كتب روبرتو اليبونى، وهو مستشار فى مركز الشئون الدولية الإيطالى وأستاذ الاقتصاد الجامعى فى نابولى وبروجيا والرئيس المشارك للمفوضية الأوروبية المتوسطية، تقريرا نشره الصندوق الألمانى فى الولايات المتحدة، فى عدد فبراير. والجدير بالذكر أن هذا الصندوق يهدف إلى دعم العلاقات ما بين ضفتى المحيط الأطلسى من خلال التعاون المكثف بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. أشار فى بدايته إلى أنه خلال العامين الماضيين، شجَعت دول المحيط الأطلسى جماعة الإخوان المسلمين فى مصر وتونس للصعود إلى السلطة، وضربوا بالاختلافات الثقافية عرض الحائط. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التى سعت لإقامة علاقة وطيدة مع هذه الجماعات وراهنت بقوة عليها لتحقيق الديمقراطية وتبعتها دول الاتحاد الأوروبى، لاسيما المملكة المتحدة على الرغم من أنها كانت أكثر حذرا وهو ما انعكس فى تصريحات مسئوليهم. ومع ذلك عبرّت هذه الدول عن أملها أن تصل دول شمال أفريقيا إلى الديمقراطية المنشودة.
•••
يرى اليبونى أن الدول الغربية مازالت تحرص على استمرار دعمها لمصر نظرا لما تمتلكه من موقع جغرافى متميز. ولا يقتصر هذا الدعم على الدول الغربية فحسب، بل يمتد إلى دول أخرى فى منطقة الشرق الأوسط. على سبيل المثال، تلقت مصر دعما ماديا من المملكة السعودية يقدَر بـ (2.7 مليار دولار) ومن قطر (5 مليار دولار) ومن تركيا (1 مليار دولار).
•••
ويضيف «اليبوني» أنه عندما بدأت مصر التحضير لاجتماعات صندوق النقد الدولى فى يناير 2011 للحصول على قرض بدعم من الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة وصولا إلى توقيع الاتفاق الأولى فى نوفمبر 2012، أعلنت بشكل مفاجئ يوم 19 ديسمبر عن تأجيل القرض إلى يناير 2013 نتيجة لما شهدته مصر من اعمال عنف عقب الإعلان الدستورى المكمَل فى 22 نوفمبر. ومن الأرجح، وفقا للكاتب، أن يساعد تأجيل القرض فى تصحيح السياسات المتبعَة من قبل الدول الغربية، نتيجة لانسداد الأفق الذى تعانى منه مصر بدءا من الإعلان الدستورى المكمل وكذلك إقرار الدستور المصرى الذى رفضته المعارضة واعتبرته «خطرا» كبيرا يستهدف الاستحواذ على السلطة بأى ثمن، مما أدى إلى توسيع هوة الإستقطاب السياسى بين الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية.
•••
فى هذا السياق، يؤكد «اليبروني» أن الجدل مازال قائما عشية الأحداث العنيفة التى تشهدها مصر حيث يرى البعض أن الرئيس مرسى أجبر على توظيف جميع الأدوات «الماكرة» التى تصبو إلى عدم تحقيق نهاية عادلة للمرحلة الانتقالية الديمقراطية. وكل ذلك، يعكس نتيجة واحدة وهى «أن دول شمال أفريقيا ستظل غارقة فى أزماتها السياسية» التى بدأت منذ انتفاضة ما يسمَى الربيع العربى عام 2011، وهو ما أنعكس بشكل جلى عقب اندلاع اشتباكات دموية بين الإسلاميين وغير الاسلاميين فى تونس وصراع القوى السياسية فى مصر.
ويوجه «اليبرونى» تساؤلات إلى حكومات الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة، التى تخَلت عن حلفائها عشية اندلاع الانتفاضات العربية لتراهن بعد سقوطهم على قدرة جماعة الإخوان المسلمين فى بناء نظم ديمقراطية معتدلة، من قبيل « هل سيستمر دعمكم لهذه الجماعات؟ وبأى وسيلة؟ وما هى تكلفة هذا الدعم؟
•••
ويرصد «اليبروني» ردود الأفعال الدولية على الأزمات الطاحنة التى تشهدها البلاد قائلا: «إن الادارة الأمريكية ظلت صامتة لدرجة أن بعض المسئولين الذين يدلون بتصريحات فى وسائل الأعلام برروا سلوكيات الرئيس مرسى و حمّلوا سلوك المعارضة المسئولية. ووجَهت كاثرين آشتون «المفوضة العليا للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبى»، رسالة قوية إلى الرئيس مرسى تستنكر فيها أحداث العنف قائلة «نذكر السلطات المصرية بما اتفقنا عليه رسميا مع دول الاتحاد الأوروبى» وأضافت: «أن القيم الشاملة للاحترام والعدالة الاجتماعية وحكم القانون واحترام حقوق الإنسان من شأنها أن تساهم فى إلهام أعمالنا المشتركة مستقبليا». وبرغم موقف معظم الدول الأوروبية «الحذر» بيد أنها انتهجت مسلك الولايات المتحدة وليس بروكسل.
•••
ويبدو أن سياسات الدول الغربية لن تتغير على المدى القصير، وفقا لـ«اليبرونى»، حيث من المتوقع أن تنتظر لحين الانتهاء من إجراء الانتخابات التشريعية التى ستعقد فى شهر إبريل والتى من شأنها أن تساعد فى استكمال أسس وقواعد النظام المصرى الجديد. وإذا أخذنا فى عين الأعتبار أنه لا يوجد بديل حقيقى للإخوان المسلمين يتمتع بالوسطية خصوصا أن القوى الليبرالية العلمانية منقسمة على نفسها ولديها سوء تنظيم ولا تمتلك أغلبية فى البلاد، قد لا تعدل الدول الغربية عن موقفها المساند لجماعة الإخوان المسلمين على المدى الطويل.
ويرى «اليبونى» أنه برغم قصر فترة مرسى فى الرئاسة، التى يراها الكثير محبطة للغاية، فإنه الدول المجاورة له تراها غير ذلك خصوصا أنه نجح حتى الآن فى الحفاظ على الأمن الاقليمى، وهو ما بدا واضحا عقب أزمة سيناء فى أغسطس 2012 وجهودها فى التوسط فى تعزيز العلاقات الفلسطينية ــ الاسرائيلية والحفاظ على أمن إسرائيل، وهو ما تبتغيه واشنطن.
•••
وفى سياق ظهور «الديمقراطية الرمادية» التى لاحت فى الأفق عقب التطورات السياسية التى تشهدها البلاد، لن يكون سهلا على الدول الغربية استمرار دعمها «اللامحدود». وبالتالى قد تعلق حكومات دول شمال الأطلنطى مساعدتها لمصر أو تضع شروطا عليها ولكن لن تصل لمرحلة وقف دعمها لمصر. وما دامت الدول الغربية جددت ثقتها فى جماعة الإخوان المسلمين والتعويل عليها فى تحقيق الديمقراطية، يجب عليهم تطوير سياسات ترمى إلى تشجيعهم للخطى نحو الديمقراطية والحداثة والابتعاد عن «غموضهم» كضمان لاستمرار ثقتهم.
ويختتم «اليبرونى» مقاله بالقول إن الدول الغربية يجب عليها أولا تكثيف العلاقات الدبلوماسية والحوار السياسى لإقناع الحكومة المصرية بالتقرب من المعارضة لأن جزءا كبيرا من المشكلات التى تعانى منها مصر يعود إلى الأحزاب المعارضة وليس الإسلاميين فحسب، وهذا يتطلب «إعادة تقييم» لسياساتهم الخارجية لجعلهم أكثر انسجاما مع طموحات الإسلاميين وأهدافهم لتسهيل التعاون بينهم أملا فى تجنب الصراع والاستقطاب. ثانيا، تجنب التدخل فى شئون مصر الداخلية مع إعطاء فرص أوسع للمجتمع المدنى وحماية حقوق المرأة والاقليات مع وضع شروط على المساعدات المقدمة لحكوماتهم. ثالثا السعى نحو ايجاد تسوية للصراع العربى الاسرائيلى ووقف أنماط الصراعات الطائفية التى تسود المنطقة برمتها.