فلسفة «المسافة الواحدة» - عمرو خفاجى - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2026 4:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

فلسفة «المسافة الواحدة»

نشر فى : السبت 23 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 23 مارس 2013 - 8:00 ص

منذ قيام قيام ثورة يناير، ومصطلحات وتعبيرات جديدة، غزت الحياة السياسية، والإعلامية بالضرورة، حتى باتت هذه المصطلحات وكأنها ثورة موازية استطاعت نفض الغبار عن نفسها وفك قيودها لتعود لواجهة المشهد السياسى بعد سنوات طويلة من الغياب، ومصطلحات وتعبيرات أخرى وُلدت من رحم الثورة، وفى غالب الأحيان سببت هذه المصطلحات ارتباكا فى الكثير من المفاهيم، بل إن استخدامها يسبب البلبلة أكثر مما يوضح ويشرح، والمشكلة الحقيقية تتجلى فى أن البعض يتعامل مع هذه المصطلحات والتعبيرات باعتبارها خيرا مطلقا وعدلا منزها، وأنه باستخدامها قد سار فى طريق الصواب وحقق ما تريده الجماهير، وحمى نفسه من أى انتقادات أو مؤاخذات.

 

وفى مقدمة هذه المصطلحات والتعبيرات، حكاية الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وهو تعبير ظهر وانتشر بشدة فى أعقاب تنحى مبارك ومع ظهور أول تنازع بين القوى المختلفة، وقد كان التعبير المحبب لقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وهو بصدد إعلان أى قرار، أو اتخاذ أى موقف تجاه أى قضية، «فالمجلس يقف دائما على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية» ومع ذلك كانت «جميع القوى السياسية» تشكك دائما فى حكاية أن المجلس يقف على مسافة واحدة، وزاد هذا الاعتقاد كثيرا، عند البعض، بعد رجوع الجيش إلى ثكناته، ومارس البعض الانتقادات العنيفة بأثر رجعى، لكن أحدا لم يتصد لتقييم «المسافة الواحدة» أثناء المرحلة الانتقالية.

 

المشكلة أن المصطلح اكتسب معانى طيبة،  وحمل أهدافا عادلة، لكنه مثل أى مصطلح سياسى قد يفقد معناه،  مع الممارسة، أو يصبح ذا مدلولات عكسية، عندما يستخدمه البعض بخبث، وأحيانا لا يجوز للبعض استخدامه من الأساس، وهذا ما أريد الإشارة إليه، فوزارة الداخلية دأبت منذ فترة على استخدامه تعبيرا عن حياد الوزارة، فى مواجهة اتهامات لها بأنه تم أخونتها وأنها تعمل لصالح الجماعة وتحمى أهدافها ومصالحها، وكلما كانت هناك تظاهرات كانت «المسافة الواحدة» حاضرة، وبصراحة هذا انحراف واضح فى استخدام هذا المصطلح، لأن الداخلية كجهة أمنية،  تعمل وفق قواعد وشروط معروفة، وفلسفة واضحة، متعارف عليها فى جميع دول العالم، وفى الغالب الأعم هناك اتفاق أن الداخلية «الشرطة أو الأمن» تعمل فى الأساس على تنفيذ القانون وتطبيقه وملاحقة الخارجين عليه، وبالتالى تتلاشى المسافات بينها وبين كل ذلك، فهى من المفروض تعرف مسافة واحدة بين من يلتزم بالقانون وبين من يخرج عليه.

 

الأمن الداخلى مثل الجيش تماما، يجب أن يكون بعيدا عن السياسة، فى جميع تفاصيلها، من المتون الأساسية، إلى الهوامش الفرعية، لا إخوان من ليبراليين، ولا سلفيين من يساريين،  ولا أولتراس من بلاك بلوك،  فقط يعرف القانون ويحترم من يحترمه، ويتعامل مع من يخرج عن القانون، لكن بالقانون، ولا يفرق بين من فى الحكم ومن فى المعارضة،  فقط من يفعل ماذا، وإذا كان بالضرورة يريد استخدام «المسافة الواحدة» فعليه استخدامها فقط مع أى أشخاص يرتكبون ذات الأفعال، وهذا غاية مراد العدالة.

 

إن الضباط عندما خرجوا وقرروا الإضراب، طالبوا أولا وقبل كل شىء بإبعادهم عن الصراعات السياسية، وتفرغهم لمهامهم الأصيلة فى حفظ الأمن، وهو فهم عميق لدورهم فى المرحلة المقبلة، ومراجعة ذكية فى ذات الوقت لأدوارهم فى السابق، ولا يبقى سوى أن يساعد الجميع الداخلية السير فى هذا الاتجاه، وعدم توريطها فى حكاية الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، التى لم ولن تفهم الحياد يوما ما، فهذا طبع السياسة الذى يغلب على الساسة، وعلى الداخلية ألا تعرف «جميع القوى السياسية»،  وعليها فقط معرفة القانون والعدالة فهذه هى المسافة التى يجب أن تلعب فيها الداخلية دائما.  

عمرو خفاجى  كاتب صحفي وإعلامي بارز
التعليقات