهم يراقبون المداخل. وتتجه سيارة نحو الحاجز؛ انحشر فيها أم وثلاثة أطفال صغار، بينما يجلس زوجها على عجلة القيادة، محاولا العودة للوراء، لكن الشبان يغلقون البوابة، ويبدأون الدق بشدة على غطاء محرك السيارة! تخرج الأم لوهلة من السيارة، لتدخن، وتبدأ فى الصراخ وسب من نصب نفسه ثائرا ويسد الطريق. فيضحك، ويبدأ عدد من أصدقائه التحرك. وتتخلى الأسرة عن موقفها، وتتهيأ لرحلة يتوقع أن تستغرق ساعة عبر أنحاء الميدان الذى تبلغ مساحته نحو ميل واحد!

 

   ويصل بعدهم سائق سيارة أجرة غاضب، يقفز من سيارته صارخا أنه يسعى لكسب العيش، ويحاول خلع الحاجز. فيطلق الشاب صفارته طالبا المساندة، ليصل المزيد من رفاقه. ويأتى رجل مسن، ذو شعر أشيب وشارب متدل، ليقف فى وجه سائق سيارة الأجرة، ويقول له، «أقترح عليك ان تغادر الآن، إلا إذا كنت ترغب فى العودة سائرأ على قدميك.» فينصاع سائق التاكسى، ويتحرك بعيدا، تاركا سيلا من الشتائم فى أعقابه، ويهدأ مجتمع التحرير الرث مع مروره.

 

•••

 

ثم يشير ميرفى إلى أن هذه هى الحقيقة اليومية المحبطة بالتحرير، بعد نحو عامين من الانتفاضة القوية التى أزاحت مبارك عن السلطة. وقد غاب الآن أغلب الثوريين الشباب، الذين ملأوا الميدان فى 2011، حيث يحتل الباعة، وأولئك الذين يبدو أنه ليس لديهم مكانا يذهبون إليه، وأعضاء من شباب الأولتراس، المتشددين المؤيدين لأندية كرة القدم، مساحات متساوية من الخيام الآن.

 

  فهل يصنعون فارقا فى الميدان؟ لا يبدو الأمر كذلك فى معظم الأيام فقد اختفت الحيوية والعواطف. يصعب الإحساس بثورة حية هنا. ويختلف مع ذلك بعض الأصدقاء المصريين، قائلين إن الميدان يمكن أن يعاود الحركة فى لحظة، وأنه سوف يلعب دورا فى المرحلة الانتقالية المصرية مرة أخرى. ولكن بصرف النظر عن عدد الموجودين، يبدو الميدان فارغا، لأن مصر الآن تجاوزت النقطة التى يكفى فيها أن تكون رافضة لوضع ما، وحان الآن الوقت كى تنحاز لوضع آخر، وهذه هى المشكلة السياسية التى لم تحلها الاحتجاجات الحاشدة.

 

•••

 

يستطرد ميرفى قائلا: ما زالت مصر تعانى الكثير من المظالم، ويأمل البعض فى إحياء الميدان مرة أخرى يوم 25 يناير،  مع حلول الذكرى الثانية للانتفاضة. أما الآن، فالتحرير مكان عشوائى وفى بعض الأحيان خطير. ففى الأسبوع الماضى، ألقيت قنبلة مولوتوف على مقر على جامعة الدول العربية القائم فى نهاية الميدان. وبنهاية ديسمبر، تعرض مهند سمير أحد أعضاء حركة 6 أبريل لإطلاق خرطوش على رأسه، فى ميدان التحرير. ويشتبه البعض فى أن مهند كان مستهدفا، لأنه شهد قتل الناشط رامى الشرقاوى، على مسافة غير بعيدة عن ميدان التحرير فى 2011، وكان يستعد للإدلاء بشهادته.

 

   ويرفع محمد المصرى، عضو الأولتراس قميصه فى فخر، ليظهر الندبة التى تركتها ست غرز تمت خياطتها له، بعدما أصيب بطعنة سكين على الجانب الأيمن من صدره قبل أسابيع قليلة. فمن الذى طعنه؟ «بلطجى ملتح». وما السبب فى أنه مازال فى التحرير؟ كان يريد القصاص لأكثر من 70 من مشجعى كرة القدم، قتلوا فى مصادمات وقعت فى مدينة بورسعيد فى فبراير 2012.

 

•••

 

غير أن هناك، بالطبع، بعض الأمل فى ذلك كله. فقد تجاوز الثوار المهتمون بالتغيير السياسى الميدان، لينتظموا فى أحزاب سياسية، أو جماعات مستقلة للضغط من أجل تعديل الدستور، أو وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين، أو الحصول على نسبة مشاركة أكبر فى كيفية حكم مصر.

 

لكن ميدان التحرير الذى كان طوال «الثمانية عشر يوما» كما يشير الكثير من المصريين إلى الانتفاضة التى أنهت عهد مبارك، انتهى منذ فترة طويلة. فبعد يومين من تخلى مبارك عن الحكم، كنت قد استشعرت بالفعل التحول الحتمى.

 

•••

 

يضيف ميرفى: كانت هناك دلائل على أن فاعلين سياسيين منظمين فرضوا أنفسهم على حركة شعبية، تعزى وحدتها جزئيا إلى جمال بساطة مطالبها؛ الحصول على الحرية، والتخلص من مبارك، وترك المصريين يهتمون بمشكلاتهم. وبحلول الساعة العاشرة، ظهر أول عدد قليل من السيارات فى الميدان. ووسط تبادل العناق والتهانئ، كان الشعور الغريب بأن عهدا قد انتهى.

 

ويختتم مقاله قائلا إنه ربما يكون العهد الجديد أفضل؛ لكنه يمر عبر عالم السياسة القذر فى كثير من الأحيان وهو عالم لم يكن لدى نشطاء التحرير أى خبرة مباشرة معه قبل الثورة. ويقول مصطفى عيد، الشاب الذى تخلى عن المظاهرات العامة، فى الوقت الحالى على الأقل: «لقد تظاهرنا مرة، ونجح الأمر، ثم تظاهرنا مرارا وتكرارا». وأضاف «ظللنا نلجأ إلى نفس الطريقة، لكن الأمر لم يعد ينجح. فالناس العاديون لا يدركون المسألة».

دان ميرفى كاتب ومراسل فى صحيفة كريستيان ساينس مونيتور
التعليقات